العنوان اليسار والصفقة والشرخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1985
مشاهدات 64
نشر في العدد 741
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 12-نوفمبر-1985
كانت نتائج انتخابات مجلس الأمة لعام ١٩٨٥ مذهلة للجميع، فقد جاءت النتائج بمجلس يحوي جميع التيارات السياسية العاملة في الساحة الكويتية؛ مما شكل عند الناس انطباعًا بقوة تركيبة هذا المجلس، وأن الحكومة ستواجه قوة لم تكن في الحسبان، خاصة وأن لديها مشاريع تتعارض مع شعارات هذه التيارات، كمشروع تنقيح الدستور، ومشروع قانون المطبوعات، وغيره من مشاريع، بل إن الحكومة قلقة على قوانينها، التي وضعتها إبان فترة حل المجلس، واستطاعت أن تمررها في الدورة التشريعية الخامسة.
ولعل تبني التيارات السياسية خط المعارضة جعل قلق الحكومة في مواجهة المعارضة متفاعلًا، فهي ستواجه المعارضة الإسلامية الممثلة بالنواب، الذين يؤمنون بأن تشريعاتنا لا بد أن تنبثق من الكتاب والسنة، وهي ستواجه المعارضة اللادينية اليسارية الممثلة بالنواب، الذين يؤمنون بالنمط الغربي للحياة السياسية.
وهي ستواجه المعارضة الشعبية الممثلة بالنواب، الذين لديهم كامل الاستعداد للاستجابة لمطالب وضغوط الناخبين السياسية المختلفة، لقد ظلت الحكومة حذرة ترقب المجلس طوال دور الانعقاد الأول.
• كيف سار المجلس؟.
سار المجلس خلال دور الانعقاد الأول بصورة أكثر مما توقعته الحكومة، وكان أداء جميع التيارات متوافقًا مع حجم وقوة الحملات الانتخابية، فقد كان لا بد من طمأنة الناخب الكويتي إلى جدية الفائزين بالانتخابات في تنفيذ وعودهم وشعاراتهم، وقد مر دور الانعقاد الأول متضمنًا صدمات موجعة للسلطة التنفيذية متمثلة بالتالي:
1. استقالة وزير الشؤون الاجتماعية السيد يوسف النصف؛ احتجاجًا على بعض الأساليب المتبعة في الوزارة.
2. إلزام الحكومة ببرنامج عمل خلال فترة وجيزة، عملًا بمواد الدستور، وهو ما لم تكن تعمل به طوال السنوات الماضية من عمر المجلس.
3. استجواب وزير العدل السابق، ودفعه إلى الاستقالة من الحكومة.
4. التشدد والإصرار في متابعة القضايا الجوهرية كالقضية التربوية، والقضية النفطية، والقضية الأمنية، مما أوجد مخاوف لدى السلطة التنفيذية من تصاعد هذا التشدد بشكل يحرجها من جديد.
5. تقدم النواب بمشاريع من شأنها تحديد بعض الاختصاصات وإسنادها لسلطات أخرى غير السلطة التنفيذية، كمشروع استقلال القضاء، ومشروع محاكمة الوزراء.
وقد كان لهذا النشاط المتصاعد بين النواب أن ترسبت كافة الاختلافات بين التيارات السياسية، والتقت فيما بينها على عمل محدد من شأنه حفظ قوة المجلس، وقد تألق هذا الالتقاء في قضية استجواب وزير العدل، الذي جمع التيارات السياسية المختلفة في عمل واحد مشترك.
ولو ظل المجلس يسير على هذا المنوال لأحرج الحكومة في كثير من مشاريعها، وفي كثير من ممارساتها، فكان لا بد من التفكير في التفاهم والمقايضة مع إحدى القوى السياسية داخل المجلس على حساب الشعارات المرفوعة، وهذا التفاهم من شأنه إحداث شرخ في مسيرة هذا المجلس وإضعافه.
• التحدي والاستجابة:
لقد استجاب اليسار لهذه المقايضة منذ اللحظة الأولى، وباع شعاراته، ومصالح المجتمع مقابل صفقة، ماذا يفعل تجمع انتهازي ذو تاريخ عريق في مشاكسة السلطة وإزعاجها ضمن دور استعماري معروف؟!، ماذا يفعل تجمع يعيش أزمة نفسية حادة تكمن في انحساره وانفضاض الجماهير عنه لافتضاح دوره وانكشاف زيف شعاراته؟!، ويعيش أزمة تكمن في إهمال القوى الأجنبية - التي صنعته - لعدم قدرته على تحقيق الأهداف التي تخدمها.
والذين عقدوا الصفقة معه كانوا يعلمون أن نجاحه في الانتخابات ووصوله إلى المجلس كان فرصة، فرصة نادرة قد لا تتكرر، ويعلمون أنه يبحث عن استثمار لهذه الفرصة حتى يثبت قدرته للقوى الأجنبية في تحقيق أهدافهم ومصالحهم، ومن خلال هذا الإثبات يستطيع أن ينال الثقة الأجنبية من جديد، وينال الدعم المطلوب الذي يعيد له هيبته أمام السلطات.
لهذا كله كان اليسار مستعدًّا للمقايضة على أية صفقة، وبأي ثمن، وبأسرع فرصة، وبأية شروط.
• السلوك من تحت لتحت:
في الوقت الذي كانت فيه المعارضة الإسلامية والمعارضة الشعبية تعملان على تقوية المجلس وتماسكه، كان اليسار يتحرك بين النواب لشق الصف؛ حتى يسهل عليه تنفيذ بنود الصفقة من خلال المنازعات، فأخذ يحرض النواب ويحيك الأحاييل بينهم، كأن يحرض نائبًا متدينًا ضد المعارضة الإسلامية، وكان يحرض نواب القبائل بعضهم على بعض، وكان يحاول إيهام النواب بأن رئيس المجلس وزملاءه متحالفون معهم، وقد كان أبرز اللاعبين لهذا الدور هو أصغرهم سنًا وأكثرهم كذبًا، وقد كان لكثرة كذبه دور في إفساد الأجواء داخل المجلس، مما جعل كثيرًا من النواب يتخذون الحذر والحيطة منه.
لقد باع اليسار وحدة المجلس، ومصالح المواطنين، وضرب بشعاراته عرض الحائط، متسترًا بزيفه المستمر.
• الشرخ، والصفقة:
لقد برز الشرخ وملامح الصفقة من خلال مواقف وممارسات اليسار، والتي كانت كالآتي:
1. الوقوف ضد إصدار بيان لصالح المسلمين في بلغاريا، وإدانة السلطات البلغارية، التي تستحل حرمات المسلمين هناك، ففي الوقت الذي وقف فيه المجلس كله وقفة واحدة كان اليسار وحده شاذًّا عن هذا الموقف الإسلامي الوطني، وكان هذا افتضاحًا لموقفهم المتحيز لصالح الدول الشيوعية، وعدم مبالاتهم بقضايا المسلمين.
2. القضية التربوية، وهي صورة من صور الصفقة التي تمت بينهم، فالإسلاميون متخوفون على وزارة التربية من الوزير الجديد، الذي عرفته الكويت - ومنهم اليسار- إبان إدارته للجامعة في منتصف السبعينات، وعرفت توجهاته الفكرية، وكفاءته العلمية، وقدراته الإدارية، ولكن اليسار نكس على ذلك في الثمانينات، بل تنامى كل ما قاله ليجند نفسه وروحه فداء لوزير التربية، وقد اتضح تعاونه مع الحكومة في حماية الوزير والدفاع عنه داخل المجلس من كل نقد، واتضح ذلك من خلال فتح أبواب الأجهزة الإعلامية لهم في خدمة هذا الغرض.
3. المال العام، وهو صورة أخرى لصفقاتهم؛ إذ إن بعض أصحاب البنوك من غرفة التجارة التقوا برموز اليسار، وطلبوا منهم تأييد مشروع استخدام المال العام؛ لإنقاذ البنوك من الخسارة، وقد أبدى اليسار استعداده لذلك مقابل تأیید أصحاب البنوك لهم في الانتخابات العامة، ودعم مؤيديهم في احتلال المناصب القيادية في البلاد، وقد أعلن أكثر اليساريين كذبًا عن موقفهم المؤيد لاستخدام المال العام في إنقاذ البنوك داخل مجلس الأمة، ونشرت مجلتهم هذا الموقف لتؤكد الرجال البنوك تبنيهم للموقف، ضاربين بذلك شعاراتهم التي تحارب استنزاف المال العام وإهداره.
4. موقفهم من القبائل، فقد وقف أحدهم في المجلس؛ ليهاجم القبائل ويعتبرها ثغرة كبيرة في الجدار الأمني، وطالب الحكومة بمواجهة المشكلة القبلية بصرامة، وقد تألم كثير من نواب القبائل لهذا الموقف الذي يعبر عن عجرفة وتكبر، وهجوم هذا النائب على القبائل ونوابهم يكمن في أن القبائل دائمًا تضع للمعايير والموازين الإسلامية اعتبارًا كبيرًا، ولا تقبل بغير الإسلام، ولا تقبل من نوابها غير ذلك، ولقد وقف النائب الشجاع سعد طامي؛ ليدحض أقوال هذا النائب ويعيده إلى صوابه.
• هل يضعف المجلس؟
إن الصفقات التي عقدها اليسار مع أطراف متعددة من شأنها إضعاف المجلس، ومن شأنها تمرير كثير من المشاريع، وحماية كثير من الممارسات الخاطئة تحت ستار الخلاف، وأن حماية المجلس يجب أن تتم بعيدًا عن أصحاب الصفقات، ويجب على العارفين فضح هذه الصفقة؛ حتى تكون واضحة للناخبين، ويكونوا عبرة لمن يحاول أن يبيع مصالح الأمة من أجل حفنة من المصالح الخاصة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل