العنوان الإسلام.. وحقوق الإنسان
الكاتب د. سعيد حارب
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 30-يونيو-1992
يتحدث العالم اليوم عن حقوق الإنسان
باعتبارها من أهم الواجبات التي يجب أن يلتزم بها البشر تجاه أنفسهم والآخرين،
ولذا يكثر الحديث عن هذا الأمر في المحافل الدولية، وتصدر القوانين والأنظمة التي
تحمي حقوق الإنسان، بل يتقرر مصير الأمم والشعوب من خلال التزامها أو عدم التزامها
بهذه الحقوق.
وفي زحمة المصائب التي ابتلي بها المسلمون
ينسون أنهم أهل حقوق الإنسان وروادها، ولئن طغى عليهم طاغ فأنساهم ذلك لفترة من
الزمن فإنهم يجب ألا ينسوا مبادئهم ومثلهم العليا، فهم الذين رسموا للعالم هذه
الحقوق وقرروها منذ أشرق نور الإسلام على هذه الأرض، وقرر أن الناس خلقوا لغاية
بها يقاسون وعليها يحاسبون فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56) إلا أن حكمته سبحانه اقتضت أن يحيا الناس
بكرامتهم الإنسانية مؤمنهم وكافرهم، لا فرق بينهم في الحق الإنساني، فقال تعالى ﴿وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم
مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70).
فجعل سبحانه التفضيل للإنسان على بقية
المخلوقات تميزًا له، وما ذلك إلا لأنه خلق لأسمى وظيفة على وجه الأرض وهي
العبودية لله سبحانه وتعالى، حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:12).
وإذا كانت القوانين الدولية تفخر اليوم
بأنها تقرر حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة وتصدر لذلك المواثيق الخاصة
كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في السادس عشر من ديسمبر عام ١٩٦٦م
وتتفاخر بأنها ضمنته ما نَصه: «يولد الناس أحرارًا متساوين في الحقوق»- إذا كانت
تفعل ذلك فإنها «تسرق» مبدأ قرره الإسلام وطبقه الخلفاء حين أعلن عمر بن الخطاب
-رضي الله عنه- ذلك بقوله «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».
وهو الذي قرر كذلك مبدأ القصاص من الوالي
إذا أخطأ في حق الإنسان ففي حجة له يجمع الناس ويقول لهم: «ألا إني إنما أبعث
عمالي ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم، ولا ليأخذوا
أموالكم، ألا من أتى إليه شيء من ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه».
وإذا كان العالم يتفاخر اليوم بأنه يقرر
حق الإنسان في حفظ نفسه وماله وعرضه وكرامته وحريته، فإن الإسلام قد سبقه إلى ذلك،
فقرر حق الإنسان في حفظ نفسه مسلمًا كان أو غير مسلم، فقال في المسلم: «كل المسلم
على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه» وقال في حق غير المسلم: «من ظلم معاهدًا أو
كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه» هكذا يوصي رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وقد أوصى
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عند موته فقال: «أوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفون فوق
طاقتهم».
ويفتخر العالم اليوم كذلك بأنه يقرر
الإنسان حق العمل وحق التعلم وحق الملكية، وكأن قوانينه تأتي بما لم يأت به
الأوائل، ولا يعلم كثير من الناس-بل بعض المسلمين- أن الإسلام قد قرر ذلك إذ يقول
سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر:9).
لكننا حين نقلب أنظارنا نجد أن أكثر من
يفقد حقوقه ويضطهد، نجدهم من المسلمين، فنظرة واحدة إلى المسلمين في أماكن كثيرة
كالفلبين وفلسطين وبورما والبوسنة والهرسك وغيرها تعطينا تصورًا واضحًا كيف تنتهك
حقوق من قدموا للبشرية نظامًا يحفظ الحقوق فكان جزاؤهم أن انتهكت حقوقهم وسلبت
حرياتهم وأُهينت كرامتهم، فهل هناك ظلم أكثر من هذا الظلم.
إن مصداقية النظام الدولي الجديد الذي
يزعم أنه يقوم على حفظ حقوق الإنسان، معلقة بمدى ما يحققه من حماية لهذه الحقوق
التي يبدو أنها صيغت لغير المسلمين، فهل يعتبر المسلمون ويسعون لأخذ حقوقهم
بأيديهم فـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).
(*) الأمين العام
المساعد لجامعة الإمارات.