; مذابح شارون ترفع شعبيته بين اليهود | مجلة المجتمع

العنوان مذابح شارون ترفع شعبيته بين اليهود

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1497

نشر في الصفحة 28

السبت 20-أبريل-2002

  • الفلسطينيون يدفعون ثمن الرفض العربي لضرب العراق

  • نبيل شبيب: مهمة باول.. وأد الانتفاضة «الشعبية.

محمود الخطيب

قبل الحرب الإجرامية التي أعلنها الإرهابي شارون على الشعب الفلسطيني كانت شعبيته قد تدهورت إلى أقل من ٣٨٪ على الرغم من أنه بدأ حكمه بتأييد أكثر من ٧٠٪ من الناخبين فقد كانت اتجاهات الناخبين اليهود متأثرة بالإخفاق الذي مني به سلطة باراك في قمع الانتفاضة الفلسطينية ولذلك اعتقدوا أن مجيء إرهابي من فئة شارون ربما يكون الحل لمشكلتهم الأمنية المزمنة لكن استمرار انتفاضة الأقصى وتصاعد العمليات الاستشهادية نوعًا وكمًّا واتساع رقعة المقاومة وشمولها– إضافة إلى حماس والجهاد– تنظيمات من داخل السلطة الفلسطينية، قلب حسابات الصهاينة وهو ما أدى إلى تدهور شعبية شارون

وخلال أسبوعين من المجازر والعمليات الإرهابية التي ارتكبها شارون ولا يزال في الضفة الغربية المحتلة ارتفعت أسهمه من جديد إلى أكثر من ٦٠٪ وهو مؤشر واضح على اتجاه الناخبين اليهود نحو اليمين والتطرف والإرهاب بعكس الادعاء عن ميلهم للسلام مع العرب والفلسطينيين فخلال الهجمة الوحشية الحالية التي بناها شارون بالهجوم على رام الله أشارت استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من ٧٠٪ من الصهاينة يؤيدون إعادة احتلال الضفة الغربية ونسبة أقل من ذلك بقليل تؤيد طرد رئيس السلطة خارج فلسطين. 

ما يعني الصهاينة هو تحقيق الأمن لأنفسهم في ظل معادلة مختلة يريدون فيها الأمن مع مواصلة احتلال الأراضي الفلسطينية، وبالتالي فإن السلام المبني على إرجاع الحقوق كاملة لأصحابها العرب مسألة لا يتحدث فيها المسؤولون الصهاينة على اختلاف رؤاهم السياسية والفكرية، ومع استمرار انتفاضة الأقصى وتصاعد وتيرتها من خلال العمليات الاستشهادية والمواجهات المسلحة إلى حد قصف المستوطنات اليهودية بالهاون والقسام أثبتت أجهزة أمن السلطة عجزها عن «ضبط» الشارع الفلسطيني حتى مع اعتقال قيادات وكوادر في فصائل المقاومة كأمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بناء على طلبات "إسرائيلية" متكررة.

من جانب آخر أدت حملات الاعتقال التي قامت بها السلطة ضد المجاهدين خلال الانتفاضة الحالية إلى تدهور شعبيتها وشعبية رئيسها السيد ياسر عرفات إلى مستويات متدنية جدًّا، وفي هذا المقام لابد من التذكير بتصريحات بعض المسؤولين العرب الذين اعتبروا أن الهجوم على مقر رئيس السلطة في رام الله أواخر الشهر الماضي وتضييق الخناق عليه وحصاره في غرفتين رفع شعبيته «على عكس ما يريد شارون»! وقد سلطت دول العالم ووسائل الإعلام العالمي الضوء على هذه القضية وكان الرئيس عرفات وحده هو المقصود بهذه الحملة على الرغم من أن فصائل المقاومة هي المستهدفة أساسًا من الهجوم الشرس وأثبتت الأيام بعد ذلك صحة هذا الطرح، إذ إن وحشية الجيش الصهيوني تجلت في مثلت جنين–طولكرم– نابلس شمال الضفة الغربية، وهي المناطق التي تعتبر محضن الاستشهاديين ونقطة انطلاقهم.

وقد تركزت الهمجية الصهيونية على مخيم جنين الذي أبدى مقاومة وصعودًا لأكثر من عشرة أيام انتهت بمجازر راح ضحيتها مئات الشهداء من أهل المخيم مقاومين وأطفالًا وشيوخًا ونساء قام خلالها الجنود الصهاينة بهدم مئات المنازل بالجرافات على رؤوس أصحابها وبصواريخ الأباتشي الأمريكية. وبإعدام المقاومين رميًّا بالرصاص بعد اعتقالهم. ونفس المشهد تكرر في البلدة القديمة بنابلس التي فقدت أكثر من سبعين شهيدًا. حسب

الإحصاءات الأولية معظمهم من المدنيين الذين قتلوا داخل منازلهم بالجرافات أو بصواريخ الأباتشي أو قذائف الدبابات. 

وما زاد من نكبة المدنيين في الضفة الغربية الحصار المفروض وقطع الكهرباء وفرض حظر التجول الدائم أو شبه الدائم منذ أواخر الشهر الماضي، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى وإسعافهم ومنع دفن الشهداء لأيام طويلة وإجبار الأهالي على العيش إلى جانب جثت شهدائهم داخل منازلهم، همجية وبهيمية يهودية لم يعرف التاريخ لها نظيرًا.

موقف أمریکي منحاز

لقد تميز الموقف الأمريكي في الفترة الأخيرة بالتذبذب أحيانًا وفقدان البوصلة أحيانًا أكثر. 

وهو ما عكس سيطرة اللوبي المؤيد للكيان الصهيوني على إدارة الرئيس بوش كما كان هو الحال في الإدارات السابقة ولابد من الإشارة إلى أن التغير النسبي الذي طرأ على مواقف إدارة بوش من القضية الفلسطينية من خلال تصويتها على قرار مجلس الأمن الدولي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كان لدوافع مصلحية آنية، لذا تراجعت عنه بعد ذلك إذ كانت الإدارة الأمريكية تأمل من خلال جولة نائب الرئيس ديك تشيني في المنطقة في حشد تأييد الحكومات العربية لضربة أمريكية محتملة على العراق فقدمت موافقتها على قرار مجلس الأمن المذكور طمعًا في الحصول على التأييد العربي لضرب العراق وقد سمع تشيني من القادة العرب كلامًا لم يعجبه حول معارضة كل الدول العربية ضرب العراق وإصرار تلك الدول على تدخل واشنطن للجم شارون وحكومته. 

ذلك الكلام لم يعجب الإدارة الأمريكية التي يبدو أنها اتخذت قرار الانحياز العلني إلى جانب شارون في حربة على الفلسطينيين وبالتأكيد فإن أول اتصال وتقارب تم في قمة بيروت العربية الأخيرة بين الكويت والعراق والمصالحة التي تمت بين العراق والسعودية كانت لطمة للسياسة الأمريكية التي حافظت على مصالحها في المنطقة من خلال اللعب على النزاعات والتناقضات العربية– العربية. 

ولابد من التذكير بأن الهجوم الشاروني الحالي على الضفة الغربية بدأ بعد عودة تشيني إلى واشنطن وحصول الحكومة الصهيونية على الضوء الأخضر من إدارة بوش لإعادة احتلال مدن الضفة وتصفية أجهزة السلطة الفلسطينية وتولي زمام الأمن وعمليات اعتقال المجاهدين مباشرة وزاد عدد المعتقلين حتى الآن على أربعة آلاف وهو رقم يزيد على عدد المعتقلين قبل توقيع اتفاق أوسلو. 

السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية تبدت من خلال دعمها لأعمال الإرهاب والقتل التي تقوم بها حكومة شارون إلى الحد الذي وصفت به الإدارة الأمريكية شارون بأنه «رجل السلام» وهو وصف لم يكن يعلم به حتى بين عشيرته وقد أدرك شارون جهل إدارة بوش بالوضع في المنطقة، ولذلك أجاد لعب حيلة تكررت أكثر من مرة؛ جيل الاحتلال يقتل ويبطش بالفلسطينيين كما يشاء ليصل بإرهاب إلى أقصى مدى ثم تتحرك الإدارة الأمريكية وترسل مبعوثًا إلى فلسطين للتوسط لوقف إطلاق النار، وقبل وصول المبعوث يعلن جيش الاحتلال عن وقف إطلاق النار أو الانسحاب من المناطق التي دخلها أو من بعضها وعندها تكون الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية قد استعدت لتنفيذ عمليات انتقامية تتزامن مع زيارة المسؤول الأمريكي ومن ثم لا يجد أمامه سوى «الإرهاب الفلسطيني«

حدث ذلك في زيارات زيني «أكثر من مرة» وتشيني وكولن باول وقد أجل هذا الأخير لقاؤه مع عرفات برام الله احتجاجًا على عملية القدس الغربية التي نفذتها كتائب شهداء الأقصى بعد سويعات من اجتماعه مع شارون في القدس. 

وكانت تلك العملية قد جاءت بعد المجازر اليهودية التي جرت في مخيم جنين ومدينة نابلس ولأن ذاكرة الأمريكان ضعيفة فإنهم ينسون الإرهاب اليهودي الذي يمارسه شارون على الفلسطينيين ولا يتذكرون سوى العمليات الفلسطينية التي يصفونها بالإرهابية!

موقف أوروبي متقدم

أظهرت الدول الأوربية موقفًا متقدمًا نسبيًّا من غيرها من الدول تجاه الأحداث المأساوية في فلسطين لكن هذا الموقف يقال عاجزًا عن مواجهة الموقف الأمريكي المنحاز للصهاينة أو موازنته وحتى في مسالة حصار كنيسة المهد في بيت لحم ومحاولات اقتحامها بل وقصفها. لم يكن الرد الأوروبي المسيحي بمستوى ما تتعرض له كنيسة المهد من تدنيس وحصار وتجويع المحتمين بداخلها. 

وعلى الرغم من ذلك اتخذت هذه الدول موقفًا متقدمًا عن بعض الحكومات العربية. فلأول مرة يهدد الاتحاد الأوروبي– على لسان وزير الخارجية البلجيكي– بإعادة النظر في العلاقات التجارية مع الكيان الغاصب ووقف منحه أفضلية في المعاملات التجارية إذا لم يتوقف العدوان على الفلسطينيين وأعلنت مقاطعتان في بلجيكا عن قطع علاقاتهما بتل أبيب.

ووصفت وزيرة الخارجية السويدية أنا ليند الحملة في مخيم جنين ومدينة نابلس بالضفة العربية بأنها كانت «أسبوعًا من العار»

ووصفت وزارة الخارجية البريطانية التقارير التي تحدثت عن مجازر في جنين بأنها مروعة وقالت في بيان: إن وزير الخارجية جاك سترو طلب من السفير البريطاني في تل أبيب الحصول على معلومات إضافية «عن الظروف الحقيقية التي سقط فيها القتلى» في مخيم جنين. 

الموقف الأوروبي ربما يكون قد تحدد خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم ١٥ أبريل وكانت مؤسسات وجمعيات عربية وأوروبية قد دعت العرب والأوروبيين المناصرين للقضية الفلسطينية للتجمهر أمام مقر الاجتماع بهدف ممارسة ضغط على المجتمعين لإصدار موقف حازم ضد المجازر الصهيونية في فلسطين وشهدت عواصم أوروبية عديدة خصوصًا بروكسل وباريس وروما وموسكو مظاهرات حاشدة نظمتها الجاليات العربية وأنصار القضية الفلسطينية من الأوروبيين احتجاجًا على العدوان الصهيوني البشع على الشعب الفلسطيني.

موقف عربي عاجز

أما الموقف العربي الرسمي فقد تبدي عجزه واختفت حتى مجرد إدانة خجولة لما يجري بل شاهدنا في بعض العواصم عمليات قمع وتفريق بالقوة لمظاهرات شعبية خرجت تنفس عن غضبها وتعرب عن تأييدها للفلسطينيين وتنديدها بالمجازر الصهيونية وبالتأييد الأمريكي اللامحدود لها. وقد رأينا شهداء يسقطون خلال مشاركتهم في المظاهرات التي عمت أرجاء من الوطن العربي مقابل ذلك أثبت الشارع العربي تقدمه على حكوماته في التعامل مع الهجمة الشرسة على الفلسطينيين في الضفة الغربية فالمظاهرات ملأت الشوارع العربية، وحملات التبرعات لصالح ضحايا العدوان قامت في غالبية الدول العربية وبمبادرات من جمعيات النفع العام .

ليس المفاجئ أن يتراجع باول في نهاية الأسبوع، وبعد أول لقاء عقده مع شارون حتى عن القليل من «الفتات» الذي لوح به رئیسه بوش قبل أيام ولكن المفاجئ هو أن يستغرب أو يظهر الاستغراب بعض الساسة والمحللين في البلدان العربية، كما لو كانت بضع كلمات ليس فيها التزام ولا إلزام للربيبة الصهيونية ولا معالم تغيير في الموقف السياسي ولا وعد بالتغيير، كما لو كانت تلك الكلمات كافية لنشر الاعتقاد بأن واشنطن بدأت بتغيير «ثوابتها السياسية» في المنطقة، أو عزمت على تغييرها! 

إن جل ما أرادت التصريحات الرسمية الصادرة عن واشنطن– مع تغطيتها بجولة باول الموصوف بأنه من حمائم الأمريكيين في أعقاب جولة تشيني أبرز صقورهم. إنما استهدفت منح ما تحسب واشنطن أنه يكفي لتحرير المرحلة الراهنة من مراحل العدوان الصهيو– أمريكي

أما تغيير «الثوابت» فهو وهم ومن أراد تغيير الثوابت الأمريكية، فعليه أولًا ترسيخ الثوابت العربية، وفرضها، والانطلاق منها في التعامل على المستوى الإقليمي والدولي، ليكون له تأثيره على ثوابت، سواه أما التخلي عن تلك الثوابت شكلًا ومضمونًا حقبة بعد حقبة فلا يسفر إلا عن ترسيخ ثوابت الآخر.

لن تتغير سياسة واشنطن القائمة على دعم الكيان الصهيوني من جهة، وعلى الهيمنة المباشرة من جهة أخرى إلا إذا تغيرت المعطيات القائمة في المنطقة وكل ما يوصف بمبادرة أمريكية جديدة، إنما يستهدف مواجهة تطورات طارئة، وهي الآن الانتفاضة الشعبية إلى جانب الانتفاضة الفلسطينية لتعود المياه الأمريكية والصهيونية إلى مجاريها، بغض النظر عن «مجرى» دماء الفلسطينيين وحتى دماء سائر العرب والمسلمين إذا لزم الأمر. 

وحتى ما تسمية واشنطن «حربًا على الإرهاب» لم يعد يتجاوز أن يكون وسيلة لتوظيف أحداث نيويورك وواشنطن في خدمة ثوابت السياسات الأمريكية المتعاقبة، والتي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة في العمل على فرض الهيمنة عالميًّا، وترسيخ أسبابها بمختلف الوسائل، ومعظمها وسائل قائمة على القوة العسكرية، مما توارثته الحكومات الأمريكية منذ قرنين. 

وليس صحيحًا ما يتردد أحيانًا على سبيل «تفسير» السياسة الأمريكية في نطاق التعامل مع الأحداث في الأرض الفلسطينية الآن وكان بوش الابن يواجه معضلة، وهي كيف يوفق بين ضرورة مواجهة شارون الذي يكتب صفحة أخرى في سجل تاريخه الدموي. وبين ضرورة الالتزام الأمريكي بمكافحة «الإرهاب العالمي» وهذا لا يرتبط الأمر بقضية فلسطين، بل يرتبط بشخص عرفات وشخص شارون لاختزال قضية تاريخية ومصيرية في «صراع شخصي» وشكليات وهذا ما يعنيه اختزال «تلك المعضلة» المزعومة في السؤال: 

كيف يمكن لبوش أن يدعم «إخراج عرفات» من مصيدة الحصار الصهيوني بعد أن سعت حكومة بوش إلى وصف عرفات وفصائل المقاومة الفلسطينية المرتبطة به وغير المرتبطة بأنها «إرهابية«؟

هذا أسلوب في «التفسير» يشوه الصورة إلى حد بعيد، ولا يستقر لحظات عند التأمل في حقيقة أن موقف بوش تجاه عرفات نفسه قد بدأ قبل وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن بتسعة شهور عندما استقبل شارون مرة بعد أخرى ورفض «توسلات» السلطة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية أن يستقبل عرفات ولو على سبيل المجاملة أو المساعدة على حفظ ماء الوجه فلا علاقة إذن لثوابت واشنطن في التعامل مع قضية فلسطين وسائر الأطراف ذات الصلة بها بحوادث التفجير ومن ثم توظيفها لخدمة الهيمنة الأمريكية عالميًّا بدعوى «مكافحة الإرهاب»

الثمن المطلوب يحرق الوعود الكلامية

إن ازدياد العلنية في الغذاء الأمريكي، إنما يرتبط أولًا وأخيرًا بظهور مفعول التوجه الإسلامي داخل فلسطين وخارجها في تعبئة مختلف القوى والتيارات والحد من النزاعات والاختلافات لصالح التلاقي على طريق التحرير. 

وما يسري على قضية فلسطين بهذا الصدد. يسري على سائر المنطقة وبالتالي اشتدت الحرب الأمريكية الصهيونية على كل عنصر تأثير ولو في شكل «تكبير وتهليل» في مظاهرات قد يشارك فيها يساريون وعلمانيون وإن ما تسعى الآلة العسكرية لتنفيذه داخل فلسطين المحتلة على هذا الصعيد تسعى الولايات المتحدة لتنفيذه بآلتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على مستوى المنطقة الإسلامية وعالميًّا.

ولهذا أيضًا كان من أبرز تصريحات وزير الخارجية الأمريكي عند مروره بأوروبا لتحييد المتمردين على واشنطن هو مطالبة الدول العربية وليس السلطة الفلسطينية فقط، بدفع ثمن إنقاذ البقية الباقية من تلك السلطة، وإن تم «إنقادها» فسيكون بصورة تسمح ببقائها بغض النظر عمن يتزعمها، وظهورها بمظهر المنتصر على الآلة العسكرية الصهيونية تكرارًا للأسلوب التقليدي المكشوف والقائم على أن نجاة «الأشخاص» هو الانتصار، وإن وقعت كارثة عسكرية وسقط من سقط من الشهداء ووقع ما وقع من دمار!

وفي مقدمة الشحن المطلوب علنًا «إدانة الإرهاب ولاسيما العمليات الاستشهادية وبتعبير آخر تجديد التزام الحكومات بملاحقة كل ما يحمل اسم المقاومة أو النضال أو الجهاد لتحرير الأرض والإرادة لا سيما ما بلغ من ذلك ذروة البطولة وذروة الفاعلية، أي العمليات الاستشهادية التي بدلت إلى حد كبير مجرى الحقبة الأخيرة من تاريخ القضية وأعادت بعض التوازن القائم على الرعب كما يقال، والصحيح أنه ليس رعبًا متبادلًا، بل هو توازن قائم ما بين الرعب "الإسرائيلي" وإلى جانبه آلة عسكرية ضخمة من جهة مقابل إرادة التحرير الفلسطينية وإلى جانبها عمليات استشهادية تخترق أعماق كيان العدو.

 لقد تحركت السياسة الأمريكية لمحاولة القضاء على هذا التوازن بالذات، والقضاء على ما يعنيه من إحياء روح الجهاد الموجه ضد عدو خارجي في الأمة ككل، وشطب ما سطرته مؤتمرات قمة سابقة لا سيما في السنغال بصدد انفراد الدول الإسلامية بإلغاء كلمة الجهاد من قاموسها السياسي، في عصر باتت «القوة» فيه تطغى على كل كلمة أخرى في قواميس التعامل الدولي في مختلف الميادين والمناطق السياسة الأمريكية تستشعر أن المنطقة الإسلامية تنفرد عالميًّا باحتوائها خطرًا حضاريًّا، على البقية الباقية من مارد حضاري غربي أمريكي تنخر الأمراض في جسده وتستشعر أيضًا أن هذه المنطقة بدأت تستيقظ. وأن قضية فلسطين وأرض فلسطين والمقاومة الإسلامية بالذات وما نشرته في صفوفها وصفوف فصائل أخرى تحت عنوان «عمليات استشهادية»، هو ما يمثل «القلب» من عملية الاستيقاظ تلك، وهذا القلب هو المستهدف الآن من التحركات الأمريكية. 

والوسائل إلى ذلك تبدأ تحت عنوان: «إدانة الإرهاب والعمليات الانتحارية. وتتفرع في اتجاهين اثنين كشفت عنهما تصريحات بأول أيضًا:

  • تجفيف المنابع الفكرية والإعلامية

  • تجفيف منابع الدعم المالي.

 ولم يتردد وزير خارجية الدولة التي لا تنفك تتحدث عن حقوق الإنسان في أن يطالب الحكومات العربية بمنع وصول تبرعات مالية لذوي الاستشهاديين بعد استشهادهم.. أي المطالبة بإيقاع عقوبات جماعية بأسلوب التجويع ليرتدع وفق تصوراته أفراد آخرونعن الإقدام على عمليات استشهادية، أو ترتدع الأمهات عن تربية أولادهن على روح الجهادوالاستشهاد ...

لا يدل ذلك على عدم دراية بالإسلام وروحه فحسب.. إنما يدل أيضًا على العجز عن التعامل مع قضية مصيرية ستكون ذات تأثير كبير على مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة.

 كان يكفي في إطار المرحلة المتأزمة من الأحداث والالتفاف حولها أن تتحرك السياسة الأمريكية باتجاه الاعتراف الفعلي لا الشفوي ولو بحد أدنى من الحقوق المشروعة لأصحابها فقد كان ذلك هو ما عاشت السلطة الفلسطينية من قبل، وعاشت أنظمة عربية على أمل الحصول عليه مقابل كل ما قدمته من تنازلات هائلة، فقد تطلعت إلى الحصول على دولة فلسطينية أو دويلة، وعلى انسحاب عسكري كامل، أو شبه كامل من أرض فلسطينية احتلت عام ١٩٦٧م.. مع الاستعداد لاعتراف وتطبيع وشروط، أدناها ترسيخ الهيمنة العسكرية "الإسرائيلية" إقليميًّا....

 إذا كانت الانتفاضة البطولية الفلسطينية هي التي حركت السياسة الأمريكية من موات سابق يصب في صالح الكيان الباطل، فما الذي يبقى من «أوراق» في أيدي الطرف الفلسطيني والعربي، عندما يصبح أحد الشروط الأمريكية للتحرك في خطوة تالية القضاء على تلك الانتفاضة قضاء مبرمًا، وتجفيف منابع مدها بالدعم المعنوي والمادي في أي أرض وأن يتولى ذلك العمل المشرف» ما بقي من عناصر السلطة الفلسطينية وأجهزتها بعد القصف.

احتمالات مستقبلية.

وواقع المنطقة

الاستجابة لهذا الشرط الأمريكي، لا تعني الاستمرار في منحدر التنازلات وانتظار الشروط التالية فحسب، بل تعني في الوقت نفسه مضاعفة الأخطار القائمة حاليًّا إلى حد كبير:

 ١-إن أول ما يعنيه الإعلان الرسمي فلسطينيًّا وعربيًّا عن مثل تلك الاستجابة هو تحويل ساحة المعركة إلى داخل الصفوف الفلسطينية، وداخل الأرض العربية وقبول انظمة عربية بتوظيف نفسها أجهزة تنفيذية للمخططات الأمريكية المرتبطة عضويًّا بالهيمنة الصهيونية.

 ۲- وإن دخول السلطة.. أو دخول بعض الأنظمة في مثل هذه المعركة الجانبية الخطيرة لا يقضي فقط على المزيد من الطاقات الذاتية بدلًا من تنميتها وتعبئتها وتطويرها، إنما يعني أيضًا توسيع رقعة المعركة المصيرية، الدائرة على أرض فلسطينية بين عدو يقف في جبهة واضحة المعالم، وشعب يقف في جبهة أخرى واضحة المعالم أيضًا لتشمل بلدانا عربية أخرى، ولتقيم جبهات متعددة داخل تلك البلدان مما يضعف سائر من ينزلق إلى المشاركة في هذا الاحتمال الخطير الذي تدعمه السياسة الأمريكية والصهيونية دعمًا كبيرًا. 

ولئن كان من درس يستخلص في هذا السياق من الانتفاضة البطولية الفلسطينية ودروسها أوسع من ذلك وأشعل بكثير فهو أنه لا يمكن لأي قوة باطشة مهما بلغ شأنها أن تواجه إرادة شعب قرر أن يتحرر.. وأن يجاهد ليتحرر، وهذا بالذات ما ينبغي لسائر المسؤولين أن يضعوه نصب أعينهم.

 بل لم يعد البقاء في السلطة، ولا تحقيق «انتصار» ما رهنًا بالارتباط بقوة أجنبية مهما كان شأنها إنما الطريق إلى البقاء في السلطة مع تحقيق أهداف التحرر والتقدم مرهونة بمدى استعادة ثقة الشعوب التي تعلن بانتفاضتها الشاملة أنها قادرة عبر توجيه مسيرتها أن تحقق الأهداف المرجوة رغم سائر ما تنسجه القوى الأمريكية والصهيونية من مخططات.

الرابط المختصر :