; أيام في باريس | مجلة المجتمع

العنوان أيام في باريس

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2007

مشاهدات 77

نشر في العدد 1748

نشر في الصفحة 40

السبت 21-أبريل-2007

  • عدد الجيش الذي فتح مصر كان يمثل 9% من عدد سكان مصر.. بينما مسلمو فرنسا يمثلون ١٣% من سكانها.. ومع ذلك مازال إقبال الفرنسيين على الإسلام ضعيفاً

  • غياب القدوة وممارسات بعض المسلمين وعصبية الفرنسيين.. والخلفيات الاستعمارية تعرقل انتشار الإسلام هناك

  •  بناء المدارس الإسلامية وتربية الجيل الثالث على الفهم الصحيح للإسلام طريق نهضة المسلمين في الغرب

دعيت دعوة كريمة لإلقاء محاضرة في المؤتمر الحادي والعشرين لمسلمي فرنسا) الذي انعقد في باريس، في صفر عام ١٤٢٥هـ، الموافق أبريل عام ٢٠٠٤م. وللوهلة الأولى لفت نظري بعض الجوانب المهمة التي أبدأ بها رحلتي في فرنسا…

أولها: حسن الترتيب وجمال الضبط بالرغم من ضخامة المشاركين في المؤتمر. الذي ناهز عددهم ١٣٠ ألفاً، فضبط عدد كهذا يصعب عادة، لكن المشرفين من اتحاد مسلمي فرنسا جزاهم الله خيراً. قاموا على المؤتمر قياماً جيداً.. على رأسهم أ. الحاج التهامي ومعاونوه، حيث بذلوا جهداً مشكوراً لإنجاح المؤتمر.

ثانيها: حضور كوكبة من أهل العلم والفضل: فحضور الفضلاء والنبلاء مكمل للمؤتمر وحافز لحضور الناس، فقد حضر معالي الشيخ الشنقيطي، عبدالله بن بيه في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز وعضو المجلس الأوروبي للإفتاء، والشيخ فاروق البطل وهو المجاهد السوري المعروف والدكتور أحمد جاب الله الجزائري، مدير الكلية الأوروبية في باريس، والدكتور زهير شكر العراقي، مدير الكلية الأوروبية - فرع شاتو شينو، والدكتور عبدالله بصفر من السعودية، وحضر المؤتمر لفيف من الدعاة والفضلاء من أوروبا..

ثالثها: كانت معظم المحاضرات باللغة الفرنسية، ومعرض الكتاب جل كتبه كان بالفرنسية وهذه مشكلة حقيقية في فرنسا، إذ الجيل الثالث أصبح أكثره يجد صعوبة بالغة في فهم العربية، وهذه مصيبة أن ينسى الشباب لغة القرآن مما يؤثر في فهمهم للإسلام وحماستهم للعمل له... لكن أظن أن هذه المشكلة أكبر من طاقة جهة واحدة بل يجب أن يتضافر المسلمون هناك على حلها.

رابعها: مشاركة عدد كبير من الشباب والشابات كثير منهم ملتزم بدينه وبعضهم يبدو عليه عدم الالتزام... وكان للحضور الكثيف إيجابيات كثيرة

منها: إظهار عمق الوجود الإسلامي في فرنسا وإظهار تمسك كثير من الفتيات والنساء بحجابهن، وتعميق مفهوم الإسلام الوسطي المعتدل، وإرسال رسالة للسلطات الفرنسية بمضمون هذا، والمهم إظهار المسلمين وحدة واحدة.. وهذا من فضل الله على أهل تلك البلاد، حيث كانت أصول أغلب المشاركين في المؤتمر من المغرب العربي الكبير، وخاصة المغرب والجزائر وتونس، وهذا يجعل تفاهمهم مع بعضهم بعضاً أقوى وعملهم أمضى، وخلافاتهم أقل من غيرهم.

خامسها: كثرة المحاضرات اليومية بحيث يظل المتابع قرابة تسع ساعات يستمع للمحاضرات والكلمات. وفي هذا نوع من المشقة وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، فلو جعل الإخوة المحاضرات ثلاثاً في اليوم والليلة، والكلمات ثلاثاً أيضاً. لكفى، وكان أدعى إلى الفهم والتركيز ويمكن ملء الفراغ بالمسابقات ذوات الجوائز الآنية فهذا مما يحفز الجمهور. ولا ننسى أن هناك حفل سمر يومياً مدته قرابة ساعتين، ففي هذا كله كفاية.

سادسها: روح الأخوة بين العاملين والحاضرين، كانت ظاهرة في المؤتمر. فكانت تخفف ما يجده المرء من ألم البرد، وغطى دفء المشاعر على كل ما قد لحق المؤتمر من نقص أو سلبية، وهذا من فضل الله تعالى وتوفيقه.

سابعا: خوض غير المتخصصين في بعض القضايا الشرعية: وكان بعض

المحاضرين متحمساً جداً، وخاض في بعض القضايا الشرعية التي لم يكن مؤهلاً للخوض فيها، فزلت قدمه في بعض المواضع، لكنها قليلة بفضل الله وليته ترك الحديث فيها لعلماء الشريعة الذين كان المؤتمر قد تشرف باستضافة عدد منهم.

مسلمو الغرب وضرورة حسن عرض الإسلام

وقد ذكرت في محاضرتي أن عدد المسلمين في فرنسا (آنذاك) قرابة ستة ملايين، وهذا عدد ضخم بالنسبة لعدد السكان الفرنسيين وضيق مساحة فرنسا التي تقارب مساحة دارفور، وتقارب مساحة الربع الخالي من السعودية...ومع هذا الوجود الكبير للمسلمين إلا أن تأثيرهم ضعيف، وعملهم محدود، وعدد الفرنسيين الذين يعتنقون الإسلام قليل جداً نسبياً..

القدوة.. مفتاح القلوب للإسلام

وضربت لهم المثل بحادثة عظيمة وقعت في التاريخ، ألا وهي إسلام أهل مصر، فقد ذكر المؤرخون أنه ما إن انقضى القرن الأول من الهجرة إلا وتحول غالب أهل مصر إلى الإسلام، وقد دخل عمرو بن العاص - رضي الله عنه - فاتحاً مصر في السنة الخامسة عشرة من الهجرة، بقرابة أربعة عشر ألفاً من الفاتحين، وخرج من الجزيرة إلى مصر مثلهم تقريبا... فلو فرض أنه لم يرجع أحد، فهؤلاء تقريباً.

تسعة وعشرون ألفاً، وسكان مصر آنذاك قرابة ثلاثمائة ألف أي أن المسلمين كانوا قرابة ٩٪ فقط من عدد السكان.

فكيف تحول الناس إلى الإسلام هل بالسيف؟ أم بالإكراه؟

لم يذكر التاريخ حادثة واحدة أكره فيها أحد على دخول الإسلام، لكن تحول المصريون إلى الإسلام بسبب إعجابهم بأخلاق الفاتحين وعدلهم وجمال دينهم. وعظمة تشريعاته، ووضوح عقيدتهم.. فماذا صنع المسلمون في فرنسا وهم قرابة ١٣. وهم في رقعة ضيقة - أي أن أعين الفرنسيين لا تخطئهم في كل مكان؟

المؤسف أن النسبة الكبرى من السجناء في فرنسا، من المسلمين، كما أن أكثرهم ليسوا قدوة في سلوكهم وأخلاقهم وتدينهم. ومن هنا نفهم.. لماذا لم يسلم الفرنسيون كما أسلم المصريون؟

وهناك عوامل أخرى لقلة انتشار الإسلام بين الفرنسيين.. أهمها: روح العصبية السائدة فيهم والثارات الكبيرة التي بيننا وبينهم حيث كان الجنود الفرنسيون هم العدد الأكبر من جيوش الصليبيين، وقد استعمروا أكثر بلاد إفريقيا المسلمة وبلاد الشام في القرنين الماضيين.

لكن هذا كله لا يمنع من إحسان عرض الإسلام عليهم ومحاولة نشره فيهم، لكن أكثر مسلمي فرنسا مقصر في هذا الأمر.

خطوات على طريق التمكين

وفي الجملة ذكرتهم في المحاضرة بواجبهم وماذا ينبغي عليهم، ومن جهة أخرى ذكرت لهم أهمية بنائهم لمدارسهم الخاصة بهم، بعد أن فرضت فرنسا على المسلمين قانون عدم الحجاب الجائر، وأن من أولى الأولويات بناء مدارس إسلامية خاصة للبنات تحمي عليهن دينهن، وتمكنهن من طلب العلم بلا ضغوط، وأنهم ينبغي عليهم الامتناع عن الكماليات وعن كل ما يمكن لهم الاستغناء عنه حتى يجمعوا المال الكافي لبناء هذه المدارس على وجه السرعة.

الرابط المختصر :