; الهجرة من بلاد الإسلام وإليها.. ضوابط وأحكام | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة من بلاد الإسلام وإليها.. ضوابط وأحكام

الكاتب حامد العطار

تاريخ النشر الخميس 01-أغسطس-2019

مشاهدات 55

نشر في العدد 2134

نشر في الصفحة 32

الخميس 01-أغسطس-2019

يجب على من نوى الهجرة أن يكون واثقاً أنه سيحافظ على فرائضه الدينية ويمتنع عن المحرمات

متى كان البقاء في البلد أخطر من الإخفاق في الهجرة اقتضى ذلك جوازها وإلا بقيت على المنع والحرمة

الضمير الجمعي للصحبة المسلمة الملتزمة يمثل الحصانة الأهم ضد الذوبان في الثقافات غير الإسلامية

على المسلمين الذين احتلت أرضهم عدم الهجرة منها باختيارهم وعليهم الصبر على ما يصيبهم في سبيل ذلك

الباحث الشرعي بموقع «إسلام أون لاين» سابقاً

ذكرت بعض آيات القرآن الكريم عدم قبول عذر المضطهدين، يشيب لهولها الولدان، وتتفطر لها القلوب فرَقاً ووجلاً، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً {97}) (النساء)، وفي ظلال هذه الآية، قسَّم الفقهاء أنواع الناس من حيث حكم الهجرة بالنسبة لهم إلى الأنواع التالية:

1- من تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه مع المقام في دار الحرب؛ وذلك لما في الآية من وعيد شديد، والوعيد الشديد لا يكون إلا في ارتكاب المحرم وترك الواجب.

2- من لا هجرة عليه: وهو من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة في دار الكفر، أو ضعف كالنساء، والولدان؛ لقوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً {98}) (النساء).

3- من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه: وهو من يقدر على الهجرة، ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب، فهذا يستحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد، وتكثير المسلمين(1).

هذا التقسيم الذي ذكره الفقهاء كان في وقت يمكن للمسلم أن يهاجر إلى المكان الذي يشاء، وكانت معوقات الهجرة فيه قليلة؛ فلذلك جعلوا الهجرة هي الأصل، وجعلوا الاستثناء هو الفرع، فالاستثناء في ذلك الزمان هو عدم التمكن من الهجرة.

لكن في زماننا هذا، أصبح الأصل هو عدم إتاحة الهجرة، وإتاحتها هو الفرع؛ حيث تحتاج إلى تأشيرة، قد يتمكن الإنسان من الحصول عليها، وقد لا يتمكن، وحتى عند التمكن منها قد تتأخر عليه سنوات طوالاً!

هذا في تأشيرة الدخول المؤقتة، فكيف بمنح الإقامة الطويلة؟ وكيف بمنح الجنسية؟!

حرمة الهجرة

 ومع ذلك، ذكر بعض الفقهاء صورة يحرم فيها الهجرة، وهي في حق من يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، ويقدر على الاعتزال في مكان خاص، والامتناع من الكفار، فهذا تحرم عليه الهجرة؛ لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه، فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار، وهو أمر لا يجوز؛ لأن كل محل قدر أهله على الامتناع من الكفار صار دار إسلام(2).

وفي كتاب «الشخصية الإسلامية» للنبهاني: «تحرم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وذلك إذا كان يملك القدرة على تحويل دار الكفر التي يسكنها إلى دار إسلام، سواء أكان يملك القدرة بذاته، أو بتكتله مع المسلمين في بلاده، أو بالاستعانة بمسلمين من خارج بلاده، أو بالتعاون مع الدولة الإسلامية، أو بأي وسيلة من الوسائل»(3).

وذكر الفقهاء بعض الصور التي تكره فيها الهجرة، ومنها إذا كان الشخص يرجو ظهور الإسلام بإقامته، أو ترتب على بقائه مصلحة من مصالح المسلمين؛ فقد نقل صاحب «مغني المحتاج» أن إسلام العباس رضي الله عنه كان قبل بدر، وكان يكتمه، وكان يكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان يحب قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مقامك بمكة خير»(4).

وجاء في موسوعة «فقه الجهاد»: «وهذا فيمن لا يكون له عمل دعوي أو تربوي أو قيادي للأقلية المسلمة في غير دار الإسلام، فإن بقاءه بنية تعليم المسلمين، أو تثبيتهم على الحق، أو تجميعهم على عمل الخير وخير العمل، أو تجنيبهم مسالك السوء أو مواطن الهلكة، أو دعوة غير المسلمين إلى الإسلام؛ فإن مثل هذا يعد بقاؤه في دار الكفر ضرباً من الجهاد في سبيل الله، وإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى(5).

ضوابط الهجرة الجائزة

وهكذا، فإن التقسيم الفقهي السابق كان مناطه القدرة على إقامة الدين من عدمها، فرأينا وجوب الهجرة من الأرض التي لا يتمكن فيها المسلم من إقامة دينه، والأرض التي يتمكن فيها من ذلك بغض النظر عن وصف البلد.

وفيما عدا ذلك تكون الهجرة جائزة، أياً كان الغرض منها؛ اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو سياسياً، أو ترفيهياً، متى توافرت الشروط التالية في الهجرة:

1- ألا يخاطر بدينه ولا بدين ذريته:

يجب أن يكون واثقاً أنه يمكنه أن يحافظ على فرائضه الدينية، وأن يمتنع عن المحرمات عليه، وأن يكون قادراً على أن يقي أهله وولده من النار، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (التحريم: 6)، فإذا كان واثقاً من محافظته على نفسه، وليس واثقاً من محافظته على ذريته -ولا سيما بناته- من التأثر بالبيئة الإباحية اللادينية السائدة في بلاد الغرب؛ فلا تجوز له الإقامة هناك ولا الهجرة إليها.

2- اختيار المكان المناسب للهجرة:

أن يختار المكان المناسب للهجرة، بأن يكون بين مجموعة من إخوانه المسلمين، يتقوى بهم؛ فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده قوي بجماعته، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصيةَ، وإذا كان الإنسان محتاجاً إلى الصحبة الصالحة في كل مكان، فاحتياجه إليها في البلاد غير الإسلامية أعظم وأوكد.

يحتاج المسلم في بلاد الهجرة إلى المسجد، والمدرسة، والنادي، والأصدقاء، وهذه أشياء لا تتكون إلا عبر مجموعة أفراد لا فرد واحد، وإلا تعرض المسلم للذوبان في المجتمع الجديد.

والصحبة المسلمة في بلد المهجر ضرورة؛ فبها يستعاض عن القوانين الرادعة في تحصين النفس والزوجة والأولاد؛ حيث تُضعف قوانين هذه البلاد سلطان الأب على زوجته وأولاده، بل وعلى نفسه؛ فالبنت يمكنها أن تغدو من بيتها صباحاً ثم تعود في أحضان من تحب متى بلغت سناً معينة، ولا يملك أبوها تأديبها ولا منعها من ذلك بالقوة، وهنا تكمن أهمية التواجد الجماعي للمسلمين؛ حيث يمثل الضمير الجمعي الحصانة الأهم ضد الذوبان في الثقافات غير الإسلامية.

3- ألا يضيع والديه أو أولاده بهجرته:

على الشخص المهاجر ألا يدع وراءه واجبات يضيعها بترك بلده متى كان مختاراً في هجرته، وأولى الواجبات والداه وأولاده.

هجرات شائكة

من الهجرات المعاصرة التي كثر الجدل حولها «الهجرة غير الشرعية»؛ فمن البديهي أن تحرم هيئات الفتاوى الرسمية الهجرة غير الشرعية، فيكفي اسمها لإدانتها رسمياً؛ والمقصود بعدم شرعيتها: كونها خارج دائرة القوانين المنظمة، ويضاف إليها أنها تكون غالباً عالية المخاطر، والأصل فيها عدم النجاة، وهذا مما يساعد على تحريمها، غير أن الفقه الحر خارج الدوائر الرسمية يقتضي إخضاعها لقواعد المصالح والمفاسد؛ فمتى كان البقاء في البلد أشد خطراً من الإخفاق في الهجرة اقتضى ذلك جوازها وإلا بقيت على المنع والحرمة، ومتى تساوى الخطران كان الشخص بالخيار، ومما يُستأنس به ما ذكره الفقهاء من التراتبية بين التنقل بين أسباب الموت ما لم يكن من دفعها بد؛ ففي حاشية الصاوي: «وجاز انتقال من سبب موت لسبب موت آخر، كأن ينتقل من ضرب مثلاً للسقوط في بئر أو بحر، ووجب الانتقال إن رَجَا به حياةً أو طولها ولو مع ضيق»(6).

وسئل الشيخ عليش عن إقليم من المسلمين هجم الكافر العدو على بلادهم وأخذها وتملك بها، وبقيت جبال في طرف الإقليم المذكور لم يصلها، ولم يقدر عليها وهي محروسة بأهله، فهل يجب الهجرة إلى هذا المكان الذي لم يقدر عليه الاحتلال؟

فأجاب: «لا رخصة لأحد في عدم الهجرة بوجه ولا حال»(7)، وبمثل هذه الفتوى أفتى الشيخ الألباني في عصرنا.

لكن ردَّ بعض المحققين من العلماء هذه الفتوى؛ حيث قال الشيخ القرضاوي: «يقول العلامة الدسوقي المالكي: بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلائهم عليها ما دامت شعائر الإسلام أو غالبها قائمة فيها»، وأضاف الشيخ: «وهذا ما ندين الله به؛ أن يبقى المسلمون ثابتين في أرضهم وقراهم، لا يهاجرون منها باختيارهم أبداً، ويصبرون على ما يصيبهم من أذى في سبيل ذلك، حتى يجعل الله لهم من عسرهم يسراً»(8).

الهوامش

(1) الموسوعة الفقهية الكويتية (20/ 207).

(2) روضة الطالبين للنووي 10/ 282، ط. المكتب الإسلامي. ونهاية المحتاج 8/ 82، ط. مصطفى الحلبي الأخيرة.

(3) الشخصية الإسلامية للنبهاني (1/231)، نقلاً عن كتاب الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، ص 691.

(4) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ 55).

(5) فقه الجهاد للقرضاوي (2/951).

(6) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي (1/ 359).

(7) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ من 375 إلى 385).

(8) فقه الجهاد (2/882).

الرابط المختصر :