; تهافت يجب أن يزول بعد طلوع الصباح | مجلة المجتمع

العنوان تهافت يجب أن يزول بعد طلوع الصباح

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997

مشاهدات 69

نشر في العدد 1246

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 15-أبريل-1997

كثيرًا ما يسأل بعض الصحفيين أسئلة نجيب عنها لإيضاح أمر غامض، أو بيان شيء مبهم، وهذا أمر عادي، وشيء لا حرج منه، ولكنك قد تفاجأ بسؤال معين يخرج عن تلك القاعدة، ويراد به لمز جماعة، أو النيل من فريق أو قبيل، أو خدمة لتوجه، أو إهانة لفكر معين، فإن الإنسان في مثل هذه الحالة مع إفتراض حسن النية في السائل قد يتوقف، وقد يحسب حساب الألغام المعترضة في الطريق، وقد تفاجأ بسؤال تظن أن زمانه قد ولى، وأن الأفهام قد تجاوزته، والأيام قد أوضحته بما لا يدع مجالًا للشك، فإذا بك تجده رغم ذلك قد بعث من جديد، وأريد له أن يطفو على السطح؛ ليأخذ دوره في أفهام الناس وأسماعهم لأمر يراد وشيء يقصد.

من هذا القبيل في الطرح هذا السؤال: «یردد بعض الكتاب مقولة: إن الإسلاميين الملتزمين لا يصلحون لتولي السلطة نهائيًّا، وأنهم سيصادرون جميع الأصوات، ولن يكون في الساحة سواهم، فما رأيك؟».

والحقيقة أن الإنسان المنصف ليخجل من هذا الطرح السطحي المفضوح الذي أصبح ممجوجًا من كثرة ما صاحبه من كذب على الحقيقة والواقع؛ إذ يلاحظ المراقب للأمور أن شعار الديمقراطية والتعددية أخذ يستخدم كجزء من الصراع الذي يواجه به التيار الإسلامي، فعلى الرغم من أننا جميعًا في نكبة، وأن شعوبنا قد عانت وتعاني من القهر، وأن أممنا قد لاقت وتلاقي الأمرين من الاستبداد والأحادية والاستفرادية في الحكم والإعلام والحقوق السياسية، وعلى الرغم من أننا جميعًا نتطلع إلى مجتمع تسوده التعددية الحقيقية، وتنظمه منهجية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بغير تزوير، وإلى مجتمع تصان فيه الحريات وحقوق الإنسان بعد استعباد طويل، تأتي قلة ممسوخة ومسخرة فتترك كل هذا، وتحاول الاشتباك من جديد مع قوى تجاهد في الميدان لتحرير الإنسان وتخليصه من الاستعباد والقهر والذلة والتأخر، الذي يفرض عليه من قوى متسلطة وماحقة.

وعلى الرغم من أن العلمانيين ومن شايعهم قد حكموا البلاد والأمة العربية والإسلامية ردحًا طويلًا من الزمن باسم الاشتراكية تارة، والشيوعية تارة أخرى، والديمقراطية وغير ذلك، وما زالوا يحكمونها ويتجاوزون كل القوانين والدساتير والأعراف، وحتى العقول في حكمهم، ويصنفون في جانب الهمجيين تارة، ومجرمي الحرب تارة أخرى، لا نجد أحدًا من هؤلاء يفتح فمًا أو يحرك قلمًا، بل نجد وللأسف عكس ذلك تمامًا، نجد تأييدهم لهذه الهمجية، وتمتعهم بالمناصب والمواقع المؤثرة التي لا يعلم إلا الله ما فيها من مغنم وجاه على حساب مصالح الأمة. 

وعلى الرغم من القهر والتأخر الذي تسببت فيه قوى القهر والظلم ومن سار في فلكها، وعلى الرغم من فتح السجون وقتل المئات من الأحرار والمكافحين ضد الظلم، وعلى الرغم من التبعية الاستعمارية، التي رجعت بفضل مباركتهم للاستعمار الجاسم على صدر الأمة من أقصاها إلى أقصاها، على الرغم من ذلك كله، تجد أن هذه الفئة من الناس لا تستحيي من عمالتها ومن مساعدتها لهذه الحال البئيسة، ومن كذبها وافتئاتها على الآخرين، فتحاسب الناس على النيات وتواصل اتهامهم بالباطل بمثل هذه الترهات والأباطيل.

وقل للعيون العمي للشمس أعين **** سواك تراها في مغيب ومطلع 

وسامح نفوسًا أطفأ الله نورها ****  بأهوائها لا تستفيق ولا تعي 

إن المشروع الإسلامي الحضاري الذي يتبناه التيار الإسلامي اليوم، ليس مشروعًا غريبًا عن الأمة أو مسروقًا من الشرق أو الغرب، أو موحى به من شياطين الإنس أو الجن، ولكنه مشروع تعرفه الأمة وتعيه، وتستمده من عقيدتها وثقافتها وتقاليدها؛ لتؤكد به هويتها، لهذا فهو مشروع واجب الاحترام، والتعددية السياسية والحرية وحقوق الإنسان والعدالة واحترام الأجناس والأديان والألوان شيء أساسي في المشروع الإسلامي، وسنة من سنن الله في الكون يؤكدها القرآن، وتؤكدها السنة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 27- 28).

وقد جعل الله احترام التعدد والشرائع والمناهج سنة من سننه يلتزم المسلم بها، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: 48).

والإسلاميون يقرون ويشجعون اختلاف التنوع والتخصص والمناهج ما دام الجميع يقفون صفًّا واحدًا في القضايا المصيرية، وفي الأصول التي تتعلق بمنهج الأمة ووجودها ومصالحها، ومن ثم فالتناصح بين المسلمين واجب، والاختلاف في الآراء التي لا يؤدي إلى عداوات ولا يفرق بين الأمة أو يقودها إلى فتنة لا بأس به، واحترام الرأي الآخر عندنا له قدسيته، والمشورة عندنا واجبة: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، وبحث الأمور في جو من الصراحة والوضوح وبيان الحجة منهج المسلم الفاقه.

أما أن يقصد بعد هذا حرمان فصائل التيار القومي والإسلامي من حقها في الوجود القانوني بحجج مشبوهة خدمة لتوجيهات معينة، فهذا أمر آخر لا يزيد الأمة إلا تشتتًا وتفرقًا، وأما أن يروج لهذه الفتنة دائمًا بعض الكتاب أو بعض الأقلام، فهذه هي الخيانة للأمة ومشروعها الحضاري من أناس يعيشون في الظلام ويريدون سحبه على الأمة. 

خفافيش أغشاها الظلام بضوئه ****  ولاءمها قطع من الليل مظلم

ولهذا فالتيار الإسلامي يرى أن من حقه إبداء رأيه مع غيره في مصير الأمة، ويرى أن يضيف إلى رصيد الأمة مساهمات فعالة تثري نهضتها على قدم المساواة مع الفصائل الأخرى، لا يقصي أحدًا، ويريد ألا يقصيه أحد، وإن كانت هناك بعض القضايا لم تستبن لغيرنا، فلغة الحوار هي الأجدى، وكل يدلي بحجته ليستبين الحق من الباطل: 

حجج تهافت كالزجاج تخالها **** حقًّا وكلٌّ كاسرٌ مكسورٌ

أما لغة الاتهامات والتحريض والتشويش الإعلامي، وتسييس القضايا من قبل جماعات المصالح، ومهندسي استئصال الآخر، فهذا شيء أصبح متهافتًا ولا ينطلي على أحد، خصوصًا بعدما طلع الصباح وظهرت الشمس في رائعة النهار، وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا .

الرابط المختصر :