العنوان من الحياة: الذكاء العاطفي.. والتفاهم الأسري
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1832
نشر في الصفحة 58
السبت 27-ديسمبر-2008
جاء هذا المقال من وحي شكاوي أسرية وصلت إلى بريدي الإلكتروني، ومردها من وجهة نظري إلى ضعف الذكاء الاجتماعي لدى أفراد الأسرة، وخاصة الآباء والأمهات.
زوجي اجتماعي جدًا
إحدى الزوجات تقول زوجي شخص اجتماعي جدا وله أصدقاء كثيرون، ومن عائلة كبيرة ومن ثم فأقاربه أيضًا كثيرون على حين التي نشأت في أسرة منغلقة اجتماعيا، ومن عائلة صغيرة ليست في المدينة التي نعيش بها.. والمشكلة أنني أعاني ضغوطا بسبب كثرة الزيارات الاجتماعية لنا من قبل القارب زوجي وأصدقائه، وكذلك زياراتنا لهم، فاليوم يجب أن أعد طعامًا لأقاربه الذين يزوروننا، وغدا مطلوب إعداد وليمة لأصدقائه، وبعد غد ستزور صديقا له أنجب وبعدها مناسبة زواج.... وهكذا.
تقول صاحبة هذه الرسالة لقد تحملت هذا كله في سبيل أن تسير الحياة محتسبة سيري وأجري عند الله تعالى، ولكن كما يقول المثل الشعبي رضينا بالهم والهم لم يرض بنا... لقد كنت أتحمل ذلك كله إسعاد الزوجي وإرضاء لرغبته، وكنت انتظر الأجر من الله تعالى، ولكن تجاوبي هذا قابله زوجي بالجحود، فعندما طلبت منه أن يرفق بي فيخفف قدر الإمكان من هذا الضغط الواقع على الهمني بأنني منعزلة وبخيلة، وتجاوزني فوصف أسرتي بأنها لا تحب الضيوف ومنطوية!!!
والدي لا يحبني
وهذه فتاة تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا أرسلت تقول، والدي يفرق بيني وبين أختي المريضة في المعاملة حيث يحرص على تقبيلها فور وصوله البيت، ولا يهتم بي، فهو لا يحبني وخاصة أنه يصنع ذلك مع أختي الصغيرة التي لم تتجاوز ست سنوات.. مع العلم بأن والدي اقترب عمره من الستين عامًا!!
زوجتي لا تقدِّر نجاحي
وهذا رجل يشكو زوجته يقول: أنا رجل ناجح في حياتي أوشك أن أكون قد حققت كل أهدافي وأحلامي في حياتي، لكنني لم أوفق في حياتي الزوجية برغم أنني متزوج من فتاة تصغرني بخمسة عشر عامًا، كما أنها رقيقة هادئة رومانسية حالمة... هي تريد أن تكون حياتنا كلها حبًا وشاعرية وشموعًا وورودًا ونزهات، وسفرًا وبحرًا وموسيقى.. وأنا أريد أن أحقق نجاحاتي وأنجز مهماتي هي تريد أن تعيش الرومانسية الناعمة، وأنا أريد أن أعيش النجاح والإنجاز فمكالماتي الهاتفية لا تتوقف حتى في أثناء خروجي معها، ناهيك عن أن معظم حياتي أقضيها خارج البيت في عمل أو سفر وكثيرًا ما تتهمني زوجتي بأنني أناني ومادي وقاسٍ في عواطفي وجاف، وأنا أتهمها في المقابل بأنها لا تقدر مجهودي وتعبي ونجاحي وجهدي من أجلها، لكي أحقق لها حياة كريمة ومستقبلا زاهرة لأولادنا، واتهمها أيضا بأنها لا تقدر النعمة التي تعيشها وتستمتع بها، فكثير من الناس لا يستطيعون أن يعيشوا في المستوى الذي تتمتع به.
