العنوان لن ننتصر إلا بالإسلام
الكاتب نبيه عبد ربه
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1971
مشاهدات 105
نشر في العدد 53
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 30-مارس-1971
أذلنا الله بأذل خلقه!
وضع الله لهذه الحياة نواميس واضحة وسنن محددة، فمن أخذ بها وسار وفق شروطها وصل إلى أهدافه، ومن جهلها أو أهملها فشل وانتكس في تحقيق ما يريد، وهذه السنن وتلك النواميس يستوي حيالها الناس كافة مؤمنهم وكافرهم، فالله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن أحب.
والنصر سنة من سنن الله لا يفوز به إلا من أخذ بأسبابه وسار وفق الشروط التي وضعها الله له. والنصر نصران نصر رباني لا يمنحه الله إلا للمؤمنين وهو دائم ما أخذ المسلمون بشرع الله وساروا على نهجه، ونصر إنساني يفوز به من أخذ بأسباب القوة المادية، إلا أنه نصر مؤقت لأن حياة الأمم لا تبقى على حال واحدة، إذ ينتابها الضعف والقوة، وتتعرّض للانكسار بعد الانتصار.
والناس في هذه الحياة حزبان:
حزب الله وحزب الشيطان والظاهر أن المعركة بينهما قديمة وباقية ما بقيت الحياة، والعداء متأصل بينهم منذ الطليعة الأولى من بني آدم -قابيل وهابيل- لأن حزب الشيطان لا يتركهم الشيطان يقر لهم قرار بل يغري بينهم -دائمًا- العداوة والبغضاء، فالأصل «إنهم متناحرون متنافرون إلا أنهم يجتمعون على باطلهم إذا شعروا أن خطر أهل الحق محيط بهم، عندها يوحد الشيطان صفوفهم حتى يزول الخطر عنهم، فالعداء مستحكم بين بني الإنسان، فكلما أنبت الزمان قناة ركب المرء للقناة سنانًا، وصدق الله العظيم ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ، وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ (طه: 123: 124).
شروط النصر
وفي خضم هذه المعركة الحامية الوطيس وعد الله أن ينصر أهل الحق على أهل الباطل حين قال ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الروم: 47).
إلا أنه جلت قدرته جعل تنزيل النصر على المؤمنين معلّقًا بشرطين:
أولهما: أن ينتصر المسلمون لله على نفوسهم بأن يلزموها بما أمر الله ويبعدوها عن ما نهى الله، وأن ينتصروا لله على قومهم بأن يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر وأن يحاولوا إخراجهم من عبودية الدنيا والشهوات إلى عبودية الله وحده، وأن ينتصروا لله على دنياهم بأن يكون همهم فيها إحدى الحسنيين إما الموت والشهادة أو النصر والسيادة، لأن الفناء في الله هو عين البقاء، وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ أن ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، ٱلَّذِينَ أن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُور﴾ (الحج: 40: 41).
وفي أثناء هذا كله عليهم أن يعتقدوا أن النفع والضر بيد الله، وبيد الله وحده، وأن النصر من عند الله وليس من عند أحد غيره، فهو المتحكم في ميزان القوى في العالم لا يعجزه شيئ في الأرض ولا في السماء وصدق الله العظيم ﴿أن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160).
وثانيهما: أن يسير المسلمون وفق نواميس الله وسننه، فالله يحب من العبد إذا عمل عملًا أن يتقنه، وأن يعد لكل شيء عدته، ومن سنن الله أن يعد الإنسان العدة لمواجهة أعدائه وأن يتحصن بأسباب القوة -المادية والمعنوية- حتى ينتزع النصر منهم، فلا يقبل الله من المسلمين أن يأخذوا بالجانب السلبي من الإسلام ويتركوا الجانب الإيجابي، لا يقبل منهم أن يعتكفوا في المساجد صائمين قائمين ثم يرفعوا أيديهم إلى السماء طالبين النصر على أعدائهم، ولكن يرضى لهم أن يكونوا رهبانًا في الليل فرسانا في النهار يأخذون بأسباب القوة ولا يخافون في الله لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصدق الله العظيم ﴿أَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ (الأنفال: 60).
سلامة العقيدة أول أسباب النصر
فأول أسباب النصر سلامة العقيدة وإيجابيتها، وصدق التوجه إلى الله والبعد عما نهى الله وحرم، والاعتقاد أن النصر من عند الله ومن عند الله وحده ولهذا نجد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدرك هذه الحقيقة فيوصي «سعد بن أبي وقاص» رضي الله عنه قائد جيوش المسلمين إلى بلاد الفرس بهذه الوصية:
«يا سعد أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب، واعلم أن ذنوب الجيش أخوف عليكم من عدوكم وإنا لا ننتصر على عدونا بعدد ولا عدة فعددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، وإنما ننتصر بمعصية عدونا لله وطاعتنا له، فإذا استوينا وإياهم في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا نغلبهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا».
لقد درس أعداؤنا تاريخنا وعقيدتنا فعرفوا مواطن القوة فينا، عرفوا كيف ننتصر ولماذا ننتصر، عرفوا أن إبعاد المسلمين عن إسلامهم يبعد نصر الله عنهم، وإن هذه الظاهرة بقيت واضحة في تاريخهم، فقد بقي المسلمون في مد وجزر يعزون ويذلون بمقدار بعدهم أو قربهم من الله، فكانوا كلما هيض جناحهم وتكالبت الأمم عليهم يصحون من غفلاتهم على أصوات ضربات أعدائهم، فيدركوا أنهم ما كان يصير حالهم إلى ما صار إليه إلا لأنهم ابتعدوا عن ربهم وهجروا سنة نبيهم فيفزعون إلى الله تائبين منيبين ويرتدون إلى الإسلام ردة صادقة فيرد الله لهم عزتهم وكرامتهم، لقد تكررت هذه الظاهرة في حياة المسلمين حتى لكأنها ملازمة لتاريخهم تكررت في يوم حنين وفي أثناء هجمات المغول والتتار والصليبيين على العالم الإسلامي.
فهم الأعداء لنا
لقد أدرك أعداؤنا أن موطن قوتنا يكمن في عقيدتنا، فبواسطتها نتقرب إلى الله فينزل الله نصره علينا، ومنها نستمد قوتنا عبر الحياة لأن المسلم يفضل الموت الشريف على الحياة المهينة ومن طلب الموت وهبت له الحياة فالمسلم لم يفتأ يطلب هاتين –النصر أو الشهادة– حتى يفوز بإحدى الحسنيين، وفي هذه العقيدة سر قوتنا المادية فبها نلوذ وحولها نلتقي وعلى أساسها نتحد وبها نكون خير أمة أخرجت للناس.
ولهذا ركز الأعداء هجومهم على عقيدة المسلمين وكانوا يهدفون من ذلك إبعاد المسلمين عن إسلامهم حتى يقطعوا عنهم المدد من السماء فيكونوا معهم كفرسي رهان، وعندها يستطيعون أن يتغلبوا عليهم بقوتهم المادية ولهذا أخذوا يشككون المسلمين في دينهم وعقيدتهم، وما زالوا بهم جيئة وذهابًا، وما زالوا بهم تشكيكًا وإفسادًا، وما زالوا يزينون لهم الشر خيرًا والخير شرًا حتى تضعضعت العقيدة في نفوسهم، وأخذوا يبتعدون عن إسلامهم حتى تنكر بعضهم لدينه وتاريخ أجداده، فكانت الطامة عليهم والعاقبة لأعدائهم ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾ (مريم : 59).
ماذا بعد هجر العقيدة؟
ولما تحلل المسلمون من عقيدتهم ركنوا إلى النعرات العنصرية والقومية والوطنية فانقسموا إلى أمم وجماعات تجتمع كل منها على أسس واهية كالعرق والجنس والأرض بعد أن كانوا أمة واحدة تجمعها أخوة الإسلام وتعيش تحت راية القرآن، ولما تحلل المسلمون من عقيدتهم وانقسموا على أنفسهم وتركوا عقيدة السماء وشرع الله وراءهم ظهريًا ذابت شخصيتهم في شخصية غيرهم وأصبحوا أتباعًا بعد أن كانوا رؤساء، فهانت عليهم أنفسه فاستهان بهم غيرهم، فسلط عليهم أعداؤهم المبادئ الوضعية وعملوا نشرها بينهم –كالاشتراكية والشيوعية– فوجدت في نفوسهم أرضًا خصبًا ومرتعًا حسنًا نمت وترعرعت فيه، فكانت سببًا من أسباب تفرقتهم الداخلية إذ فرقت بين الأخ وأخيه والوالد وولده والرجل وقومه حتى أصبح الشيوعي العربي يفضل مصلحة الشيوعي الإسرائيلي على مصلحة بني وطنه كما يقدم مصلحة إسرائيل وموسكو على مصلحة القاهرة وعمان.
لقد كانت خطة الأعداء تكمن في إبعاد المسلمين عن إسلامهم ليبتعد نصر الله عنهم ولقد كان لهم ما أرادوا حتى تساوى العرب واليهود في البعد عن الله، فتفوق عليهم اليهود بالقوة التي تعد أحد أسباب النصر، قوة العلم، قوة السلاح، وقوة وحدة الصف فمن الطبيعي أن ينتصروا على العرب على الرغْم كثرة عددهم، لأن هؤلاء كانوا غثاء كغثاء السيل مزقت المبادئ الهدامة وحدتهم ونحرت التفرقة صفوفهم وطلبوا النصر من غير ربهم فسلط عليهم عدوهم وكثيرًا ما ينتقم الله من ظالم بأظلم منه ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ أن أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102)
فكانوا كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يكسبون.
أذلنا الله بأذل خلقه
صحيح أن الله ضرب الذلة والمهانة على اليهود إلى يوم القيامة- كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله- لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، ولكن الله أخبرنا أن هؤلاء سيستأسدون يومًا ليؤدب الله ظالمًا بأظلم منه ثم أن الله لن يفلتهم لأنه جلت قدرته يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته فقال تعالى ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إلا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ۱۱۲).
وهل تستأسد الذئاب إلا في أرض يسكنها ضعاف الأنعام، وهل يستنسر البغاث إلا في جو لا يسكنه إلا ضعاف الطير، فمدد الناس معروف هنا إلا وهو عون الدول الغربية والشرقية لليهود وقوفهم إلى جانبهم، أما مدد الله فلم يكن مددًا إيجابيًا إذ أن الله لن يؤيد قومًا غضب عليهم، ولكنه جلت قدرته رفع مدده عن المسلمين وحجب عنهم نصره وتركهم لأنفسهم فاستأسدت عليهم الذئاب واستنسر عليهم البغاث فغدوا كالأيتام على مأدبة اللئام يستغيثون ولا مغيث لهم ويستنصرون وليس هناك من ينصرهم، لأن الله إذا رضي عن قوم جعل الناس يرضون عنهم وألقى المهابة منهم في قلوب أعدائهم، أما إذا غضب عليهم، جعل الناس يغضبون عليهم ولو كانوا راضين عنهم لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
هذا هو الداء.. فما هو الدواء؟
لن ينقذنا مما نحن فيه إلا عودة صادقة إلى الله وردة مخلصة إلى طريقه المستقيم و اعتصامًا وثيقًا بحبله المتين، نحن بحاجة إلى ردة إلى الإسلام، ليس إسلام الرعاع، ولكن الإسلام الحركي كنظام للحياة والإنسان، كنظام يؤمن بأن الحق والقوة نزلا من السماء معًا، فلن تعيد لنا فلسطين الخطب الرنانة أو القرارات والمؤتمرات، ولكن تعيدها لنا القوة الرادعة -قوة الإيمان وقوة السلاح وقوة وحدة الصف- القوة التي تحطم كبرياء الأعداء وتفوت عليهم الفرصة لتحقيق أحلامهم فما أخذ بالقوة لا ولن يرد إلا بالقوة ولا يفل الحديد إلا الحديد.
فإذا كانت هزيمة عام 1948 قد أثبتت فشل الحل العربي الرجعي لقضية فلسطين، وإذا كانت هزيمة عام 1956 قد أثبتت فشل الحل القومي لقضية فلسطين، وإذا كانت هزيمة عام 1967 قد أثبتت فشل الحل الاشتراكي.
بقلم نبيه عبد ربه
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل