العنوان الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض (6)
الكاتب إبراهيم غانم
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 66
السبت 07-يونيو-2003
الدعائم الفكرية والسياسية للنهضة
بالإضافة إلى تلك الأسس الروحية والمادية التي تقوم عليها النهضة، ثمة دعائم فكرية وأخرى سياسية لا بد منها للمضي قدمًا : في سبيل تحقيق النهضة المنشودة:
أ- فبالنسبة للدعائم الفكرية لا بد من تجديد البنية الفكرية السائدة لدى مسلمي هذا العصر ورفض الاستسلام للمفاهيم السائدة والشائعة عن العالم الإسلامي، والتي تكرس في النفوس معاني البأس والاستسلام لواقع الانحطاط، وتتهم العقلية الإسلامية بأنها متخلفة بطبيعتها، أو بسبب من العقيدة الإسلامية ورفضنا لتلك المفاهيم يعني أيضًا رفض القبول بفكرة فصل الدين عن الحياة العامة وتجريده من وظيفته الاجتماعية وحصره في النطاق الشخصي. ويمكن تحديد الدعائم الفكرية للنهضة كما يلي:
العقل ودوره كأداة للتفكير:
في هذا الصدد نجد أن آيات القرآن الكريم تتناول «العقل البشري» بالتبجيل والتكريم والحث على الجد والعمل في إدراك الحقائق ومن القرآن نعرف أن الإسلام اعتبر التفكر في المصنوعات الربانية والتبحر في أسرار الكون عبادة لا تعادلها عبادة، وأن القرآن ربط بين القلب المؤمن والعقل المفكر وآخى بين الدين والعلم، ووفق بين الإنسان والطبيعة وبين الفرد وبيئته(1).
وعلينا أن نحدد بوضوح حدود دور العقل، ووظيفته وإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليه، فالاتجاهات التغريبية في هذا السياق . بحكم تقليدها للغرب في تقاليده التي ترجع إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . تدعي أن العقل البشري لا يمكن أن تحده حدود، وأنه سيصل بمنطقه الذاتي إلى تحقيق أعلى درجات الرقى والتمدن، أما نحن فنرى أن من حق العقل أن يبحث ويتعمق وان يحاول إخضاع الأشياء لهيمنته وحكمه ولكن هذا العقل المفطور على البحث المشرق بنور الله لا يستطيع أن يتحرر مطلقًا من القيود المحيطة به، فهو مقيد بالبيئة ومقيد بالعاطفة وبالميول والأهواء وبالقصور الطبعي الذي هو صفة كل كائن قابل للرقي فاني له أن يجد الحرية المطلقة أو يتخلص من أعباء الظروف والحادثات؟» (2) .
وكذلك فإن علينا تحديد علاقة العقل بالشرع فالعقل - بحكم الحدود التي يعمل ضمنها - لابد أن يسلم للمشرع الكبير خالق الكون ومديره، وقد أوضح لنا ذلك الإمام محمد عبده في رؤيته لدور العقل وحدود وظيفته، حيث أكد «أن العقل الإنساني هو عماد العقيدة الإسلامية» (3) وقال: «إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهي إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني، وأما الوصول إلى كنه حقيقتها فحتمًا لا تبلغه قوته»(4).
العلم:
يقترن العلم بالقوة المادية كأساس من أسس النهضة، فكما تحتاج الأمة الناهضة إلى القوة تحتاج كذلك إلى العلم الذي يؤازر هذه القوة ويوجهها أفضل توجيه، ويمدها بما تحتاج إليه من مخترعات ومكتشفات والإسلام يجعل العلم فريضة كالقوة تمامًا، ولم يفرق القرآن بين علم الدنيا وعلم الدين بل أوصى بهما جميعًا، ومن المعروف أن العلم لا وطن له، ولكننا يجب ألا نفتقد الرؤية النقدية التي افتقدها دعاة التغريب في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فذاقت الريال ولا تزال، جراء أفكارهم وآرائهم التي أسهمت في تكريس تبعية الأمة للغرب واستلاب هويتها وإفقادها الثقة بذاتها.
إن طغيان موجة الدعوة لتقليد الغرب في كل شيء يجعلنا نؤكد ضرورة التمييز بين النافع والضار من تلك المدنية الحديثة، فأوروبا لم تضحك علينا إلا بأدوات الزينة والتخنث وآلات اللهو ووسائل الشهوات وشغلتنا عن مهام الأمور فها نحن لم نبرع في المخترعات كما برع البعض من بني جلدتنا في الرقص والتمثيل، ولم ننبغ في العلوم والمعارف نبوغ البعض الآخر في التهتك والخلاعة.
إن منهجية الاقتباس من العلم التطبيقي الغربي لا تمثل معضلة بالنسبة لنا، باعتبار أن هذه المنهجية دعامة من الدعائم الفكرية للنهضة. ولكن علينا أن نضعها في سياق احتياجات العصر وتطوراته ذلك لأننا نعتقد كما قال أحد المصلحين المعاصرين «إن لكل عصر وجهين: جميل وقبيح، ومن الغبن أن نترك جمال العصر (العلم العملي) لقبحه «التحلل والإلحاد والإباحية ... إلخ) ومن الخطأ أن نتهاون في قبحه لجماله، بل نقف موقف الناقد البصير الذي يأخذ الطيب وينفي الخبيث (5) .
(1 ) حسن البنا تفسير القرآن الكريم، مقال مجلة المنار الجزء السابع المجلد ٣٥ ربيع أول ١٣٥٩ أبريل ١٩٤٠م.
(2 )حسن البنا المعجزة الخالدة ظلمات ونور، جريدة الإخوان المسلمين ۱۱ شعبان ۱۳۵۵ - ۲۷ أكتوبر ١٩٣٦م.
(3 ) حسن البنا، تفسير القرآن الكريم مجلة المنار الجزء السادس المجلد السادس ٣٥ غرة رجب ١٣٥٨- أغسطس ۱۹۳۹م.
(4 ) المصدر السابق نفسه، حيث ينقل البنا العبارة المذكورة عن الإمام محمد عبده.
(5 ) حسن البنا حديث مع الأستاذ فريد وجدي حول ما نشرته عنه مجلة الحديث اللبنانية، مجلة الفتح – 3 ربيع الأول ١٣٤٨ – 8 أغسطس ۱۹۲۹م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل