العنوان دعوة الأنبياء طريق الدعاة إلى الله
الكاتب صبيحة المشاري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
مشاهدات 54
نشر في العدد 119
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
إنَّ دعوة الأنبياء هي طريق الدعاة إلى الله وإنَّ دعوتنا جزء من هذه الدعوة، فلا بدَّ أن نتعرَّف على هذه الدعوة.. وكيفيتها.. وإذا تتبَّعنا سيرة الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم رأينا جوانب كثيرة تقوم عليها دعوتهم، يتميَّزون بها عن الدعاة المادِّيِّين، من ذلك:
الالتجاء إلى الله في جميع مراحل الحياة، والإيمان القويّ بأنَّ الله وحده هو النافع الضارّ والناصر الخاذل، وأنَّ لا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع، هذا الإيمان كان يوحي إليهم بالابتهال في الدعاء وإطالة الوقوف ببابه، وفي هذا كان يدعو رسول الله صلَّى اللـه عليه وسلم فيقول «اللَّهم إنَّك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرِّي وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقرّ المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته وذلَّ لك جسمه ورغم لك أنفه، اللَّهم لا تجعلني بدعائك شقيَّا وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خير المعطين»
أمَّا أصحابه فقد كانت كلمتهم حقيقة وإيمانهم حقيقة وخير مثال نضربه لذلك عن قوّة إيمان خبیب رضي الله عنه حين رفع على الخشبة وتناوله المشركون بالرماح والأسنَّة حتَّى تمزَّق جسمه وهو قائم لا يشكو ولا يئنّ فيُقال له: أتحب أن يكون محمَّد مكانك؟ فيضطرب ويقول: «والله لا أحبُّ أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه».
إنَّ الذي ثبّت خبيبًا في هذا المكان وألهمه أن ينطق بمثل هذه الكلمة العريقة في حبِّ رسول الله هي حقيقة الجنة التي مثلت بين عينيه وهي تناجيه «صبرًا يا خبيب فما هي إلَّا لمحات وثوان وها أنذا أنتظرك ورحمة الله ترتقبك فإذا احتملت آلام هذا الجسد الفاني والحياة الزائلة، نلت السعادة الدائمة والحياة الباقية»
وهذا صهيب رضي الله عنه حين كان في طريقه من مكّة مهاجرًا إلى المدينة إذ يعترضه جماعة من المشركين ويقولون له: «أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثمّ تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك أبدًا.. وهنا قامت المعركة بين حقيقة الإسلام وحقيقة المال فانتصرت حقيقة الإسلام، وقال لهم صهيب:
«أرأيتم إن جعلت لكم مالي اتخلون سبيلي!» قالوا نعم، قال «فإنّي قد جعلت لكم كلّ مالي»، وهكذا انطلق صهيب بدينه متجرّدًا من ماله فرحًا مسرورًا كأن لم يفقد شيئًا ولم يخسر شيئًا.
تجرّد الدعوة من التفكير في المنافع المادّيَّة والثمرات العاجلة فكانوا لا يبتغون بدعوتهـم وجهادهم إلَّا وجه الله، وامتثال أوامره وتأدية رسالته، فلقد تجرّدت عقولهم وأفكارهم في العمل للدنيا ونيل الحاجة والحصول على الحكم، هذا الحكم الذي ما قام لهم في وقته إلَّا ليكون جائزة من الله، ووسيلة للوصول إلى أهداف الدين وتنفيذ أحكامه وتغيير المجتمع، كما قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ ﴾ (الحج: 41).
ولم تكن هذه الحكومة التي أقاموها غاية من غاياتهم أو هدفًا من أهدافهم، إنّما كانت نتيجة طبيعيّة للدعوة والجهاد كالثمرة التي هي نتيجة طبيعيّة لنموّ الشجرة وقوّة أثمارها.
المثابرة على الدعوة والصبر عليها فلا يتخطّون هذه المرحلة التي هي الأساس بسرعة وعجلة، ولا يطفرون منها طفرًا إلى مرحلة أخرى، بل يقضون فيها سنين طويلة، ولا يشتغلون بغيرها ولا يطمئنون إلى أنَّ المجتمع قد عقل دعوتهم واستساغتها وأنّ النفوس قد قبلت دعوتهم وهضمتها هضمًا صحيحًا وأحلتها منها محلًّا لائقًا لا يطمئنّون إلى كلّ هذا حتى يتحقّقوه ويختبروه مرّة بعد مرّة فلا يخدعون عن أنفسهم ولا تغرّهم بهرجة الكلام، فإذا قامت الحكومة قامت على أساس متين من الأخلاق وعلى أكتاف رجال أقوياء في عقيدتهم، أقوياء في سيرتهم، أقوياء في خلقهم، أقوياء في مبادئهم، أقوياء في سياستهم، لا يندفعون مع التيّار، ولا يلعب بعقولهم الغنى بعد الفقر واليسر بعد العسر والقوّة بعد الضعف.