إن هذه الخلافات سببها أن كل طرف لم يفهم مشاعر الآخر ومن ثم تضخم الاختلاف حتى صار خلافًا، وربما فهمه أحد الطرفين أنه اعتداء عليه أو موجه إليه، ومن ثم فقد التفاهم وذهب جمال العلاقة واندثر.
زوجي لا يلبي رغباتي الشرائية
ذكرتني هذه الشكاوى بشكوى امرأة من زوجها واتهامها بأنه يقصد مضايقتها والتنغيص عليها، فعندما كانت تخرج معه للتسوق تجذبها الملابس والأدوات المنزلية وأدوات التجميل فتريد أن تشتريها، لكنه لم يهتم، وكان لا يلبي لها ما تريد ثم تجده يشتري في الوقت نفسه كماليات خاصة به ويجدد السيارة!!
إن هذه الزوجة يمكن أن تتفاهم مع زوجها إذا أدركت طبيعة الرجل وأن ميوله الشرائية تختلف عن ميول المرأة، إنها أن أدركت ذلك فقط لتخلت عن فكرة أنه يقصد تنغيصها على الأقل. وأخذت حدة المشكلة، فإن هي نجحت في إجراء حوار معه فإنها ستصل لا محالة إلى الالتقاء معه في المنتصف وساعتها سيتحقق التفاهم والتفهم.
وهذه الزوجة التي تشتكي من زوجها لكثرة الواجبات الاجتماعية لو أن زوجها شعر بمعاناتها وضخامة الضغوط عليها لاستجاب لطلبها وراعي مشاعرها، وعمل على ترشيد جهدها وطاقاتها حفاظًا على سير حياتهما في هدوء ووئام.
وتلك الفتاة التي ترى أن أباها لا يحبها قد يصيب وقد يخطئ، ولو أنها قدرت مشاعر هذا الشيخ الكبير الذي اقترب من الستين عامًا، وهو يشعر بميل ناحية أختها المريضة لظروفها وكذلك الصغيرة ليعوضها ما سيفوتها، إذا وافته المنية، وقد قارب الستين لعذرت أباها، وخاصة إذا رأت أن فرصتها كانت أفضل لأنها الفتاة الأولى لأبيها، وقد ثالث من الرعاية والاهتمام ما لم يقدر لأختها المريضة أو لأختها الصغيرة.
وكذلك الحال بالنسبة للأب فلو أنه استشعر أحاسيس ابنته وطبيعة البنت واحتياجاتها إلى حب أبيها لأحاطها بحبه وحنانه، وذلك لا يتعارض أبدًا مع إغداقه الحب والحنان على بنتيه الأخريين.
الذكاء العاطفي والتفاهم مع أطفالنا
إن الأب الذي لا يتفهم مشاعر أولاده ولا يحترمها، يتوقع له أن يختلف معهم ولا يستطيع أن يجيد التفاهم والتعامل معهم، فكثير من الآباء لا ينظرون إلى الطفل على أن له خصائص تختلف عن الكبار، ومن ثم يريدون الطفل شخصًا راشدًا عاقلًا حكيمًا هادئًا خلوقًا لا يخطئ ولا ينسون أنه طفل.
فعندما يجري أطفالنا ويقفزون في البيت ويكسرون الأغراض، ويدمرون الأثاثات، يجب أن تفهم ذلك على أنه من لوازم الطفولة وخصائصها، حيث يرى علماء نفس النمو أن السبب في ذلك حاجة الطفل إلى الحركة وذلك بسبب النمو السريع الذي يحدث في العضلات الكبيرة للطفل كمضلات الذراعين أو الساقين - والذي يستلزم إفراغ الطاقة بالجري واللعب والتسلق والقفز فإذا لم يجد الطفل حديقة أو ناديا ينفس فيه طاقاته الهائلة، فإنه من الطبيعي أن يفرغها فينا نحن!!!
إن الآباء الذين يفهمون هذه الحقائق هم القادرون على التفاهم مع أولادهم، وعلى العكس من ذلك فغيرهم يكبتون الأطفال، ويضربونهم ويشوهون شخصياتهم السوء فهمهم، وضعف ذكاتهم العاطفي، بسبب عدم فهم احتياجات الأطفال وخصائصهم وميولهم.
الذكاء العاطفي والتفاهم مع المراهقين
يكبر أولادنا، وبدخولهم مرحلة المراهقة تتصاعد الخلافات وذلك بسبب تعاملنا مع المراهق على أنه رجل كبير حكيم، يغرنا حجمه وطوله وعرضه وتنسى أنه لا يزال قليل الخبرات محدود النظرات وبعض الآباء ينظر نظرة نكوصية للمراهق فيعامله معاملة الأطفال... ابنه يكبر وهو لا يدري أنه كبر، ويصر على أن يستمر في معاملته تلك التي كان يعامله بها وهو لا يزال طفلًا غضًا صغيرًا.
وصايا مهمة في تحقيق التفاهم الأسري
يتفق علماء النفس على مجموعة من الوصايا إذا روعيت تحقق التفاهم بين الشخص وغيره بوجه عام، وأفراد الأسرة على وجه التخصيص، وفيما يلي أهم هذه الوصايا.
- لا تحاول قراءة نوايا الآخرين:
المعلوم في علم البرمجة العصبية المقولة التالية لكل سلوك نية والسلوك لا يدل بالضرورة على ما تتوقعه أنت أو تقرؤه من نية صاحب السلوك لأن النية ليست ظاهرة، وقد يوقعك سوء فهمك لنية الآخر في إثم شرعي. وفي ذلك يقول المولى عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).
- ابحث عن إيجابيات الآخرين:
فالزوجة التي ترى زوجها عصبيًا يجب أن تنظر في إيجابية هذه الصفة، فمعلوم أن العصبيين غالبًا ما يكونون طيبي القلب رجاعين أوابين كما أنهم يعتذرون، ويجب أن تنظر أيضًا إلى إيجابياته الأخرى التي تغض الطرف عنها.
- إدراكك للأمور قد يختلف عن واقعها:
هذه المقولة تذكرني بالثلاثة العُميّ الذين قبل لهم ستتحسسون الفيل الآن، ثم عليكم أن تصفوه فوصفه أحدهم قائلًا: هو شيء طويل رفيع لأنه أمسك بذيل الفيل فقط، وصرخ الثاني قائلًا: لا ليس الفيل هكذا، إنما هو عريض مفلطح، لأنه تحسس أذن الفيل، أما الثالث فأمسك بالخرطوم، ولذلك وصف الفيل قائلًا: إنه طويل سميك.
أن هذا المثال يجسد احتدام الصراع عندما ندرك الشيء إدراكًا مخالفة لحقيقته، وما أكثر ما يحدث ذلك في حياة الإنسان، وذلك يدل على أننا تختلف في رؤانا للمواقف لأن كلا منا يراها من وجهة نظره هو لا من حيث واقع الشيء وحقيقته فعندما ندرك سلوكيات الآخرين وأقوالهم إدراكا يخالف الحقيقة.. هنالك نفقد التفاهم.
- عندما تحب توقع أنك ستختلف مع محبوبك:
قد يحب الواحد منا شخصًا، زوجته، أو صديقه أو ابنه - ولا يتوقع أنه سيختلف معه يومًا ما، فإذا وقع الاختلاف وحدث فهنالك نفقد التفاهم لذا يجب على المحب أن يتوقع الاختلاف مع محبوبه حتى إذا حدث لم يكن الأمر مذهلًا ولا مفاجئًا، وهنالك يمكن التفاهم عن طريق الحوار أو غيره.
- اعلم أن الناس مختلفون:
فلكل شخص منا سماته الجسمية والنفسية والعقلية والاجتماعية والدينية التي يختلف فيها عن غيره، وذلك حسب العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية، وكذلك حسب السن -فالآباء يختلفون عن الأبناء، والأجيال تختلف فيما بينها- وكذلك حسب الجنس، فالرجال مثلا يختلفون عن النساء، وهكذا.. وإدراك هذه الحقيقة يجعلنا تتفهم مشاعر الآخرين وتتقبل اختلافهم معنا، ونستبعد أن يكونوا نسخًا منا... إن إدراك الأب لاختلافه عن ابنه يوجد بينهما التفاهم، فيتفهم الأب أن تأخر الابن عن طعام الغداء لانشغاله مع أصحابه أمر معتاد وليس كارثة كبرى كما يتصوره بعض الآباء، وإدراك الزوج اختلاف طبيعة المرأة ومرورها بفترات الحيض مثلًا وتقلُّب مزاجها.. كل ذلك يجعله أكثر تفاهمًا واستيعابًا لزوجته... وهكذا.
- لا تفهم اختلاف الآخر معك على أنه إثارة للمشكلات:
فأولادك الشباب عندما يرغبون في إطالة شعرهم أو أظفارهم ليسوا بالضرورة يثيرون مشكلات مع آبائهم، ولكن ذلك قد يكون مجاراة الموضة أو إشباعا لرغبة فتفهم الآباء ذلك يخلق التفاهم ويقرب الجميع إلى التوصل للحلول والاتفاق.
- التمس الأعذار وارفق بالمخطئ:
إن من علوم الفقه علمًا عظيمًا يسمى فقه العصاة يعلمنا كيف نحسن معاملة العصاة لعلهم يهتدون ولقد حدثتنا السيرة عن مواقف عظيمة لرسولنا العظيم -صلى الله عليه وسلم- نستلهم منها حسن التعامل والتفاهم مع المخطئين، وما حادثة الأعرابي الذي بال في المسجد من عقولنا ببعيد، إذ هَمَّ بعض الصحابة بزجره، فنهاهم رسولنا الرحيم الكريم عن ذلك، وقال ما معناه لا تقطعوا على الرجل بولته.
- لا تقارن بين ابنك وأخوته:
فثمة فروق فردية بين الأفراد، فلقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مختلفين من حيث القدرات فقد تميز أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في الإيمان، وتميز عمر -رضي الله عنه- بالقوة في الحق والعدل، وتميز ابن مسعود -رضي الله عنه- بصوته الندي، وأبي -رضي الله عنه- من يعلمه بالقراءات، وخالد رضي الله عنه بقيادته العسكرية... إلخ.
ولا يخفى ما أثبته العلم من اختلاف التوأم كما لا يخفى ما تثيره المقارنة بين الاثنين من مشاعر الغيرة والإحباط، ومن حسن الحظ أن الاتجاهات التربوية الحديثة في تقويم الأفراد تدعو إلى أن تقارن الأفراد بذواتهم لا بغيرهم. بمعنى أن أقارن أداء الفرد بأدائه السابق والحالي وما أستهدف الوصول إليه في المستقبل من مستوى الإتقان.
- لا تُقيِّم الإنسان بسلوكه الحالي:
من الفرضيات المهمة في الذكاء العاطفي والعلاقات الإنسانية تلك الفرضية الكائنة في علم البرمجة العصبية القائلة بأنه لا يصح أن نحكم على الإنسان من خلال سلوكه الحالي فقط، وإنما من خلال جميع سلوكياته السابقة في حياته، فقد تخطئ في الحكم على شخص بأنه عصبي لأننا رأيناه الآن عصبيًا، وحكمنا هذا خطأ لأن عصبيته الحالية قد يكون سببها عارضًا مؤقتًا لظروف يعيشها.
ذلك المبدأ نتعلمه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في موقفه من سيدنا حاطب بن أبي بلتعة، عندما أراد أن يخبر أهل مكة من المشركين بقدومه لحربهم مع امرأة مسافرة، ولما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- بذلك، وهو إفشاء سر عسكري، قال سيدنا عمر -رضي الله عنه-: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (رواه البخاري ومسلم).
- تجاوز عن إساءة غيرك:
تذكر دائمًا أنك تخطئ ولست مبرأ من العيوب ومن ثم فتقبل غيرك، وفي ذلك يقول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخًا لا تلمه
على شعث أي الرجال المهذب
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل