العنوان في المنتدى الفكري: حوار حول القرض في المؤسسات الاقتصادية الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 75
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-أبريل-1988
في الندوة: فرائض وواجبات تقوي الروابط الاجتماعية بين المسلمين
د. الأشقر: امتناع البنوك الإسلامية عن الإقراض شيء طبيعي.
فيصل الزامل: نحتاج لجهود أخرى مكملة لمسيرة المصارف الإسلامية.
الدكتور محمد سليمان الأشقر: الإقراض نوع من الصدقة، والبنوك الإسلامية أمينة على أموال المساهمين والمودعين، وليس لمن لديه أمانة أن يتصدق بها.
الأستاذ فيصل الزامل: أسلوب المصرف الإسلامي الحالي يساعد المواطن على حل مشاكله... ولكنه لا يحلها بدون جهد منه.
الدكتور محمد رواس قلعه جي: الفقراء والمساكين سيحملون الحب والإخلاص لهذا المجتمع المسلم الذي دفع عنهم الفقر والعوز.
التكافل الاجتماعي والاقتصادي بين المسلمين واجب شرعي. وقد قامت مؤسسات اقتصادية وبيوت ولجان للزكاة في أنحاء العالم الإسلامي لتحقيق التكافل والتضامن وسد الحاجة والتيسير على المسلمين وانتشال محتاجهم من العسر، وقد طرحت "المجتمع" قضية المصارف الإسلامية، وقضية التكافل وإعانة المعسر بالقرض أو بغيره على ثلاثة من المهتمين في القضايا الاقتصادية أو الفقه الاقتصادي في الإسلام وهم السادة:
• الدكتور محمد رواس قلعه جي أستاذ الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك سعود.
• الدكتور محمد سليمان الأشقر الخبير في الموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف في الكويت.
• الأستاذ فيصل الزامل مساعد المدير العام للتخطيط والمتابعة في بيت التمويل الكويتي.
على أن لهذا الموضوع عدة جوانب نبدأ بأولها، وهي التي تشغل ذهن كثير من قرائنا الذين سألوا المجلة عددًا كثيرًا من المرات حولها.
هذا وقد طرحت "المجتمع" الجانب الأول من هذا المنتدى كما يلي:
المجتمع: لقد فرح المسلمون في الدول العربية والإسلامية عند قيام المؤسسات الاقتصادية الإسلامية القائمة على النظام الإسلامي بعد أن مكثوا طويلًا تحت مظلة الأنظمة الربوية التي لا تراعي في معاملاتها النظم الإسلامية، ولا تراعي المعسرين الذين يحبون ألا تتلوث أموالهم بما حرم الله من الربا، ولكن هذه الفرحة لم تشمل شريحة من المجتمع الذين كانوا يودون سد حاجاتهم الضرورية بالاقتراض من هذه المؤسسات والبنوك الإسلامية عن طريق الحلال، ولكنهم فوجئوا بامتناع هذه المؤسسات والبنوك الإسلامية عن الإقراض، مما جعلهم يتساءلون عن مدى شرعية الاقتراض من البنوك الربوية لتغطية حاجاتهم الأساسية. وهم يرون أن الذي دفعهم لذلك هو عدم تعامل هذه المؤسسات الإسلامية معهم. فماذا يفعلون؟ وما هو حكم الإسلام في مثل هذه الحالات؟ وهل يجوز لهذه المؤسسات أن تمتنع عن الإقراض؟ وهل تأثم إذا تسببت في توجه هذه الشريحة إلى البنوك الربوية؟
فيصل الزامل:
أجاب الأستاذ فيصل الزامل عن الجانب المتعلق بموقف المصارف الإسلامية فقال مستحضرًا السؤال: لماذا لا يوفر المصرف الإسلامي القروض الشخصية التي توفرها المصارف الأخرى؟ وأجاب: هذا التساؤل يُطرح بين حين وآخر، ويتلخص سبب عدم منح قروض بالصورة المطروحة في أوساط المصارف التقليدية: أنها تُقدم وفق أساس الفائدة الربوية وهي محرمة في الإسلام. وقد وجد المصرف الإسلامي أن المراجع يحتاج مبلغ القرض في الغالب للذهاب به إلى السوق لشراء حاجاته بمختلف أنواعها "السيارة، مواد البناء، أثاث المنزل وتجهيزاته، شراء البيت.... إلخ"، لهذا اتجه المصرف الإسلامي إلى شراء معظم تلك الحاجات ونقلها إلى ملكيته وحيازتها تمهيدًا لبيعها للمراجع من عملائه.
هذا الشراء يتحقق من خلاله الأمور التالية:
• يقوم المصرف بشراء السلع لحسابه، وبيعها بالأجل للعميل لفترة زمنية تتفق وقدرات العميل على السداد، وقد شرع الإسلام بيع الأجل في كتاب الله "سورة البقرة:243" وفي الأحاديث النبوية الصحيحة ولم يزل المسلمون يتعاملون به منذ القدم.
• يشتري المصرف سلعًا أخرى يحتفظ بها في مخازن البائع، بعد تحقيق ما ينفي الجهالة من الشراء مثل دفع الثمن للسيارات ونقل ملكيتها وحصر أرقام هياكلها. وتبقى في مخازن الوكيل بانتظار أوامر البيع الواردة من المصرف الإسلامي، ولو راجع أي مشترٍ الوكيل مباشرة لشراء هذه السيارة أو تلك مما يعود إلى المصرف الإسلامي فليس له قدرة بيع تلك السيارة المباعة للمصرف الإسلامي ولذا يقوم الوكيل بتوجيه العميل لمراجعة المصرف الإسلامي.
• يربح المصرف الإسلامي في بيعه لتلك السلع "السيارة أو مواد البناء أو الأسمنت الخرسانة.... إلخ" ببيعها للعملاء ربحًا مقبولًا بمقياس التاجر المسلم، وإنما جاز له الربح لتملكه الفعلي لتلك السلع، فهو لا يعيدها للوكيل، فيما لو فشل في بيعها إذ إن عقد شرائها من الوكلاء والتجار عقد مبرم.
هذا الأسلوب... حقق للمصرف الإسلامي مجالًا لاستثمار أموال المسلمين المودعة إليه، وانتفع المشتري من فترة السداد، ولو قام باقتراض مبلغ الشراء "قرضًا حسنًا من المصرف الإسلامي" واشترى به حاجته من السوق لانفرد التاجر بالربح من هذه المعاملة، وحرم منه صاحب المال المودع، ولكان ربح التاجر من العميل مضاعفًا عنه في حالة تدخل المصرف الإسلامي وشرائه بكميات كبيرة من السلع تحقق له فرصة الحصول على خصومات تيسر للمصرف الإسلامي البيع بربح معقول، وهو ما كان العميل سيدفعه للتاجر عند اقتراضه المبلغ واستخدامه في الشراء، غير أن صاحب المال... المودع... لا يستفيد من وديعته... لو لم تستثمر في شراء وبيع على النحو المبين أعلاه.
المجتمع: هل يغطي هذا الأسلوب كل الاحتياجات التي يحققها الاقتراض من البنوك الربوية؟!... بعبارة أخرى... يحتاج المرء إلى أشياء لا يشتريها من السوق ولا من المصرف الإسلامي مثل دفع المهر للزواج وأجور العمال في بنائه لمنزله... وهكذا؟
أجاب الأستاذ الزامل قائلًا: الإجابة تتلخص في نقطتين... هما:
• أسلوب المصرف الإسلامي الحالي "يساعد" المواطن على حل مشاكله... ولكنه لا "يحلها" بدون جهد منه... فإذا توفر للشاب أسلوب يمكنه من شراء أثاث منزله للزواج وسيارته وغير ذلك، فإن ذلك الجزء المتبقي يجب أن يهيئه بنفسه من مدخراته.
• وبالمثل لأجور العمال وغير ذلك من أمور لا غنى للمواطن عن بذل الجهد الذي يتعاضد مع جهود أخرى لتحقيق كل ما يتمناه.
"المصرف" الإسلامي هو جزء من أدوات "الاقتصاد" الإسلامي. وهي تشمل إلى جانب المصرف مؤسسات مالية تكافلية لا يكون أساس العقد فيها هو استثمار المال. مثل: شركة التأمين الإسلامية ومؤسسات الزكاة والأموال الموقوفة لأعمال البر "مثل بناء المساجد والمستشفيات والوحدات الصحية الحديثة لعلاج أمراض مزمنة وأوقاف للمساعدة على الزواج... إلخ". لقد لعب الوقف الإسلامي دورًا كبيرًا في الارتفاع بالمجتمع الإسلامي في العصور السالفة، وهو بحاجة لأن يبعث من جديد في صور مبتكرة، نراها للأسف مطبقة اليوم في الغرب في صور عديدة من الهيئات الخيرية التي تقوم على أموال الوقف وتسمى الـ "TRUST".
إذن... نحتاج لجهود أخرى مكملة لمسيرة المصارف الإسلامية حتى يتذوق المجتمع مزايا الاقتصاد الإسلامي بكل مرافقه.
