العنوان ماذا بعد حكم المحكمة الدستورية ببطلان تشكيل مجلس الشعب المصري؟!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1990
مشاهدات 75
نشر في العدد 968
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 29-مايو-1990
أخيرًا... صدر حكم المحكمة الدستورية
العليا في الأسبوع الماضي، لينهي ثلاث سنوات من عمر دورة المجلس الحالية، أي قبل
موعدها القانوني بعامين مثلما حدث في الدورة الماضية، وأصبح من المؤكد استجابة
القيادة السياسية لحكم المحكمة الدستورية، وهي أعلى- سلطة قضائية- الذي قضي ببطلان
مجلس الشعب منذ تشكيله في إبريل 1987، بناءً على عدم دستورية المادة الخامسة من
قانون الانتخابات التي تنص على أن نظام الانتخابات يجري على أساس نظام القوائم
النسبية الحزبية، بالإضافة لبعض المقاعد الفردية توزع بمعدل مقعد واحد لكل دائرة
انتخابية، باعتبار أن هذه المادة لا تلتقي مع نص الدستور الذي يؤكد على حق كل
مواطن في الترشيح دون قيود إدارية. وأصبح من المؤكد كذلك، صدور قانون جديد
للانتخابات يتلافى العيوب القانونية والدستورية للقانون الحالي، ويقترح عدد كبير
من القيادات السياسية الحزبية، أن تشكل لجنة محايدة؛ سواء من كافة القوى السياسية
أو من القانونيين البعيدين عن الارتباط الحزبي والحكوميين للإعداد لمثل هذا
القانون، حتى يخرج محققًا للعدالة بين الحكومة ومعارضيها، على أن يصدر بقرار
جمهوري له صفة القانون في ظل غيبة مجلس الشعب، باعتبار أن المجلس الحالي المطعون
في قانونه لا يجوز- أدبيًا- أن يقر قانونًا جديدًا للانتخابات.
ارتياح
عام
وقد أحدث
حكم المحكمة الدستورية ارتياحًا عامًا في الأوساط السياسية والقانونية، باعتبار أن
دورة مجلس الشعب التي أنهاها حكم المحكمة تعرضت منذ اليوم الأول بل قبل انعقادها
للطعن؛ سواء في نزاهة الانتخابات أو في خرق القوانين المعمول بها، وقضت محكمة
القضاء الإداري ببطلان عضوية 78 عضوًا من الأعضاء الحاليين، إلا أن الحكومة رفضت
التنفيذ بصورة قاطعة، وأبقت عليه حتى الرمق الأخير!
الأمر
المثير للدهشة، أن رئيس المجلس الحالي والسابق د. رفعت المحجوب ثبت على رأيه، وأصر
على موقفه؛ حيث تحدى جميع الأحكام التي صدرت لصالح المرشحين باعتبار أن «المجلس
سيد قراره»! حتى بعد أن صدر حكم المحكمة الدستورية منع أعضاء المجلس من مناقشته
والتعليق عليه داخل القاعة؛ حتى ثار المهندس إبراهيم شكري زعيم المعارضة قائلًا:
كيف يجوز للجميع في خارج المجلس أن يناقشوا حكم المحكمة، بينما يمنع أعضاء المجلس
من مناقشته وإبداء آرائهم فيه، وهم المعنيون به! وطالب إبراهيم شكري تحت القبة
بوقف جلسات المجلس وعدم مناقشة أو إقرار أي عمل احترامًا للدستور.
لم يبق إذن
إلا ساعات ويصدر قرار رئيس الجمهورية بحل مجلس الشعب، ويرى الكثيرون من القانونيين
وعلى رأسهم الدكتور محمد حلمي مراد الأمين العام لحزب العمل وأحد الكفاءات
القانونية المشهود لها، بأنه لا داعي لدعوة الجماهير للاستفتاء على حل المجلس
باعتبار أن حل المجلس ليس قرارًا ذاتيًّا من رئيس الدولة، ولكنه تنفيذ لحكم
المحكمة الدستورية العليا، فليس هناك شبهة إساءة استغلال السلطة.
الحل..
في ظروف صعبة
ويأتي
قرار حل مجلس الشعب في ظروف صعبة؛ سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، فعلى
المستوى الاقتصادي ارتفعت تكلفة المعيشة بصورة كبيرة، خاصة في هذا الشهر مايو 1990،
وهبطت قيمة الجنيه المصري لأدنى حد، وارتفع التضخم بصورة كبيرة أدت إلى التهام
الأجور وارتفعت حالة السخط العام من جراء ارتفاع الأسعار، في الوقت الذي يضغط فيه
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمزيد من ارتفاع الأسعار الأساسية التي تؤثر
بصورة شديدة على محدودي الدخل، وهم يشكلون القاعدة العريضة للمجتمع المصري وعلى
المستوى الدولي هناك سوء حالة التصدير، وانهيار أسواق القطن المصري بعد تعرضه
للآفات وسوء المتابعة، مما أفقد الميزانية العامة للدولة مصدرًا مهمًّا وأساسيًّا
من مصادر النقد الأجنبي.. وإذا كان الناس في مصر، يتوقعون مزيدًا من الارتفاع
الجنوني للأسعار، ومزيدًا من تنفيذ تعليمات الهيئات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها
صندوق «النكد» الدولي، كما أسماه رئيس الجمهورية، فإن هذا كله يشكل عاملًا ضاغطًا
على الحكومة ليجري في صالحها على كل حال.
الواقع
السياسي
أما على
المستوى السياسي فإن أحزاب المعارضة لم تتقدم خطوة واحدة لصالح كسب الرأي العام
والتأثير فيه، اللهم إلا حزب العمل الذي له وجود نوعي في عديد من المحافظات بعد
تعديل مساره وإعلان تبنيه للخط الإسلامي في سياساته، وتأتي الانتخابات الأخيرة
التي جرت في الثامن من يونيو الماضي، أي قبل نحو عام وما شابهها من تدخلات، أدت
إلى فوز مرشحي الحكومة بكل المقاعد في مجلس الشورى! تأتي تلك الانتخابات لترفع
نسبة عدم الإقبال على صناديق الانتخابات ربما لأقصى حد لها منذ فترة طويلة، وهذا-
بالطبع- يشكل تحديًا كبيرًا ليس فقط للحكومة، ولكنه- وبصورة أشد- لأحزاب المعارضة
والقوى السياسية الأخرى، والصورة- كما هي واضحة- تؤكد على صعوبة إقناع الجماهير
بالتدفق للإدلاء بآرائها يوم الانتخابات، فالكل يعزف نغمًا واحدًا هو «مفش فايدة»
أي لا فائدة من الإدلاء بالصوت ومن الانتخابات ومن مجلس الشعب، فالحكومة ترفع
الأسعار بلا ضابط ولا رادع، فأين النواب الذين اخترناهم وأعطيناهم أصواتنا؟!
هذه بعض
ملامح الصورة العامة قبل قرار حل مجلس الشعب، والذي ينبغي أن تؤخذ بعين الاهتمام،
وأن تعالج سلبياتها، وإن كانت الأمور تحتاج إلى حلول جذرية، وعلاج حاسم، يعيد
الأمل لدى الشعب في إمكانية التغيير، ومن مصلحة الحكومة والقيادة السياسية، أن تتم
الانتخابات في نزاهة وحيدة كاملة، والشعب- وعلى رأسه المثقفون- ينظرون إلى تجربة
الانتخابات الأردنية، وهي إحدى دول مجلس التعاون، نظرة احترام وتقدير، والكل أجمع
على نزاهتها وجديتها، ومصر ليست أقل من أخواتها وجيرانها؛ بل هي قدوة ينبغي أن
يراعي قادتها ذلك.
نزاهة
الانتخابات
والسؤال
المطروح الآن: إلى أي مدى يمكن أن تقتنع الحكومة والقيادة السياسية بأهمية الحرص
على نزاهة الانتخابات؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون الانتخابات القادمة- والتي ستجري
وفقًا للنظام الفردي- نقطة انطلاق حقيقية لعلاج مشكلات مصر، وأزماتها السياسية
والاقتصادية؟
إن الرئيس
حسني مبارك يمكنه أن يأخذ مكانه في التاريخ السياسي بصورة مرموقة، ويذكره الأجيال
باعتباره- لو اتخذ قرارًا بنزاهة الانتخابات- أول من وضع البلاد على الطريق
السليم، وأول من واجه مشكلاتها بصراحة وقوة وقرار رشيد.. والأمر ليس صعبًا، بل إنه
يجب أن يعرف القوى الحقيقية في الشارع السياسي المصري، خاصة ولم يبق له في رئاسته
للدولة إلا ثلاث سنوات تنتهي في أكتوبر 1993، إذا أصر على موقفه بعد تجديد رئاسته
لمدة ثالثة، كما أعلن من قبل.. فهل يمكن أن تتم الانتخابات في نزاهة وحِيَدة كما
يطالب الجميع، وهل يقتنع الشعب بجدوى الانتخابات وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج
تضع نهاية لمشكلات مصر الكثيرة أو حتى تضع البداية الصحيحة لحلها.. هذا السؤال
موجه إلى القيادة السياسية وحدها!