العنوان أطياف الحجيج.. ونفحات البيت العتيق
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011
مشاهدات 70
نشر في العدد 1976
نشر في الصفحة 45
السبت 05-نوفمبر-2011
معالم على الطريق
تُقبل علينا في هذه الأيام نفحات البيت العتيق، ونسمات الأيام المباركة، فتعانقها القلوب وتصافحها الأرواح بشوق وحب وحنين، فتهش لها الجوانح وتسعد بها النفوس، وكيف لا ونحن في أشرف الأيام وأعظمها، عن ابن عباس فيما يرويه البخاري والترمذي وأبو داود، قال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام »، يعني أيام العشر من ذي الحجة، قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء »، فكان الصالحون إذا دخل أيام العشر شمروا عن ساعد الجد، حتى كان سعيد بن جبير رضي الله عنه، يجتهد في هذه الأيام اجتهاداً شديداً ما يكاد يقدر عليه أحد، ويروى عن ابن عباس أنهم كانوا يكثرون فيها من التهليل والتكبير والصيام وذكر الله تعالى، أيام تتجمع فيها وفود الله في ضيافة الرحمن حول بيته، وفي رحاب حرمه؛ تلبية لأمره وإجابة لنداء إبراهيم عليه السلام، تماماً كما صور القرآن وخططت الإرادة الإلهية.. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾ (الحج: 27).
عشرات الألوف من الناس يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة كل عام تسيل بهم الوديان وتحملهم الروابي تلبية لدعوة إبراهيم عليه السلام، منذ آلاف الأعوام يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، ملبين ضارعين مكبرين مهللين، معظمين موحدين في هتاف فرد وشعار موحد، «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك
لك ».. عجيب أمر هذه الأمة المسلمة تتجمع من أقصاها إلى أقصاها في يوم واحد بعقيدة حية وتوجيه سديد ونداء مخلص، إن مفاتيح تلك الأمة ربانية تستعصي على كل شيطان رجيم، يسعدها ويسعد بها من عرف طبيعتها واكتشف معدنها، ونظرة واحدة إلى الجموع الربانية والحجيج الخاشع المتجمع من كل حدب وصوب على اختلاف الأسنة والألوان تقر هذه الحقيقة وتظهر هذا الاتجاه.
إن دروس الحج وخطوات تلك الرحلة المباركة يجب أن تستوعب وأن يستفاد منها، وأول درس يلتفت إليه، كيف تربى الأسرة على أمر الله وطاعته؟ إن أطياف إبراهيم عليه السلام وأسرته تتجسد أمام تلك المواكب الزاحفة إلى بيت الله الحرام، وتظهر وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الراجف إلى ربه ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)﴾ (إبراهيم: 37).
ثم يظهر طيف هاجر الصابرة وهي تستروح الماء لطفلها الرضيع في تلك الصحراء الملتهبة حول البيت، تهرول بين الصفا والمروة، وقد هدها الجهد وأضناها الإشفاق وأحرقها العطش، ويظهر طيف إبراهيم وهو يقول لوحيده: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (الصافات: 102).
فيجيبه التقي الرضي: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾ (الصافات: 102)، ويظهر طيف إبراهيم وهو يرفع قواعد البيت هو وإسماعيل عليهما السلام في صمت وخشوع وحسبة وضراعة! ربنا تقبل منا
إنك أنت السميع العليم. تظهر أطياف تلك الأسرة المباركة المحتسبة المؤمنة نموذجاً لطاعة الله واتباع أمره في أحلك اللحظات وأقسى المحن، ثم بعد ذلك ماذا كان؟ هل ضيعها الله؟ هل تخلى عنها؟ لا بل إن الزمان يحمل ذكراها عطرة إلى كل سائر على درب الخير.
يجب أن تعلم الأمة المؤمنة أنه لا طاعة لمخلوق ولا لشهوة ولا لشيطان من شياطين الإنس والجن في معصية الخالق، وألا تأخذها في الله لومة لائم كما فعل إبراهيم عليه السلام، وإن القوة والعزة والمنعة في جنب الله تعالى، يجب أن يعلم المسلمون أنه لا وحدة إلا في ظلال العقيدة، ولا تجمُّع إلا في رحاب الإيمان، وما اجتماع الحجيج إلا تجسيداً عملياً لذلك، يجب أن تبعث الأخوة الإسلامية والعلاقة الربانية بني المسلمين من جديد، وأن يكون هذا شعارهم حتى يعوا هذا النداء المجلجل في كتاب ربهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾ (التوبة: 71).
فيا عرفات، هل تعارف المسلمون في رحابك؟ وهل عرفوا الطريق المستقيم في جنباتك ووجدوا إيمانهم على مشارفك؟ وهل تراحموا على جبل الرحمة وتآخوا في مواسم النفحات؟ إن هذه المواقف مواطن طهر وتجرد ومراجعة، ومهابط مغفرة وتوبة وندم تخلو فيها النفس، فيجب أن يسكب فيها النور وتبيض فيها الصحائف فيسيطر فيها الخير وتطهر فيها اليد ويستقيم فيها القصد، يجب أن توجه للعمل الصالح والقصد السديد.
والحق أن النفوس في هذه الأيام تشتاق كثيراً أن تبعد ضغط المادة وسعار الشهوات، وتلقي بنفسها في أحضان تلك التجليات الربانية الكريمة، وتعيش لأيام وسط الجموع الطاهرة المتجردة الساعية إلى الله حاسرة الرؤوس رافعة الأكف دامعة العيون وآلهة النفوس خافقة القلوب في ركب النور والغفران، تضرع إلى الله فتسكب العبرات وتحس الرحمات، وتتآخى والدنيا تتقاطع، وتتحاب والدنيا تتمزق، قبلتهم واحدة ورايتهم واحدة ونداؤهم واحد، جاؤوا لأفضل عمل وأنبل
قصد وأجلّ غاية، يروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور ».. ألا ما أجملها من مواسم طاعة وأيام بر ومغفرة، من أضاعها أضاع الخير من بين يديه، ومن أمسكها أمسك الفوز في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن ينفعنا بها وأن يوفقنا فيها، إنه نعم المولى ونعم النصير.
فهذه أيام يجب أن يتزود الإنسان فيها لنفسه، وأن يأخذ منها لمعاده ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (البقرة: 197)، ﴿يّا أّيٍَهّا الذٌينّ آمّنٍوا اتَّقٍوا اللَّهّ ولًتّنظٍرً نّفًسِ مَّا قّدَّمّتً لٌغّدُ واتَّقٍوا اللَّهّ﴾ (الحشر: 18).
إنها أيام الخير أيام النور وأيام النفحات وأيام التلبية، من سعى فيها إلى بيت الله ونزل ضيفاً عليه لا يرجعه خائباً ولا يرده كسيراً، يروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ،» وزاد مسلم والترمذي: «ما سبح الحاج تسبيحة ولا هلل من تهليلة ولا كبر من تكبيرة إلا بشر بها تبشيرة ».. فيا أيام البشريات والنفحات، كوني لنا زاداً يوم فقدان الزاد، وكوني لنا عوناً على طريق الخير والرشاد، نسأل الله القبول والرشاد أمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل