العنوان من الحياة: الأبناء وأسرار الآباء
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 20-يناير-2007
مشاهدات 87
نشر في العدد 1735
نشر في الصفحة 56
السبت 20-يناير-2007
قال لي أحد أصدقائي يومًا أبني يسألني كم راتبك يا أبي؟
أمن الصواب أن أجيبه أم أكتم؟
قرأت في تعبيرات وجه صديقي وعينيه أنه ينكر على ابنه أن يسأله مثل هذا السؤال، لأنه يرتبط بسر من أسرار الأب!!
إن كثيرًا من الآباء ليست لديهم القدرة على التمييز بين ما يجوز إعلانه وما يجب الإسرار به، كما أنهم لا يدركونا لأسرار التي من المفيد إعلانها.
والأسرار التي يجب كتمانها، وهذه من المهارات التربوية البالغة الأهمية التي ينبغي أن يمتلكها المربون والآباء، كما يجب أن يربوا الأولاد عليها.
والسياق يفرض مجموعة من الأسئلة ما المقصود بالسر؟ ولماذا نحفظ أسرارنا؟ ومتى تنفلت أسرارنا وتذاع؟ وما الذي يدفعنا إلى الإعلان عن أسرارنا؟ وعلى أي أساس نحدد فائدة إذاعة السر من ضرره؟ وهل يجوز أن نعلن بعض أسرارنا لأبنائنا؟
لعل من المفيد أن أجيب عن هذه الأسئلة، ثم أختم بإجابتي على سؤال صديقي؟
ما المقصود بالسر؟
السر ما يكتمه الإنسان في نفسه وهو خلاف الجهر والإعلان قال سبحانه ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (المُلۡكِ: ١٣) ويقول أيضًا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النَّحۡلِ: ١٩).
لماذا نحفظ أسرارنا؟
لكل إنسان منا خصوصياته وأسراره التي يحتفظ بها لنفسه مادامت لا تضر بالآخرين، ذلك لأن حفظ السر يحقق لصاحبه أو ما اؤتمن على هذا السر الأمن والاستقرار يقول صلى الله عليه وسلم : «استعينوا على الحاجات بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» ..
ومن الحكم العربية: «سرك من دمك، فأنظر أين تريقه» ...
ومن الأمثال العربية قولهم فيمن أؤتمن على سر وحفظه: «حفظ السر من صدق الوفاء»..
وفي ذلك أنشد الفرزدق:
لا يكتم السر إلا من له شرف *** والسر عند كرام الناس مكتوم
السر عندي في بيت له غلق *** ضلت مفاتيحه والباب مردوم
وفيمن كشف سره وسر الآخرين يقول فولتير: كشف المرء سره حماقة وكشف سر الآخرين خيانة ..
ويقول أبو الحسن الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين: كتمان الأسرار من أقوى أسباب النجاح وأدوم أحوال الصلاح.
متى تنفلت أسرارنا وتذاع؟
تنفلت الأسرار منا عندما يكون الاحتفاظ بها صعبًا، أو مؤلمًا للنفس أو عندما تقع علينا ضغوط لإذاعتها أيًا كانت هذه الضغوط، أو إذا كان كشفها فيه منافع.
على أي أساس نحدد إباحة السر أم كتمانه؟
إذا أضطر المرء إلى إذاعة سر، وكانت له إرادة اختيار شخص يسر إليه ببعض أسراره بهدف التخفيف عن النفس فلا بد أن يتم ذلك على أساسين اثنين:
الأساس الأول: أن ينظر المرء في هذا السر أيجوز شرعًا أن يفشيه أم لا؟ أنافع إفشاؤه أم ضار؟ فإذا كان إفشاؤه جائزا ونافعًا ولا يضر فعل وإلا كتم سره، ومثال ما لا يجوز شرعًا إفشاؤه وفيه ضرر:
أن يحكي الرجل عما يحدث في غرفة نومه بينه وبين زوجته فهذا لا يجوز شرعًا أن تبوح به لأي شخص آخر كما أن إذاعته تضر ولا تنفع.
