; فلسطين المحتلة: السلطة الفلسطينية أوقعت نفسها في فخ الأرقام! | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين المحتلة: السلطة الفلسطينية أوقعت نفسها في فخ الأرقام!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1288

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-فبراير-1998

السلطة الفلسطينية هي التي أوقعت نفسها في فخ الأرقام، مع أنها كانت تستطيع التسلح بقرارات ما يسمى بالشرعية الدولية، التي تنص على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة، لكن مفاوضي منظمة التحرير الفلسطينية كانوا قد رضوا- بدافع من الحفاظ على بقائهم على الخارطة السياسية للمنطقة- باتفاق أوسلو، وهو الذي تنكر لقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر إسرائيل دولة احتلال.

والآن تقنع السلطة الفلسطينية نفسها بضرورة التعامل بلعبة الأرقام التي ابتدعها رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، وهكذا تضيع القضية الفلسطينية، وتميع ما بين طموحات المفاوض الفلسطيني بإعادة انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلية «وليس انسحاب» في ٢٣% من أراضي الضفة الغربية، وما بين إصرار إسرائيل على ألا يتجاوز إعادة الانتشار في المرحلة الثانية أكثر من 8% فقط، مع إصرار آخر على أن يكون هذا هو إعادة الانتشار الثاني والأخير!

ولفهم الموضوع نعود إلى اتفاق أوسلو والذي بمقتضاه تم تقسيم مناطق الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق هي:

  1. أجزاء من المدن الفلسطينية التي انسحب الجيش الإسرائيلي منها ليخلي مواقعه لقوات الشرطة الفلسطينية، ومساحتها لا تتجاوز 7% من مساحة الضفة الغربية.
  2. مناطق تشمل قرى فلسطينية تكون خاضعة أمنيًا للسيطرة الإسرائيلية بينما تتولى السلطة الفلسطينية إدارتها مدنيًا.
  3. مناطق عسكرية وأمنية وحدودية وطرق التفافية ومستوطنات يهودية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتعتبر مغلقة على السلطة الفلسطينية، ولايحق لها التواجد فيها بأي شكل من الأشكال، وتبلغ مساحة هذه المناطق حوالي ٦٠% من مساحة الضفة الغربية.

 كما يشمل الاتفاق إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في تلك المناطق على ثلاث مراحل، تم تنفيذ المرحلة الأولى، وشملت الانسحاب إلى خارج حدود مدن الضفة الغربية باستثناء القدس العربية المحتلة.

رئيس وزراء العدو نتنياهو- ومنذ مجيئه للحكم- يحاول التنصل من التزامات الحكومة الإسرائيلية نحو اتفاق أوسلو، وهو لذلك بدأ سباقًا مع الزمن قبل موعد مفاوضات الحل النهائي لإقرار حقائق جديدة، تستهدف تهويد القدس، ومصادرة أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية تحت ذريعة شق طرق التفافية للربط بين المستوطنات اليهودية فيها، وحتى هذه الساعة ترفض الحكومة الإسرائيلية الإفراج عن أكثر من أربعة آلاف فلسطيني معتقل، كان يفترض أن يتم إطلاق سراحهم قبل أكثر من عامين في عهد حكومة العمل السابقة.

الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين تباهى بموقف أمريكي مؤيد للطرف الفلسطيني في مفاوضاته مع العدو الإسرائيلي، حين ادعى. بأن الإدارة الأمريكية لن تقبل إلا بنسبة تتألف من رقمين للمساحة التي ينبغي على حكومة نتنياهو إعادة انتشار قواته فيها في الضفة الغربية، وقد كشفت المباحثات الأخيرة في واشنطن، وزيارة أولبرايت الأخيرة للمنطقة عن أن هذه النسبة التي تريدها الإدارة الأمريكية هي ١٠% فقط «رقمان أحدهما صفر»، وهذه النسبة ليست غريبة خصوصًا إذا علمنا أن السلطة الفلسطينية تطالب الحكومة الإسرائيلية بإعادة نشر قواتها في مساحة لا تتجاوز ٢٣% من مساحة الضفة، فإذا كان هذا هو طموح السلطة الفلسطينية، فمن غير المستبعد أن توافق أخيرًا على العشرة بالمائة التي وافقت حكومة نتنياهو عليها. 

وأخذت لعبة الأرقام بعدًا هزليًا، حين أكد نتنياهو على موقف حكومته الذي ينص على انسحاب بنسبة9.5%(!)، وقد أكد وزير البنية التحتية الإسرائيلي شارون بأن الانسحاب الإسرائيلي لن يزيد على هذه النسبة حتى مع الحل النهائي.

 وإضافة إلى سوء التقدير الذي يلازم السيد عرفات منذ انتخاب نتنياهو رئيسًا للوزراء؛ فإنه لم يكن موفقًا في توقيت زيارته الأخيرة لواشنطن، فرئيس السلطة الذي كان يراهن على ضغط الإدارة الأمريكية على إسرائيل لحملها على تنفيذ بنود أوسلو، لم يلق آذانًا صاغية من الرئيس كلينتون الذي كان طيلة اجتماعه مع السيد عرفات شارد الذهن، ملفوفًا بهواجس فضائحه النسوية مع مونيكا، وباولا جونز اليهوديتين، وهي فضائح أثارها وحركها اللوبي الصهيوني الأمريكي الليكودي، حتى يقطع الطريق على أي محاولة من جانب كلينتون للضغط على نتنياهو أثناء زيارته الأخيرة، وهكذا فشل لقاء عرفات- كلينتون، بينما عاد نتنياهو منتصرًا من لقائه مع كلينتون.

وعلى عكس ما أراد عرفات، فقد سمع من كلينتون كلامًا قاسيًا وحازمًا حين طلب منه بلسان إسرائيلي ضرورة أن تبدي السلطة الفلسطينية حزمًا أكثر في وقف «الإرهاب»، الذي تمثله- حسب الادعاء الأمريكي- حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وأن تصادق منظمة التحرير على التعديلات التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني على الميثاق، كما أن العرض الأمريكي المتعلق بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الضفة كان متطابقًا مع العرض الإسرائيلي، وقد وصف أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني العرض الأمريكي بأنه مبطن بموقف إسرائيلي.

 ولم يشفع للسيد عرفات «القرابين» التي قدمها للإدارة الأمريكية ونتنياهو بين يدي زيارته لواشنطن، فمسرحية اعتقال اثنين من أعضاء حماس، وكشف مستودع لحماس في مدينة نابلس زعمت السلطة أنه يحتوي على حوالي ألف كيلو جرام من المواد المتفجرة، كانت تعدها حماس لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية تأتي ضمن ذلك السياق.

السلطة الفلسطينية وعلى لسان رئيسها وعدد من مسؤوليها الآخرين أعربت عن خيبة أملها من الموقف الأمريكي المتطابق مع موقف الحكومة الإسرائيلية في موضوع إعادة الانتشار، وفي محاولة يائسة من عرفات للالتفاف على الموقف الأمريكي، حاول حشد موقف أوروبي للضغط على الحكومة الإسرائيلية، فكانت زيارة عرفات الأخيرة لإسبانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، مع علمه بأن حكومة نتنياهو التي ضمنت الموقف الأمريكي في جيبها لا تقيم وزنًا للمجتمع الدولي أو الأوروبي. 

وكانت السلطة الفلسطينية قد استجابت لكل الطلبات الأمنية الإسرائيلية، فاعتقلت المئات من أعضاء حماس والجهاد الإسلامي، وأغلقت مؤسسات حماس الخيرية في الضفة والقطاع، وألزمت نفسها باتفاق أمني مشين مع أجهزة الأمن الإسرائيلية تحت رعاية الـ«سي. أي إيه»، كما استجابت لطلبات الحكومة الإسرائيلية السياسية عندما جمعت المجلس الوطني الفلسطيني في غزة في أبريل عام ١٩٩٦م لإقرار تعديلات طلبتها إسرائيل على بنود الميثاق الوطني الفلسطيني، وخصوصًا ما تعلق منها بالحق الفلسطيني في فلسطين كاملة بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني، وكذلك اعتبار الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، إلا أن الحكومة الإسرائيلية أضافت مطلبًا شكليًا وإشكاليًا في الوقت نفسه، وهو مصادقة اللجنة التنفيذية على التعديلات التي وافق عليها المجلس الوطني الفلسطيني، علمًا بأن هذه اللجنة ليست مخولة بالتصديق على تلك التعديلات.

إن تلميحات السلطة بتحريك انتفاضة شعبية جديدة خالية من أي مضمون، لأنها- أي السلطة- هي التي بادرت إلى كتم أنفاس انتفاضة الست سنوات، الانتفاضة إن قامت من جديد فلن تقوم من أجل عيون السلطة أو أهدافها المصلحية الضيقة، التي لا يرتفع سقفها عن تحريك ما يسمى بعملية السلام، الذين قاموا بانتفاضة عام ١٩٨٧م لم يكونوا أتباع القيادة الفلسطينية القابعة في فنادق تونس في ذلك الوقت، لقد كانت انتفاضة شعبية إسلامية الوجه والقلب، تطورت في سنواتها الأخيرة إلى عمل جهادي مسلح. 

من العيب على سلطة- تملك أجهزة أمنية، وإمكانات عسكرية لا شك أنها أكبر من إمكانات حماس العسكرية- أن تهدد باللجوء إلى انتفاضة حجارة وعصيان مدني ضد الاحتلال، بدلًا من العودة إلى «الكفاح المسلح» الذي أثبتت التجارب أنه الطريق الوحيد لإزالة هذا الاحتلال، وطرد اليهود من فلسطين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

179

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)

نشر في العدد 193

197

الثلاثاء 26-مارس-1974

المجتمع الإسلامي (194)