د. محمد الأشقر:
وأبان د. الأشقر الموقف الشرعي الخاص بقضية اقتراض المحتاج من البنوك الربوية خلال إجابته عن القضية نفسها فقال: إن امتناع البنوك الإسلامية عن الإقراض شيء طبيعي، وهو صحيح شرعًا ولا مؤاخذة عليها فيه، لأنها مؤسسات تجارية استثمارية وقد جمعت أموال المسلمين من مساهمين ومودعين لاستثمارها، ولم يخولوها حق الإقراض؛ لأن الإقراض بر ومعروف بدون نفع عاجل يرجى للمقرض بل يطلب به الأجر عند الله فهو نوع من الصدقة، والبنوك الإسلامية أمينة على أموال المساهمين والمودعين وليس لمن لديه أمانة أن يتصدق بها. فلو تصدق بها أو أقرضها فتلفت كان على المسؤول عن ذلك الضمان، بالإضافة إلى أنه يأثم بإقراضها؛ لأن ذلك خيانة للأمانة ما لم يكن لديه تفويض بذلك أو يكون مما يقتضيه العرف. وهذا بخلاف المؤسسات التي جمعت الأموال لإنفاقها في وجوه الزكاة أو الصدقات فإن لها أن تتصدق منه في الوجوه التي تجوز فيها الصدقة. ولها أن تقرض من الأموال التي لديها في أبواب الخير إن كانت تلك الأموال قد قدمت إليها بوجه يجيز الإقراض منها، كما لو قدم مبلغ لبيت الزكاة ليكون وقفًا على الإقراض، أو من معونة الدولة وكان نظامها يجيز الإقراض. ثم إذا كان الإنسان بحاجة إلى قرض يقترضه، ولم يجد من يقرضه قرضًا مشروعًا، فينظر فإن كان له وجه مشروع يستطيع منه أن يغطي حاجته لم يجز له الإقراض بالربا، أما إن كان لا يجد وجهًا مشروعًا يقترض منه أو يوفي به حاجته، وكانت تلك الحاجة ضرورية له يخشى الهلاك أو الضرر البليغ بعدم وفائها، فيجوز له حينئذ أن يقترض بالربا أقل مبلغ يستطيع أن يسدد به حاجته الضرورية المذكورة، لقول الله تبارك وتعالى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام:119). وقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة:3). والحاجات الضرورية التي يباح لها الربا المحرم مثل: من وصل إلى حالة الجوع المستمر لعدم الطعام له أو لأولاده أو لم يجد له ولأهله ما يستأجر به سكنًا، وخشي أن يخرج إلى العراء أو لم يجد كسوة تستره من الحر والبرد أو نحو ذلك والله أعلم.
المجتمع: إن هذا الموضوع يسوقنا إلى قضية التكافل الاقتصادي بين المسلمين، حيث يحقق أثرًا كبيرًا في تماسك كافة الفئات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد... فماذا عن الفرائض والواجبات الإسلامية المتعلقة بالناحية المالية على المستوى الفردي أو الجماعي؟
د. محمد رواس قلعه جي:
أجاب د. محمد رواس قلعه جي على هذا السؤال، فتحدث عن أثر كل من الزكاة والهدية والنفقات على الفقراء فقال: الزكاة فريضة فرضها الله تعالى على الأغنياء -فهم لا يدفعونها تفضلًا منهم، بل عطاء واجبًا- يطهر بها نفوس الأغنياء من البخل والأنانية، ويطهر نفوس الفقراء من الحقد على الأغنياء والكراهية والبغض لهم، ويزرع في نفوس الأغنياء الشعور بالمسؤولية عن الفقراء، ويزرع في قلوب الفقراء الحب للأغنياء، لما يجدون منهم من العطف عليهم وقضاء حوائجهم المالية، فيتعاونون معهم على تنمية ثرواتهم لأن لهم منها نصيبًا، وبذلك يحل التعاون بين الأغنياء والفقراء بدلًا من الصراع الذي يغذيه الحقد الناشئ من الظلم. يقول الله عز وجل في سورة التوبة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة:103).
وإن نظرة سريعة إلى مصارف الزكاة التي ذكرها الله تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:60). ندرك مدى الدور الذي تؤديه الزكاة في تحقيق الترابط الاجتماعي، فالفقراء والمساكين سيحملون الحب والإخلاص لهذا المجتمع المسلم الذي دفع عنهم الفقر والعوز، والمؤلفة قلوبهم لم يعطوا من الزكاة إلا ليكونوا مع المسلمين لا عليهم، ومن أعتق من مال الزكاة سيحمل الود دائمًا لهذا المجتمع المسلم الذي أعاد إليه حريته، والغارم الذي أعطاه المجتمع الإسلامي من الزكاة ما يحمل غرامة أو يفي الدين الذي أثقله لا بد وأن يتفانى في خدمة هذا المجتمع والتضامن معه، وابن السبيل الذي دفع له المجتمع الإسلامي من مال الزكاة ما أعاده إلى وطنه، ولولا ذلك لتعرض لذل السؤال، سيحفظ ذلك لهذا المجتمع الخير، ولا يتوانى عن التضامن معه. وهكذا... والصدقات على الرغم من أن الإسلام لم يفرضها ابتداء، إلا أنها تصبح فرضًا عند الحاجة إليها، كما هو الحال عند وقوع الكوارث كالقحط والتدمير الناشئ عن الزلازل والفيضانات ونحو ذلك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في المال لحقًا سوى الزكاة" (السيوطي:2327)، ثم تلا صلى الله عليه وسلم ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (البقرة:177). ولا يجوز للمسلم أن يترك الصدقة لحقارة ما يتصدق به لأن هذا القليل، وإن لم يشبع الجائع إلا أنه يطيب نفسه ويجذبه بالمتصدق ويمتن رابطة الأخوة بينهما، وهذا من مقاصد الشارع من الصدقة، ألا ترى أن الشارع الحكيم قد أقام الكلمة الطيبة التي تمتن الرابطة الطيبة بين الطالب والمطلوب منه مقام الصدقة عند العجز عنها، ففي الحديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" (ابن حبان:2804). ولما كانت تقوية الروابط الاجتماعية مع الأقارب مقدمًا على تقوية الروابط مع غيرهم لما لهم من القرابة، فإن الإسلام جعل الصدقة على القريب أفضل من الصدقة على البعيد مع وجود القريب المحتاج، فقد كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحَاءَ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أُنزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران:92)، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران:92)، وإن أحب أموالي إلي بَيْرُحَاءَ، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (البخاري:1461). وبذلك نرى أن قضاء حاجة المحتاج عامل هام في تمتين الروابط الاجتماعية.
ثم تحدث د. قلعه جي عن الهدايا فقال: الهدية هي إعطاء الشيء بغير عوض تقربًا إلى المُهْدَى إليه أو صلة أو إكرامًا له، والهدية تطيب القلوب إن كان في القلوب دخل، وتشد أواصر المحبة بين الأقارب والأصحاب ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويأمر بها، فقد روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تهادوا؛ فإن الهدية تذهب بالضغائن" (الألباني:2961). وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر" (الترمذي:2130). وروى عطاء بن أبي مسلم الخراساني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تهادوا تحابوا، وتصافحوا يذهب الغل عنكم" (الألباني:2490).
وأخيرًا شرح دور الهدية في تقوية الرباط الاجتماعي قائلًا: من الأمور التي تقوي الروابط الاجتماعية: النفقة، وقد أوجب الإسلام على الأغنياء نفقة الفقراء من أقاربهم في حالة عجزهم عن العمل أو في حالة كون دخلهم لا يكفي نفقتهم المعتدلة الخالية من الإسراف والتبذير، وهذا الإنفاق يقوي الروابط الاجتماعية بين المُنْفِق والمنفق عليه، لأن المُنْفِق يشعر بمسؤوليته عن المنفق عليه ويحمل همومه؛ ولذلك تراه مندفعًا إلى نصحه وتوجيهه وزيارته بين الحين والحين، ولأن المنفق عليه يمتلئ قلبه بحب المُنْفِق، فهو يدعو له ولا يرى خيرًا إلا ويسعى لإيصاله إليه، خاصة إذا شعر المنفق عليه أن المُنْفِق يعطيه النفقة وهو منشرح الصدر، لا يؤديها جبرًا بقوة القانون بقدر ما يؤديها طمعًا في ثواب الله تعالى يوم القيامة. ولذلك رأينا الإسلام يسوق الناس بخلجات قلوبهم وما وقر فيها من إيمان لا بسياط الجلادين، فهو يرغب الناس في الإنفاق على الأقارب؛ لأنه إحدى القربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله يحتسبها -أي يطلب بها الأجر من الله تعالى- كانت له صدقة" (متفق عليه). ويعظم الأجر ويزداد الثواب إذا كان المنفق عليه ليس من عياله، ففي الحديث عن رسول الله "الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار" (البخاري:5353). وحتى لا يبخل المنفقون في التوسيع في النفقة على من يُنفِقون عليهم وعدهم الله تعالى أن يخلف عليهم ما أنفقوا فقال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (سبأ:39).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل