العنوان هوامش على إعادة تشكيل العقل المسلم
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 23-مارس-2013
مشاهدات 68
نشر في العدد 2045
نشر في الصفحة 66
السبت 23-مارس-2013
إعادة تشكيل العقل المسلم ليست أماني ولا أحلامًا، وإنما هي منظومة من الضوابط والشروط التي توفر مناخا صالحا للفعل الحضاري.
ما الذي أراد الإسلام أن يفعله بصدد تهيئة أو تخطيط مناخ ملائم للفاعلية العقلية، وبالتالي جعل العرب القادمين من أعماق البداوة قادرين على أن يكونوا أمة متحضرة مضت عبر قرون طويلة مالكة زمام النشاط المعرفي والحضاري متسنمة قيادة العالم؟ ما الذي جعلها تنطفئ فيما بعد، وتفقد قدرتها على التعامل مع هذه الشروط القرآنية والنبوية، فتجعل من عقولها أداة للتعامل الجاد مع الكونية ومع العالم، وتستعيد - بالتالي - قدرتها على قيادة هذا العالم من منظور حضاري قبالة تحديات الحضارة الغربية التي طالما قال عنها أرنولد توينبي، المؤرخ البريطاني المعروف: إنها تكاد تلتهم بقايا الحضارات المتآكلة التي تلفظ أنفاسها بما فيها حضارة الإسلام أو ثقافة الإسلام التي إن لم يتداركها المسلمون أنفسهم فلنقرأ عليها السلام؟
إن الإشارة إلى العقل وإلى الفاعلية العقلية والشروط التي يجب أن تتحقق بها، والتي تضع العقل المسلم في صميم الإنجاز، لا تعني أبدًا إهمالًا للطاقات البشرية الأخرى في التعامل مع العالم، كالروح والوجدان وصيغ التربية والإعداد.
إننا نختلف عن الغربيين الذين - على تألقهم العقلي والفكري - وقعوا في خطيئة إما هذا أو ذاك، إما العقل وإما الروح.. نحن لا نعاني من هذه المشكلة في نسيج حياتنا الإسلامية، ففي مقابل إما هذا أو ذاك.. عندنا عبارة. هذا وذاك.. العقل والروح معا.
فبعيدا عن إثارة أي قضية خلافية أو جدلية، يجب التأكيد على الفاعلية العقلية وعلى منظومة الشروط التي وضعها القرآن الكريم والسنة النبوية لجعل العقل المسلم قديرًا على العطاء.. وهذا لا يعني مطلقًا إبعادًا للجوانب الأخرى من الكينونة البشرية، المعنية بالروح والوجدان والنشاط التربوي، وإنما هي أولويات فرضت علينا فرضًا ما دام أن الصدمة الاستعمارية التي ذهينا بها قبل قرون قد قادت إلى موقفين خاطئين للأسف الشديد موقف الانتحار الحضاري أي الاندماج الكلي في الحضارة الغالبة والضياع فيها، والموقف الآخر موقف هروبي، انعزالي رفض كلية التعامل مع تلك الحضارة.. رفض حتى السيارة والثلاجة والمدرسة.. إلى آخره، باعتبار أن هذه الحضارة حضارة كافرة يجب أن نكون حذرين في التعامل معها.
وقد حقق هذان الموقفان هزائم متلاحقة قادت في إحدى جوانبها إلى ذوبان حضارتنا ومثقفينا الذين يمثلون واجهتها في كيان الحضارة الغربية الغالبة، وقادت في جوانب أخرى إلى خسارة فرصة ممتازة لتوظيف المعطيات الإيجابية الفاعلة في الحضارة الغربية الخدمة وتعزيز الوجود الإسلامي في هذا العالم.
إذن نحن في حاجة إلى أن نجد طريقًا وسطًا لا يميل باتجاه الانتماء والاندغام الثقافي في الغير، ولا يميل باتجاه الهروب والانعزال عن معطيات الغير التي هي إرث مشترك في معظم نسيجه من حقنا أن نأخذ منه ما ينسجم وقناعاتنا.
وهكذا، فإن مصطلح تركيب العقل وإعادة تشكيله يعنى بالدرجة الأولى بالبحث عن طريقة عمل ملائمة في لحظاتنا الراهنة من القرن الحادي والعشرين تعيد للمسلمين قدرتهم على الفاعلية والعطاء، وتمكنهم من مجابهة تحديات الحضارة الغربية، وتقول للناس: إن العقل المسلم ليس بأقل من العقل الغربي إن لم يفقه قدرة على الفاعلية بسبب من أن كتاب الله تعالى وسنة رسوله وضعنا جملة من الضوابط والشروط التي تؤكد المساحة الكبيرة التي أولاها الإسلام للفاعلية العقلية كمرتكز للمعرفة والتحضر، وكأنها تريد أن تقول لنا: قوموا ثانية فاقد حوا زناد عقولكم مادام أن القرآن الكريم والرسول عليه السلام يقولان بهذا.
وليس ثمة بعد هذه المحاولة أي محاولة إشعال فتيل العقل المسلم في هذا العالم، من طريق يمكننا من أن ننهض ثانية لنجابه الموقف بصيغة ندية، وأن تكون أكفاء التحديات الثقافية الغربية الغالبة.
قد يقول قائلون ممن تعتري أذهانهم بعض الشبهات إن المنهج القرآني والنبوي كان صالحًا لبيئة أو مكان محددين، فما لنا نلتزم به في القرن الراهن ونحن في مجابهة حاسمة مع حضارة تملك الكثير؟ والجواب: إن هذا المنهج القرآني الذي يستمد خطوطه العريضة ومرتكزاته وثوابته من أوامر وتعاليم قادمة من الله سبحانه الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم السر وأخفى، والذي يحيط علما بكل شيء.. هذا المنهج يمكن أن يشكل برنامج عمل في كل زمان ومكان.. وهو منهج مرن قادر على أن يدخل في كل عصر.. في قرن عشرين أو في قرن خامس وعشرين لكي يفعل ما فعله.
إننا نتذكر هنا مقولة المفكر الفرنسي المعروف روجيه جارودي من أن شهادة « لا إله إلا الله، هذا الإثبات الأساسي الذي هو مرتكز العقيدة الإسلامية قادرة على أن تزحزح الجبال عن مواضعها إن نحن عرفنا كيف نستنبط من القرآن الكريم والسنة النبوية تلك المؤشرات والثوابت التي تعيدنا ثانية إلى قلب العالم، فاعلين قديرين على المشاركة والعطاء، والمساهمة الفاعلة في نسيج الحركة العالمية.