لقد كان بإمكان المسلمين أن يؤسّسوا ملكًا عظيمًا على أنقاض الدولة الروميّة وينعموا كما نعم ملوكها وأمراؤها من قبل فقد ورثوا الإمبراطوريّة وجمعوا بين موارد دولتين، فإذا كان كسرى يترف بموارد فارس فقط وإذا كان هرقل يبذخ بموارد الروم فقط، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من الممكن أن يترف بموارد الإمبراطوريتين معًا.
كان له ولأصحابه كلّ ذلك بسهولة، ولكنّهم سمعوا القرآن الكريم يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83) وكانوا يسمعون نبيّهم صلى الله عليه وسلم يقول قبل وفاته: «لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم» فهتفوا جميعهم قائلين: «اللّهم لا عيش إلّا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة وهكذا حافظوا على روح الدعوة الإسلاميّة وسيرة الأنبياء والمرسلين وعاشوا في الحكومة كرجال الدعوة وفي الدنيا كرجال الآخرة التجرّد للدعوة والتفرّغ لها بالقلب والقالب والنفس والنفيس والوقت والقوّة، فمن شأنهم يركّزون جهودهم ومواهبهم ويوفّرون أوقاتهم وقواهم لهذه الدعوة ونشرها والجهاد في سبيلها ويعطونها ولا يضنون عليها بشيء ولا يؤثرون عليها شيئًا، لا وطنًا ولا أهلًا ولا عشيرة ولا هوى ولا مالًا ثم قد تنمو بعد وفاتهم فهذا هو النبيّ عليه الصلاة والسلام يخاطبه الله تعالى ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: 46)
وإذا كان هذا شأن الدعوة بعد ما أعطاها الأنبياء كلّ ما عندهم فكيف بها إذا أعطيناها بعض ما عندنا؟؟ كانت الدعوة تملك عليهم عقولهم ومشاعرهم وتملك عليهم تفكيرهم وصحّتهم، فما زال القرآن يسلِي النبيّ عليه الصلاة والسلام ويقول له ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: 6).
إنّ هذه الدعوة تسري في حياتهم كما يسري الدم في العرق وتظهر في أخلاقهم وعباداتهم فترقّ قلوبهم وتخشع نفوسهم وتزداد رغبتهم في العبادة ويشتدّ اهتمامهم بها وحرصهم عليها وإيفاؤهم لحقوقها، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: قام النبيّ عليه الصلاة والسلام حتى تورّمت قدماه فقيل له:
«قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قام النبيّ عليه الصلاة والسلام بآية من القرآن ليلة والآية هي ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ( المائدة : 118 ) .. وانتقلت هذه اللذة بالعبادة والاهتمام بها إلى الصحابة رضي الله عنهم في أشدّ الأوقات شغلًا وأكثرها خطرًا.
يأخذون بالعزيمة في الدين
ولا يأخذون بالرخصة إلَّا بيانًا للحكم الشرعيّ وشكرًا لنعمة الله ورفعًا للحرج عن الأمَّة لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم وقادة الأمَّة يشمرون عن ساق الجدّ في العبادات والمحافظة على الجماعات والعمل بالسنن والاهتمام بالآداب، ولا يكتفون بالأدنى ولا يقفون عند الفريضة وبذلك استطاعوا أن يورثوا الدين هذا الجيل موفورًا غير منقوص وهو أمانة عند هذا الجيل فلينظر كيف يورثّه الأجيال الآتية.
يعنون بتربية النفوس
والأشخاص الذين يضطلعون بأعباء الدعوة بعدهم وينفّذون تعاليمهم ورسالاتهم علمًا وعملًا ومعلوم أنَّ دعوتهم العظمى لا تقوم إلَّا على أكتاف الأصحّاء الأقوياء الحنفاء المخلصين في إيمانهم، والمخلصين في تفكيرهم والمخلصين في نيَّاتهم، الذين خلعت رؤوسهم وصدورهم من ألواث الجاهلية، والذين هضموا الإسلام هضمًا صحيحًا وانقطعت كلّ صلة في حياتهم عن الجاهلية بأوسع معانيها وخلقوا في الإسلام خلقًا جديدًا.
وعليها أن تدرك أنَّ صلاحها هو لا يعذرها عند الله من إصلاح الآخرين، وأنَّ عليها أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو كانت وحيدة ليس لها سند.
أسلوب الدعوة ومخاطبة الناس
الأسلوب الحسن هو أحد العوامل الحسَّاسة الهامَّة التي توفِّر على الداعية الوقت والجهد وتصل بها إلى الغاية والمطلوب بأقلّ التكاليف.
بين الشدة واللين.
فالنفوس جُبلت على حبّ من أحسن إليها.. وقد تدفعها القسوة والشدّة أحيانًا إلى المكابرة والإصرار والنفور، فتأخذها العزّة بالإثم، وليس معنى اللين المداهنة والرياء والنفاق، وإنَّما بذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب دمث مؤثّر إلا ترني إلى القرآن الكريم حين يخاطب «موسى وهارون» ويوصيهما بمبادأة الطاغية فرعون باللين والحسنى ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 43 – 44).
وفي سورة آل عمران يشير القرآن الكريم إلى فوائد الرفق واللين في كسب الأنصار والمؤيّدين وانطلاق الدعوة والتفاف القلوب حولها.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ ﴾ ( آل عمران : 159 ) وأسلوب الدعوة ينبغي أن يكون متجدِّدًا متطوّرًا في حدود ما يسمح به الإسلام ومرونة الإسلام تقتضي العمل على مستوى العصر وبمختلف الوسائل المشروعة التي تضمن نقل الإسلام إلى الناس منهج عيش ورسالة حياة في أجمل صورة وأحسن وجه من تلك الوسائل الكتيبات والكتب الإسلاميّة، والأشرطة المسجلّة للمحاضرات الإسلاميّة والمنشورات والمقالات والصحف الإسلاميّة وغيرها.
الاتصال الفرديّ واجب شرعيّ
إن مهمّة نشر الدعوة ونقل المفاهيم الإسلاميّة إلى الناس ومكافحة المنكرات واجب شرعيّ ومسؤوليّة فرديّة تقع على كاهل كلّ فرد في هذا المجتمع.
إنّ صيغ المخاطبة الفرديّة التي ورد بها التكليف القرآنيّ والنبويّ تؤكّد المسؤوليّة الشخصيّة في حمل أعباء الدعوة الإسلاميّة.. منها:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 23).
وقوله عليه الصلاة والسلام: «ومن رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
وقد تفهّم الكثيرات أنّ مهمّة القيام بأعباء وتكاليف الاتصال الفرديّ ونشر الدعوة كذلك الدعوة الإسلاميّة التي تكفّلنا بها والجهاد الذي أخذناه على عاتقنا يفرض علينا إنشاء جيل للإسلام جديد في قوّة إيمانه، جديد في حماسته وثقته، جديد في أخلاقه، جديد في تفكيره جديد في كفايته العلميّة واستعداداته العقليّة، وأنّ نجاحنا في هذا الإنتاج البشري مقياس نجاحنا في مهمتنا ودعوتنا فكلّما كان نجاحنا كبيرًا في إيجاد هذا الجيل وتكوين هذا الشباب كان نجاحنا بأهداف دعوتنا ورسالتنا، وأنّ نصف هذا العبء إن لم يكن أغلبه يقع عليك أختي المسلمة فأنت المسؤولة عن هذا الجيل الذي سينهض لرفعة هذا المجتمع وانتشاله ممّا هو فيه.
إنّنا أمَّة الحاضر وأمَّة المستقبل قد كتب الله لنا الخلود والنصر لأنَّنا أصحاب دعوة ورسالة نبويّة وهي الرسالة الأبديّة التي قضى الله بخلودها وظهورها، فلسنا تحت سيطرة المادّة وحكم الزمان ما دمنا نقوم بدعوتنا ونستقلّ برسالتنا ونعود أمَّة دعوة نبويّة كما بدأنا دعوة فيما بيننا معشر المسلمين ودعوة غيرنا من هذه الأمَّم الضالَّة.
لقد انتشر أسلافنا في عواصم الجاهليَّة الأولى ومراكزها الكبرى ذلك أنَّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فخلصوا الأمَّة الروميَّة والأمَّة الفارسيَّة وغيرهما من الأمَّم من عبادة غير الله، والعالم اليوم ينتظر منذ زمن رسل المسلمين ينتشرون في عواصم هذه الجاهليَّة ليهتفوا: إنَّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة المادَّة إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق عالم التنافس والأثرة والجشع المادّيّ إلى سعــة عالم القناعة والإيثار والزهد ونعيم الروح وطمأنينة القلب هذه هي الدعوة التي تهيب بنا وهذه الإنسانيّة البائسة تستصرخنا وتستغيث بنا، وليس العالم اليوم بأقلّ ظمأ وأقلّ حاجة إلى الدعوة الإسلاميّة الصميمة منه بالأمس وهو لا يختلف عمّا كان عليه في القرن السادس الميلاديّ، فقد ضاق العالم بالأمم والحكومات وفاض بالحركات والدعوات، وضجر بطغيان الأهواء والنزعات، والدعوة إلى الله هي الناحية الوحيدة التي لا تزال فارغة في خارطة العالم، لا تشغلها أمّة ولا دعوة فإذا عمرها المسلمون أحسنوا إلى الإنسانيّة وإلى أنفسهم وأمسكوا هذا العالم الذي يكاد يهوى في الهاوية.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل