; في بيتنا اقتصادي صغير | مجلة المجتمع

العنوان في بيتنا اقتصادي صغير

الكاتب تيسير الزايد

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008

مشاهدات 62

نشر في العدد 1798

نشر في الصفحة 56

السبت 19-أبريل-2008

أحيانًا نتصرف مع الأبناء على أن ما سيقومون به هو شيء منطقي ولا بد وأنهم سيتصرفون كما نتوقع منهم، ولكننا نفاجأ في النهاية بأن ما قاموا به ليس كما توقعنا منهم وهنا نثور ونغضب مع أن خطأهم هذا قابل للقسمة على العدد اثنين نحن، وهم.

هذا ما حدث لي في آخر رحلة لنا إلى العمرة، ففي اليوم الثاني لنا في مكة أعطيت ابنتي الصغيرة مصروفها لتتمكن من شراء ما تحب شراءه إلى جانب بعض الهدايا لصديقاتها، وبعد تجول لها في السوق مع أخواتها وبعض القريبات أتتني ليلًا لتخبرني أنه لم يتبق لها من مصروفها إلا القليل الذي لا يمكنها من شراء هدايا بسيطة لصديقاتها، وعندما استفسرت عما قامت بشرائه، فإذا هي تفاجئني بقلادة صغيرة في يدها، وتقول: إنها تفاجأت بسعرها المرتفع عندما قدمتها للمحاسب في المحل ولم تعرف كم تساوي بعملتنا، حاولت أن أكتم غضبي واستغرابي من تصرفها: فنحن في العمرة، ولا أريد أن تحمل معها ذكرى سيئة في نفسها، ولكن في داخلي كان هناك شبه بركان يريد أن ينفجر؛ بسبب تصرفها هذا، استجمعت أفكاري وما قرأت وأدركت أنها في مرحلة التعلم ولكل درس تكاليف تدفع للمدرس والذي كان هذه المرة قلادة صغيرة. 

الكل -وخاصة الصغار- لا بد وأن يعرفوا معنى النقود التي بأيديهم من أين أتت؟ وكيف تصرف بحكمة؟ وكيفية الادخار والاستثمار للمستقبل؟ ويتفق جميع المختصين على أن الطفل كلما كان أصغر عند تعليمه الأمور المالية كانت قراراته المالية أكثر حكمة في الكبر.

يستطيع الوالدان أن يبدأ بتعليم الصغار تلك المسائل عن طريق اللعب، فوضع قطعة نقدية بقيمة ٥٠ فلسًا في جهة من الطاولة ووضع ٥ قطع قيمة العشرة فلوس في الجهة الأخرى، وتقريب القطع من بعضها البعض يعلم الأبناء العد والقيمة العددية للقطع النقدية ويمكن أن تستخدم القطع الأكبر وهكذا، وبعد أن يتعلم الطفل مفهوم النقود يمكن الانتقال به إلى معنى الادخار والتوفير. 

ويعتبر هذا المفهوم من الضرورات لمستقبل الطفل، ويمكن تدريبه عليه بواسطة حثه على توفير جزء من مصروفه لشراء شيء معين بعد فترة محددة، بحيث يتبقى معه أيضًا باقي المصروف من أجل شراء احتياجاته الأخرى. 

وبعد الادخار تأتي المشاركة وتدريب الطفل عليها يحتاج بعض الصبر -لبعض الأطفال فقط- حيث يتعلم الطفل هنا أن يتنازل عن جزء من مصروفه للآخرين سواء عمل خيري أو مشروع أسري أو فكرة بين الأصدقاء.

ما معنى المال؟

المال يعني للصغار معاني كثيرة فهو تلك القطع المعدنية الصغيرة اللامعة التي يلتقطها من أي مكان يجدها، ويلعب بها وأحيانًا كثيرة يسابق يد الأم في وضعها بفمه، وهي أيضًا تلك الهبات الصغيرة التي يعطيها الأجداد بين فترة وأخرى وعندما يكبر يختلف المعنى فتصبح هي المقدرة على شراء بعض الحلوى والألعاب، وعندما يتقدم العمر تصبح الأداة لشراء احتياجات المدرسة والمأكل والملابس، بل قد يعتقدون أنهم بواسطتها يستطيعون شراء أي شيء، ويستمر بهم التقدم حتى يدركوا أنها عبارة عن تلك السيولة التي يحصل عليها الوالدان نتيجة القيام بعمل ما.

يبقى السؤال: لماذا علينا أن نعلم الأبناء معنى المال الذي بين أيديهم؟

والإجابة ببساطة: إن الصغار الآن محاصرون بهجوم إعلامي، يتمثل بتلك الإعلانات التجارية التي تروج لكل شيء وتوجد في كل مكان، فمن ألعاب جديدة إلى تقنية حديثة إلى مشروبات تمنحهم القوة والنشاط وغيرها من المنتجات، فأصبح علينا أن نتأكد أنهم قادرون على اتخاذ القرار السليم والتمييز بين البدائل المتاحة.

علينا أن نبدأ معهم منذ الصغر قبل سن المدرسة؛ بل علينا أن نتأكد أنهم استوعبوا الكثير من المفاهيم قبل سن المراهقة، ومن أهم الوسائل التعليمية إشراكهم في المناقشات المالية الأسرية عندما يصلوا لسن يسمح لهم بأن يفهموا معنى دخل الأسرة ومصاريفها والخيارات المتاحة أمامها لتخفيض الصرف، كما أن هذه الأداة تعلمهم بأن الحياة مشاركة وليس أخذًا فقط.

ما كل ما اشتهيت اشتريت:

جملة قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه منذ مئات السنين ولكنها بالنسبة للأسرة تعتبر مفهومًا اقتصاديًا مهمًا، وخاصة في عالم كثر فيه العرض لأشياء كمالية أكثر منها ضرورية، ومع هذا يشعرونك بعدم مقدرتك على العيش بدونها.

الحياة عندما كنا صغارًا كانت أبسط بكثير وذلك لأن ما كان معروضًا للشراء وما نستطيع شراءه شيء محدود، بعكس عالم اليوم الذي يواجه فيه أبناؤنا المغريات الكثيرة التي تتجدد إن لم يكن بشكل شبه دوري فهي تتجدد دوريًا.

ولهذا أصبح من الضروري تعليم الأبناء اختيار ما يريدونه بحرص ويتأكدوا من حاجتهم له، كما عليهم أن يتعلموا الطرق المختلفة للشراء والوقت الأفضل للقيام بالتسوق.

دعونا نفكر بصوت عال عندما نتخذ قرارًا ماليًا مهمًا خاصًا بالأسرة، ودعوهم يشاهدوننا ونحن نصل لقرار معين، وكيف تمت المفاضلة بين عدد من الاحتمالات، فكل هذا خبرات تنتقل.

وهناك أمران مهمان أيضًا بالنسبة للأبناء:

الأول: وهو أن المصروف الذي يسلم لهم في البداية لا بد وأن يكون صغيرًا حتى لا تكون الخسائر كبيرة.

الثاني: أن لكل فرد من الأبناء شخصية منفردة، ولهذا لكل منهم قرارات خاصة ورؤية مختلفة؛ فلا تحكم على شخص بتصرف شخص آخر.

المهم ما نريده منهم في النهاية أن يتعلموا حسن التصرف بالمال.

مفاهيم مهمة:

من المفاهيم الأساسية التي يفضل أن يدركها الأبناء منذ الصغر أن الوالدين اللذين يعملان أو أحدهما يستبدلان وقتهما الثمين بالمال الذي يكسبونه نتيجة جهدهما وأن هذا المال في النهاية يستبدل بشراء احتياجات الأسرة وتسديد رسوم الخدمات التي تحتاجها والتوفير لما يتطلبه المستقبل. 

ومن المفاهيم أيضًا: أن ما تملكه الأسرة هو مبلغ محدد وأن هذا المبلغ يستخدم لشراء احتياجات الأسرة ككل.

كما أن على الطفل أن يدرك بأن من وسائل التوفير الاعتناء بما عنده ليحتفظ به لمدة أطول ويوفر أكثر؛ فمثلًا اللعبة الخاصة به ستدوم أطول إذا حافظ عليها ورفعها بعد اللعب، وحفظها في مكان معين، وهذا ينطبق أيضًا على الملابس وكل الموارد الأساسية للمنزل كالطعام والماء والكهرباء.

التدرج في المصروف:

مال الطفل الخاص به يأتي على عدة أشكال ويتدرج معه في العمر.

ففي البداية يكون على شكل قطع نقدية صغيرة تسلم للطفل بشكل غير دوري كلما احتاج أن يشتري بعض متطلباته الصغيرة، ولكن استمرار هذا الوضع سيفوت على الطفل تعلم التعامل مع المال واتخاذ القرارات، ومن هنا ظهرت أهمية إعطاء مبالغ من المال في أوقات معينة من الأسبوع أو الشهر، فالمصروف مهما صغرت قيمته فهو يعلم الابن التالي:

  1. تحمل المسؤولية؛ إذ عليه أن يستمر معه هذا المصروف لمدة زمنية محددة، وعليه أن يحسن التصرف فيه.
  2. ترتيب الأولويات في الشراء.
  3. الادخار لما يحب أن يشتريه غير الأولويات.
  4. المشاركة، حيث يمنحه المصروف الكافي حرية العطاء، والمشاركة مع الأصدقاء والآخرين.
  5. عمل الخير، فمصروفه يعطيه الحرية أيضًا بأن يتبرع بجزء منه للأعمال الخيرية ويشعره بالرضا عن النفس وحب الغير. 

أما عن المصروف اللازم للطفل، فهذا يعتمد على دخل كل أسرة والمستوى الاجتماعي الخاص بها، ولكن لا بد وأن يتدرج المصروف في الارتفاع كلما زاد عمر الطفل.

إجراءات احترازية:

  1. لا تستخدم المصروف كأداة للعقاب والثواب حتى لا يشعر الطفل بأن مصروفه مجرد سلاح في يد والديه.
  2. قل: لا، إذا طلب منك طفلك مبلغًا إضافيًا بين فترات إعطاء المصروف، إذا شعرت أنه لم يحسن استغلال المصروف.
  3. كن مثلًا للأبناء في استخدام بطاقات ائتمانك وفي شراء احتياجاتك، بل دون مشترياتك، وحاول أن تتبع ميزانية معينة للمنزل.
  4. لا تجعل الأبناء يقومون بالأعمال المنزلية لقاء المال فالمنزل للجميع والجميع يقدم خدماته المجانية لأسرته، دون أن ينتظر مردودًا ماليًا لما يقوم به داخل سور المنزل، كما أن للطفل حقًا في دخل الأسرة كمصروف دوري له.
  5. على الطفل أن يتعلم أن المال الذي يأتيه على فترات متقطعة كهدايا من الوالدين أو الجد والجدة، أو على شكل «عيديات» في العيد لا يجب أن يعتمد عليه في التخطيط كمصدر ثابت للمال؛ فهذا المال قد يأتي وقد لا يأتي، وعلى الوالدين أن يدركوا أن هذا المال بالذات ملكية خاصة للطفل يحدد هو كيفية التصرف فيه تحت أعين مراقبة الوالدين اللذين يوجهان من بعد ويحثان على التصرف به بحكمة.

متعة المشاركة:

بمساعدتك لن يتمكن الطفل بمشاركة الآخرين بماله فقط، بل سيجد متعة وسعادة في تلك المشاركة، ولهذا أعط الأبناء دائمًا الفرصة بالمساهمة بمصروفهم في بعض الأمور المنزلية، وفي بعض المشاريع العائلية وفي شراء بعض الهدايا لأفراد الأسرة من مصروفه، كما علمهم المشاركة مع أصدقائهم في التجميع لرحلة معينة، أو وجبة غداء جماعية، كما أن للمدرسة والمسجد دورًا كبيرًا في تعليم المشاركة.

[1] (*) كاتبة كويتية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1157

94

الثلاثاء 11-يوليو-1995

المجتمع الأسري (1157)

نشر في العدد 1264

81

الثلاثاء 26-أغسطس-1997

المجتمع الأسري (1264)

نشر في عدد 2163

86

السبت 01-يناير-2022

خطتك الشخصية في 2022