العنوان هكذا تحارب الولايات المتحدة طموحات الدول النامية بالاستقلال السياسي والإنمائي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1979
مشاهدات 64
نشر في العدد 446
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 22-مايو-1979
- واشنطن تعارض خطط الباكستان بالحصول على المفاعلات النووية، وتشجع الهند على ذلك
- الدول النامية تبحث عن حل لأزمة الطاقة باللجوء للتكنولوجيا النووية من أجل الاكتفاء الذاتي
تملكت الحيرة كثيرًا من الناس بسبب خبرين متناقضين من واشنطن، فمنذ ثلاثة أسابيع وافقت الولايات المتحدة على شحنة ثانية تزن (١٦.٨) طنًا من اليورانيوم المثري للمفاعل النووي الهندي في تارابور، وفي العام الماضي أيضًا مارس الرئيس كارتر حقًا خاصًا كرئيس للولايات المتحدة، ونقض توصيات اللجنة التنظيمية النووية، وأمر بشحن كمية مشابهة من الوقود النووي إلى الهند.
وتم هذا كله رغم أن الهند التي نقضت نظام عدم انتشار الأسلحة النووية بتفجيرها قنبلة نووية منذ خمس سنوات رفضت بعناد فتح مفاعلها الذري وكافة التسهيلات المتعلقة به أمام أي تفتيش دولي بهذا الشأن.
الخبر المثير الثاني الذي أعلن في واشنطن قبل أيام هو قرار الولايات المتحدة قطع معونات التنمية البالغ قيمتها ٤٠ مليون دولار عن باكستان، مدعية أنها تصنع مفاعلًا ذريًا يمكنها بمرور الزمن من الحصول على أسلحة نووية، وبذلك تصبح باكستان هي الضحية الأولى لما يسمى «بتعديل سيمنغتون» الذي أقره الكونغرس الأمريكي.
ولا يملك الإنسان نفسه من الدهشة؛ بسبب المقاييس المزدوجة التي تستخدمها واشنطن للسعي نحو تحسين علاقاتها مع دولة تنتهك علانية حظر إنتاج الأسلحة النووية من ناحية، وتمنع المساعدة الاقتصادية عن دولة لمجرد الشك في قدراتها بالمستقبل من ناحية أخرى، وهذه الدولة التي تحرمها الولايات المتحدة من المعونات الاقتصادية لا تمتلك حتى الوسائل التكنولوجية والاقتصادية التي تمكنها من التورط في لعبة الأسلحة النووية.
وثبت -كما قال متحدث باسم الخارجية الباكستانية- أن قرار الولايات المتحدة ليس سوى عمل من أعمال التمييز ضد باكستان.
وهذا راجع إلى موقف الولايات المتحدة من الدول الأخرى التي لجأت إما إلى امتلاك الأسلحة النووية، أو أصبحت لديها القدرة على صنع الأسلحة النووية، ورفضت تطبيق إجراءات الأمن الدولية على مفاعلاتها ووقودها النووي، وعلى الرغم من أن هذه التفاعلات النووية تقوم بعملية إعادة إنتاج البلوتونيوم وإثراء اليورانيوم، فإن هذه الدول تلقى مساعدات وأسلحة من الولايات المتحدة، وهذا لا يدل -كما قال المتحدث- على سياسة عادلة من جانب أمريكا.
وقد اتحد الزعماء السياسيون في الباكستان إزاء هذه القضية، واتخذوا إجراءات استثنائية قوية في وجه المحاولات التي تهدف إلى حرمان باكستان من أحدث الوسائل التكنولوجية التي تعتبرها ضرورية للتنمية الداخلية، وأوضحوا أنه لا يمكن قبول ما يمس سيادة باكستان، ولا يمكن التنازل عن البرنامج النووي السلمي تحت أية ضغوط اقتصادية أو سياسية خارجية، كما أيدت الصحافة الوطنية البرنامج النووي الذي وضعته الحكومة الباكستانية، وحثت الأمة على مواجهة قطع المعونات الاقتصادية بشجاعة وطنية وبوسائل بديلة لمواجهة هذا الموقف، وهكذا فإن البرنامج النووي الباكستاني والحصول على التكنولوجيا المتعلقة به أصبحت مسألة إجماع شعبي، ولن تتنازل الحكومة عن أي شيء يتعلق بهذه القضية الأساسية؛ لأن الأمة الباكستانية برمتها وراءه.
وفي هذه الظروف ستؤدي أية ضغوط خارجية على باكستان إلى نتائج عكسية، تزيد من إصرار الأمة على الإسراع في تنفيذ برنامجها النووي.
وهذا الهجوم على باكستان ومنع المساعدات الاقتصادية عنها ليس له ما يبرره، وهذا يتضح من أن المفاعل النووي الباكستاني في كراتشي ومعهد الأبحاث النووي في بنستيتشي يخضعان لإجراءات الوقاية الدولية ضد أخطار التلوث النووي، ورغم هذا كله تتعرض باكستان لضغوط شديدة لعدم المضي قدمًا في هذا البرنامج، وعلى النقيض من ذلك نجد أن الهند لديها دورة كاملة من الوقود النووي، خالية من شروط الحماية والأمان، كما رفضت إخضاع مفاعلاتها النووية والتسهيلات الأخرى المتعلقة بها كمفاعل إنتاج البلوتونيوم، ومجمع تصنيع الوقود، ومعمل إنتاج اليورانيوم، ومعمل إنتاج الماء الثقيل لشروط الحماية والأمان، ومن العجيب أن الهند لا تتعرض لمثل هذه الضغوط حتى تصبح مفاعلاتها النووية تحت الرقابة والإشراف الدوليين، بالرغم من أنها تكدس كميات كبيرة من البلوتونيوم الذي يكفي لصناعة الأسلحة النووية.
وبدأت الضغوط ضد باكستان عام (١٩٧٦م) عقب الإعلان عن بناء مفاعل نووي، واتهمتها بعض الدوائر بأنها تريد فصل البلوتونيوم عن وقود المفاعل للاستخدامات غير السلمية، وجاءت التحذيرات والتهديدات بمنع المساعدات المالية والاقتصادية والعسكرية عن باكستان إن هي استمرت في برنامجها النووي، كما دعيت فرنسا إلى وقف تقديم المعدات والمواد اللازمة لهذا المشروع، وبعد أن تأكدت هذه الدوائر من أن عزيمة باكستان لم تضعف في سبيل الحصول على التكنولوجيا الضرورية؛ لجأت إلى ترويج الإشاعات والادعاءات الكاذبة لإثارة الرأي العام العالمي ضد باكستان.
وتتركز هذه الادعاءات على أن باكستان تحاول الحصول سرًا على المعدات والمواد القابلة للانشطار للاستخدامات غير السلمية.
وأوضح متحدث باسم الخارجية الباكستانية أن عمليات البحث والتطوير فيما يتعلق بالنواحي المختلفة لدورة الوقود تجري في كثير من الدول، ولا يقل عدد الدول التي تقوم بمثل هذه الأبحاث عن (٢٥) دولة في العالم.
أما فيما يتعلق بمجال إثراء الوقود فإنه توجد حوالي (١٢) دولة على الأقل لديها هذه المقدرة، وهناك وسائل عدة مختلفة لصناعة اليورانيوم المثري، وتقوم عدة دول بإجراء البحوث والتطويرات اللازمة بهذا الشأن، وليس لدى باكستان القاعدة الصناعية التكنولوجية المطلوبة، ولا الأيدي العاملة العلمية الخبيرة للاستمرار في البرنامج النووي، وتطلب بعض الجهات الأجنبية من باكستان عدم الاهتمام بالأبحاث المعملية في المجالات الحساسة المتعلقة بدورة الوقود النووي، وهذا أمر غير مقبول كليةً؛ لأن الحكومة الباكستانية تدرك أنه على المدى الطويل لا بد من توفر عنصر الاعتماد على الذات في مختلف مجالات التكنولوجيا النووية بما في ذلك دورة الوقود النووي.
وجدير بالذكر الإشارة إلى السبب الذي من أجله تتمسك باكستان بالتكنولوجية النووية، الذي يعتبر المفاعل النووي جزءًا منها، فباكستان من أفقر الدول في العالم فيما يتعلق بالوقود الطبيعي.
فاحتياطي الوقود العام لمصادر الطاقة بما في ذلك النفط، والفحم، والغاز أقل من (١٥) طنًا للفرد الواحد، وهو يساوي نفس المقدار من الطاقة الذي يستهلكه الفرد الأمريكي في السنة الواحدة.
وتضطر باكستان إلى استيراد (٨٧) بالمائة من احتياجاتها البترولية من الخارج لتشغيل وسائل المواصلات والمصانع، وتبلغ قيمة فاتورة النفط المستورد أكثر من (٤٥٠) مليون دولار؛ أي ما يمثل (٤٠) بالمائة من مكاسب باكستان من العملة الأجنبية، ومع الزيادة الأخيرة في أسعار النفط فإنه من المتوقع أن تنفق باكستان على واردات النفط أكثر من (٥٥٠) مليون دولار؛ أي حوالي (٤٥) بالمائة من مكاسب باكستان من العملات الأجنبية.
ولا يستطيع الاقتصاد الباكستاني تحمل العبء الزائد للواردات النفطية باهظة الثمن واللازمة لتوليد الطاقة.
وتعقد باكستان أملها على أعمال الكشف عن النفط في أراضيها؛ حتى يمكن أن تحقق الاعتماد الذاتي، وتوفير العملات الأجنبية التي قد تصل إلى مليار دولار سنويًا قبل عام (١٩٨٥م) عندما يتضاعف الطلب المحلي على النفط، وتزداد الأسعار.
ولو حققت باكستان فائضًا نفطيًا، وتمكنت من بيعه في الأسواق العالمية فإن العائد من ذلك سيكون أكبر بكثير من تكاليف توليد الكهرباء بالطاقة النووية، وهذا هو السبب في أن الدول المنتجة للنفط، مثل: إيران، والمكسيك بدأتا تنفيذ برامج نووية؛ لأن ذلك يقوم على أسباب اقتصادية سليمة، وستبلغ احتياجات باكستان من الكهرباء قبل نهاية هذا القرن حوالي (٢٧) ألف ميغاوات، وأقل من نصف هذه الكمية يمكن إنتاجه بالطاقة المائية، والنفطية، والغازية معًا في نفس الوقت، ولم يعد هناك أي بديل آخر أمام باكستان سوى الطاقة النووية.
والمفاعل النووي وأعمال الأبحاث الذرية جزء لا يتجزأ من البرنامج النووي السلمي الباكستاني، وكل ذلك يهدف إلى الحصول على الوقود النووي في المستقبل؛ حتى لا يكون هناك اعتماد كامل على الطاقة المستوردة من الخارج.
ومع تطلع باكستان إلى المستقبل أدرك المسؤولون أن هناك مفاعلًا نوويًا جديدًا (المغزى)، يتم تطويره الآن، ومن شأنه حرق البلوتونيوم، وإنتاج بلوتونيوم آخر أكثر من الذي حرقه كوقود؛ وذلك بتحويل اليورانيوم إلى بلوتونيوم، وقامت الهند فعلًا ببناء هذا "المغزى" في مدارس لتطويره في المستقبل، وعلى باكستان أن تأخذ ذلك في الاعتبار لتوفير الطاقة النووية السلمية، وعدم الاعتماد على أي مصدر خارجي.
ومع زيادة عدد السكان وقلة احتياطي الوقود والأزمة المستحكمة المتعلقة بالعملات الصعبة نجد أن باكستان من أكثر الدول تضررًا من زيادة أسعار النفط، وقليل من الدول هي التي تعاني من أزمة نفطية مثلما تعاني باكستان.
ويحاول معارضو البرنامج النووي الباكستاني الاستناد إلى الوجهة الأخلاقية في حظر انتشار الأسلحة النووية، ويقولون إن الولايات المتحدة ملتزمة بمنع هذا الانتشار وقطع المعونات الاقتصادية عن الدولة التي تحاول الحصول على تكنولوجيا نووية حساسة للاستخدامات غير السلمية، وإذا كان ذلك صحيحًا فلماذا تتلقى إسرائيل (التي أنشأت لها مفاعلًا نوويًا منذ عشرة أعوام على الأقل دون أن ترتبط بالتفتيش الدولي على هذا المفاعل) مساعدات اقتصادية وفنية وعسكرية ضخمة من نفس هذه الدوائر؟ كما أن جنوب أفريقيا مثال آخر على ذلك؛ حيث إنها هي الأخرى تمتلك مفاعلًا ذريًا لا يخضع للرقابة، وأفادت بعض التقارير من الاتحاد السوفياتي وفرنسا أن جنوب أفريقيا تستعد لتفجير قنبلتها النووية.
وبالنسبة للهند المجاورة فإن التقارير تشير إلى حصولها على مساعدات هائلة لبرنامجها النووي من عدة مصادر، مثل: كندا، والولايات المتحدة نفسها.
وأفادت الاعترافات أمام لجنة الكونغرس الأمريكي أن حوالي (١١٠٠) هندي تدربوا في الولايات المتحدة على كافة التسهيلات، كما صدرت الولايات المتحدة (٢١) طنًا من الماء الثقيل إلى المفاعل الكندي بالهند، الذي يعتبر مسؤولًا عن تفجير عام (١٩٧٤م).
ولا يزال هذا المفاعل ينتج البلوتونيوم غير المعرض للحماية أو الإشراف اللازمين، كما صدرت الولايات المتحدة للهند تكنولوجيا الماء الثقيل التي ساعدتها على تطوير قدرتها الخاصة على إنتاج مائها الثقيل.
هكذا نجد أن الكثير يقال ويعمل باسم حظر انتشار الأسلحة النووية، بيد أن موقف باكستان يتلخص في القول بأن امتلاك الأسلحة النووية لا يؤكد أمن الدول النامية، كما أن حظر انتشار الأسلحة النووية مشكلة سياسية، وأية محاولة لحلها بمنع التكنولوجيا عن الدول النامية، وإلغاء الاتفاقيات، ووقف المساعدات الاقتصادية لن تكون لها سوى آثار عكسية.
وطالما ذكرت باكستان أنها في حاجة إلى حل سياسي لانتشار الأسلحة النووية في المنطقة، وفي هذا الإطار اقترحت باكستان عام (١٩٧٢م) خلق منطقة خالية من الأسلحة النووية في جنوب آسيا، وأعلنت باكستان عن هذه السياسة، وعرضتها على الأمم المتحدة، ففازت بأغلبية مطلقة.
وإذا كانت الدول الصناعية المتقدمة تشعر بالقلق إزاء تفاقم أزمة الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، فإن الدول النامية التي تتأثر بالأزمة النفطية بصورة أشد لديها المبرر القوي لاستغلال الطاقة الذرية لتوليد الطاقة العادية، وأية محاولة لمنع التكنولوجيا عن الدول النامية، ومنع المساعدات الاقتصادية عنها لن يكون لها سوى نتائج عكسية.
نقلًا عن جريدة السياسة.