العنوان تركستان الشرقية قضية إسلامية منسية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988
مشاهدات 83
نشر في العدد 862
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 12-أبريل-1988
تركستان الشرقية: أرض ذات كيان مستقل عن الصين.
تركستان الشرقية أرض ذات كيان مستقل عن الصين منذ أن اختار التركستانيون الإسلام دينًا ومنهج حياة.
أخي القارئ، ماذا تعرف عن تركستان؟ وأين تقع؟ وما واجبك كمسلم تجاه إخوانك المسلمين في هذا البلد وفي غيره من بلاد المسلمين؟ ولعل أشد جوانب هذه القضية إيلامًا أن المسلمين -حتى المثقفون منهم- لا يشعرون بهذه القضية، وربما لا يعرفون أن في العالم بقعة اسمها تركستان الشرقية تحتلها الصين الشيوعية منذ عام 1949.
موقع تركستان
تقع تركستان وسط قارة آسيا، وتجاورها باكستان والهند جنوبًا، وأفغانستان وتركستان الغربية تحت الاحتلال السوفيتي في الشمال الغربي والغرب، وسيبيريا شمالًا، ثم الصين ومنغوليا شرقًا.
وأرض تركستان غنية بالموارد الزراعية والمعدنية، وهي تحوي كميات من اليورانيوم، وليس هناك إحصائية رسمية لعدد السكان ولكنه قدر عام 1948 بحوالي ثمانية ملايين نسمة.
الجنس
التركستانيون هم من أصل تركي، بل هم أجداد الأتراك الحاليين، والعثمانيون ينتسبون إلى عثمان الذي نزح مع جماعة من قومه من آسيا الوسطى، أي من تركستان إلى هضبة الأناضول. و«تركستان» كلمة فارسية مؤلفة من (ترك) وهو شعب آسيوي قديم نشأ في سهول سيبيريا وجبال الأورال ومن (ستان) ومعناها أرض أو بلاد، أي أن تركستان تعني أرض الترك. يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: (تركستان اسم جامع لبلاد الترك).
وشعب تركستان الشرقية عبارة عن مجموعة قبائل ترجع إلى أصول تركية مثل: لاوي فور، القازاق، القيرغيز، التتار.
اللغة
يتكلم أهل تركستان لهجة تركية تسمى اللهجة الخاقانية. وقد دخل الإسلام إلى تركستان الشرقية عام 96 هـ على يد القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي، وفي عام 323 هـ اعتنق أحد سلاطين الإمبراطورية الإسلام فأسلم الشعب التركستاني منذ تلك الفترة.
وقد عمدت الصين إلى تغيير اسم تركستان إلى اسم صيني استعماري هو (ستكيانغ) واعتبرتها ولاية صينية.
الدين
تدين الغالبية الساحقة من التركستانيين بالإسلام دينًا وبمذهب أبي حنيفة مذهبًا فقهيًا، وليس في تركستان كما يشهد التاريخ أي صراعات مذهبية، وشعب تركستان متدين شديد التدين.
التاريخ
يشهد المؤرخون بأن تركستان ليست من الصين، بل إن بعض المؤرخين الصينيين أنفسهم يعترفون بهذه الحقيقة. وقد وردت تركستان في كثير من المؤلفات الرسمية على أنها بلد أجنبي، وليست من الصين.
الانتفاضات المستمرة للتركستانيين
لقد شهدت أرض تركستان الشرقية ثورات وحركات تحريرية منذ العهد القديم، وقد سجل التاريخ قيام عدد من الحكومات والدول التركية على أرض تركستان. وفي العصر الحديث كان آخر حركاتها التحررية قيام الحكومة الوطنية المسلمة المستقلة التي أُعلن عن قيامها يوم 12 نوفمبر عام 1922، ولكن سرعان ما أُسقطت من قبل الصينيين والروس بعد عشر سنوات، ثم عاد الاحتلال الصيني من 1944-1949. ولعل أبرز الأحداث في هذه الفترة هو تتويج الجهاد الإسلامي لشعب تركستان الشرقية بإقامة جمهورية إسلامية بقيادة (خوجة نيار) وبعض المجاهدين المسلمين. وقد تم إعلان قيام هذه الجمهورية في مدينة كاشغر العاصمة يوم 12 نوفمبر 1933، ولكن روسيا أجهضت هذه الجمهورية عام 1934 ثم وقعت تركستان تحت الاحتلال الصيني الوطني، ولكن الثوار المسلمين بقيادة (علي خان توره) تمكنوا من انتزاع الاعتراف باستقلال تركستان من حكومة الصين الوطنية. وتدخلت روسيا مرة أخرى واضطر الثوار إلى إجراء مباحثات سلمية مع الصينيين لإلغاء الحكومة المستقلة وتأليف حكومة تركستانية-صينية مختلطة.
وتم ذلك وكان من بين أعضاء مجلس الحكومة الجديدة من التركستانيين (محمد أمين بوغرا) و(عيسى البتكين) و(عثمان باتور) وغيرهم.
ثم أُجريت انتخابات حرة فاز فيها الوطنيون المسلمون، وتكونت حكومة مسلمة برئاسة الدكتور (مسعود صبري) وعين (البتكين) أمينًا عامًا للحكومة -أي رئيسًا للوزراء-. وكان من أعمال هذه الحكومة فصل الشيوعيين من العمل، وتدريس التاريخ التركي في المدارس، وإدخال دروس الدين الإسلامي إلى مناهج التعليم، وإحلال اللغة التركية محل اللهجات المتعددة، وتأسيس المطابع والصحف الوطنية.
ولكن الروس والصينيين نجحوا في التآمر على الحكومة وإسقاطها قبيل الانقلاب الشيوعي.
الاحتلال الشيوعي لتركستان الشرقية
في 26/9/1949 أُعلن استسلام تركستان الشرقية للقوات الصينية الشيوعية، وبذلك استحكمت حلقات الاستعمار البغيض على تركستان المسلمة.
وقد مهدت الشيوعية للاستيلاء على تركستان ببعض الإجراءات ثم أتبعتها بإجراءات أخرى لتثبيت نفوذها ومحو معالم الاستقلال في تركستان، منها: تصفية العناصر المضادة للانقلاب الشيوعي، وتنفيذ حركة الإصلاح الزراعي التي استهدفت الاستيلاء على الأراضي الزراعية، وتنفيذ حركة الإصلاح الفكري لزرع الفكر الشيوعي، وحركة تطبيق قانون الزواج المختلط، وغسيل المخ وغير ذلك.
وقد عمل الشيوعيون وما زالوا على محاربة الإسلام وثقافته عن طريق توزيع المنشورات والكتب وإجبار التركستانيين وخاصة الشباب منهم على تعلم مبادئ الشيوعية، وتصفية العلماء وإتلاف المصاحف والكتب الدينية ومنع التعليم الديني ومنع أداء الشعائر الإسلامية، ومنع خروج المسلمين إلى الحج.
مما تقدم نجد هذه الدلائل تؤكد على أن تركستان الشرقية أرض ذات كيان مستقل عن الصين، ومنذ أن اختار التركستانيون بأغلبيتهم الساحقة الإسلام دينًا ومنهج حياة أصبحت تركستان غرة في جبين آسيا الوسطى حين امتزج في ترابها وأرضها وقلوب أبنائها رحيق الحضارة الإسلامية، وغدت مدن تركستان وقراها بلدًا آمنًا لعدد من العلماء المسلمين الذين كان لهم إسهام حقيقي في دفع عجلة الحضارة الإسلامية إلى الأمام.
واجب المسلمين
واليوم تعيش تركستان الشرقية مأساة عميقة وليس تصريح المسؤول الصيني الشيوعي إلا حلقة في سلسلة تلك المأساة، ومما يزيد الأسى والحسرة أن قضية تركستان لا تزال قضية منسية لا تحظى بشيء من الاهتمام من المسلمين جميعًا.
وإن المنظمات والهيئات الإسلامية في مجال الدعوة والتوعية مدعوة إلى أن تستفيد من الفرصة التي أُتيحت للمسلمين اليوم في تركستان الشرقية لتعمل على إنقاذ المسلمين المنسيين من أوضاعهم المؤلمة وترسيخ معاني الدين والعقيدة والفكر في نفوسهم حتى يمكن لهم أن يصمدوا في وجه الاستعمار الشيوعي وأن يحافظوا على عقيدتهم وأخلاقهم.
هذه لمحات خاطفة من الحقائق التاريخية النادرة التي نضعها بين يدي القارئ الكريم في هذا المقال ونقدمها للمسلمين ليتذكروا بلدًا مسلمًا أنجب عددًا من علماء الإسلام وكانت مدنه منارات إشعاع حضاري إبان ازدهار الحضارة الإسلامية، ويعيش اليوم في محنة إنسانية مؤلمة وراء الستار الحديدي الشيوعي.
ولعل في تقديم هذه المقالة للقراء الكرام ما يدفعهم إلى الاهتمام بقضية إخوانهم المسلمين في تركستان الشرقية: «لا تبك يا وطني، فلو لم يكن الربيع قد حل بيومك هذا، فلا بد أن يبزغ نجم الحرية في الأيام المقبلة».