والأساس الثاني: هو حسن اختيار الشخص الذي نبوح له بأسرارنا ويشترط فيه أن يكون أمينًا على السر كتومًا، وأن يكون حكيمًا، وأن تكون في إخباره السر فائدة كأن يكون متخصصًا في المجال كالطبيب النفسي مثًلًا أو المستشار التربوي أو المفتي.
هكذا يرى الأدباء والعلماء والتربويون، فمنهم من رأى أن السر إذا خرج من صاحبه ظهر، ولم يصبح سرًا ومن هؤلاء عبيد الله بن عبد الله، إذ يقول:
وسرك ما استودعته وكتمته *** وليس بسر حين يفشو ويظهر
ومن العلماء من رأى أن المرء إذا ضاق صدره بسر وأراد أن يفضفض لغيره فيجب أن يختار شخصًا واحدًا لا أكثر ليسر إليه ومن هؤلاء ابن حزم الأندلسي - رحمه الله - حيث يقول في المحلى: «كل سر جاوز إثنين شائع»
هل يجوز إعلان أسرارنا لأبنائنا؟
لعلك الآن تستطيع عزيزي القارئ. أن تجيب على هذا السؤال، فالأمر يرتبط بثلاثة أمور هي:
1- طبيعة السر.
۲- تحقق الفائدة أو الضرر من إعلانه.
٣- شخصية ابنك وقدرته على حفظ سرك.
فإذا سأل الابن أباه سؤالًا تقتضي الإجابة عنه إفشاء سر شديد الخصوصية كالعلاقة الخاصة بين أبيه وأمه أو إفشاء سر عسكري إذا كان أبوه يعمل بهذا المجال، أو إفشاء سر مؤسسة يعمل بها الأب لا يجوز إفشاؤه.. فهنالك يجب الكتمان والرد على الابن ردًا جميلًا وحكيمًا.
وأما عن شخصية الابن، فمن الأبناء من ليست لديهم القدرة على حفظ الأسرار وهؤلاء لا بد من إكسابهم القدرة على حفظ الأسرار، وتبصيرهم بخطورة إفشاء الأسرار. فإذا أمتلك الابن القدرة على حفظ الأسرار وكان إفشاء السر مفيدًا فلا بأس من إخبار الابن بذلك، فهناك أسرار يجب كتمها عن الأبناء، وهناك أسرار يجب كشفها للأبناء، ومن النوع الأخير مثلًا أن يعترف الأب بتقصيره في شيء ما بقصد أن يقتدي أولاده به في الاعتراف بالتقصير والاعتذار ومن ثم تصحيح المسار، فالهدف هنا تربوي ولعل ذلك من الأسباب التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسرار ببعض الأمور لسيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، ولعل هذا أيضًا ما دفع كعب بن مالك رضي الله عنه إلى رواية قصة تخلفه عن رسول الله ﷺ لابنه كي يربيه على أن الصدق ينجي.
والآن.. ماذا لو كنت مكان صديقي وسألك ابنك كم راتبك؟ هل تجيبه؟ وكيف؟
لو كنت مكان صديقي هذا لنظرت إلى سياق الحوار وطبيعة أبني فإن كانت معرفته ستؤدي إلى أن يسلك سلوك تبذير أو مباهاة رفاقه والفخر مثلًا أجبته إجابة دبلوماسية كأن أقول له الحمد لله على ستر الله، نحن في نعمة وإذا كانت معرفته ستؤدي إلى شكر الله على نعمه، وإلى ترطيب العواطف وتوطيد العلاقة بيني وبينه وإشعاره بصداقتي، أو اقتصاده في الإنفاق أو تحقيق هدف تربوي آخر لأجبته بدقة.
كثير من الآباء ليست لديهم القدرة على التمييز بين ما يجوز إعلانه وما يجب الإسرار به
المراجع:
(۱) ابن حزم المحلى بيروت، دار الآفاق.
(۲) ابن منظور، لسان العرب، القاهرة، دار المعارف، دون تاريخ.
(۳) أبو الحسن الماوردي: أدب الدنيا والدين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ۱۹۸۸م.
(4) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، بيروت، دار الفكر.
(٥) جاسم المطوع: الأسرار الزوجية في ضوء الكتاب والسنة والواقع- الكويت- دار اقرأ الدولية ٢٠٠٦م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل