العنوان موقف الإسلام من النشاط التنصيري
الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1987
مشاهدات 73
نشر في العدد 807
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-مارس-1987
- من أوجب الواجبات على المسلمين
أفرادًا وهيئات، شعوبًا وحكومات أن يمنعوا التنصير في بلادهم منعًا باتًا.
هناك فرق كبير في الإسلام بين نوعين من النشاط الديني للمسيحيين:
1- فالمسيحيون المسالمون الذين لا يفتنون المسلمين عن دينهم، أي لا يقومون بالنشاط التنصيري بين المسلمين ولا يقاتلونهم في دينهم، ولا يخرجونهم من ديارهم، ولا يظاهرون على إخراجهم، أي لا يعينون أعداءهم على إخراجهم- هؤلاء المسيحيون يجب أن يعاملهم المسلمون بالقسط والبر؛ أي بالتزام العدل معهم، والبر بهم عملًا بقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨).
فإذا كانوا يقيمون مع المسلمين في ظل الدولة الإسلامية فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا، إلا ما يخص الدين؛ فقد أمرنا أن نتركهم وما يدينون، فلا يكرهون على الإسلام، عملًا بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
ومعنى هذا أن الإسلام قد كفل لهم -في ظل دولته- حرية العقيدة، وممارسة العبادة كما ضمن لهم حماية حياتهم وأموالهم وأعراضهم، وكل حقوقهم الإنسانية.
وقد اعترف بعض المنصفين من المؤرخين المسيحيين أنفسهم بتسامح الإسلام مع أهل الكتاب (أي اليهود والنصارى)، وأنهم لم يكرهوا على الإسلام، وإنما اعتنقه من اعتنقه منهم عن حرية كاملة، وقد نعم أقباط مصر ونصارى الشام في ظل الإسلام بحرية دينية لم ينعموا بمثلها في ظل الحكم الروماني، وبقي كثير منهم على دينهم حتى الآن بفضل تسامح الإسلام، أما في إسبانيا (الأندلس) فقد رحب اليهود بالحكم الإسلامي؛ لأنه خلصهم مما حل بهم من المظالم على أيدي المسيحيين الكاثوليك قبل الفتح الإسلامي(1).
وقد أوجب الإسلام على كل مسلم أن يتجنب كل ما فيه أذى لهم، أو إضرار بهم، أو إساءة إليهم، وقال رسولنا -صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذميًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» (الطبراني)، وقال -عليه الصلاة والسلام: «من ظلم معاهدًا، أو انتقص حقه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة» (أبو داود)، فهل هناك معاملة أکرم وأنبل من هذه المعاملة؟
2- أما النشاط التنصيري فيحرم الإسلام ممارسته بين المسلمين تحريمًا قاطعًا، لأنه- بلا شك- محاولة متعمدة لردة المسلمين عن دينهم، وكما أن الردة كفر فكذلك كل ما يؤدي إليها، أو يغري بها، أو يشجع عليها، وكما حرمت الردة، فكذلك يحرم كل ما يؤدي إليها؛ لأن ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وكما أن هدفهم -وهو الردة- هدف خبيث، فكذلك وسائلهم إليه كلها وسائل خبيثة، فهم ينصبون حبائلهم لأنواع معينة من المسلمين، وهم غالبًا الأطفال، والفقراء، والمرضى، والجهلاء؛ أي إنهم يستغلون الإنسان المسلم وهو في حالة الضعف والعجز، وهو في سن الطفولة أو في وقت الشدة، وتحت ضغط الحاجة، وهو يعاني آلام المرض، أو مذلة الفقر، أو ظلام الجهل، وكل هذا يعني بوضوح أنه واقع تحت الإكراه.
وقد ورد في المادة الحادية عشرة من وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام، الصادرة عن المؤتمر الإسلامي- أنه:
«لما كان على الإنسان أن يتبع الإسلام دين الفطرة، فإنه لا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه عليه ليترك دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد، كما لا يجوز استغلال فقره أو ضعفه أو جهله لتغيير دینه»(2).
والواقع أن المعركة بين المنصرين وهؤلاء المسلمين ليست معركة متكافئة بین أنداد متساوين، وإنما هي عملية يمتزج فيها -من جانب المنصرين- الإكراه بالخداع، فهم يتظاهرون بالرحمة والإنسانية، وهم في الحقيقة يتصيدون ضحاياهم من المسلمين، فيقدمون لهم -وقد وقعوا في شباكهم- بضاعة مزجاة، وعقيدة محرفة، وديانة وثنية، يقدمونها لمن لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ودينهم؛ لأنهم سلبوا مسبقًا كل وسائل الدفاع، بل وسلبوا حرية الاختيار فهم إذن مُكرهون مستضعفون.
وقد حرم الله الإكراه فقال -تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة: 256) وأمرنا العزيز الحكيم بالقتال الحماية المستضعفين فقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: ٧٥).
واجبات المسلمين
ومن ثم فأوجب الواجبات على المسلمين أفرادًا وهيئات، شعوبًا وحكومات أن يمنعوا التنصير في بلادهم منعًا باتًا، ويحرموه -كما حرمه الله- تحريمًا قاطعًا، وأن يحبطوا كل مؤامرات المنصرين لردة المسلمين عن دينهم.
وعلى العلماء والدعاة المسلمين فريضة تفنيد الباطل، والتبيين للحق، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجدال أهل الكتاب بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم.
وعلى أغنياء المسلمين وحكوماتهم فريضة الإنفاق لإنشاء المدارس الإسلامية لأبنائهم وبناتهم، وبناء المستشفيات لمرضاهم، وألا يتركوا بينهم فقيرًا ولا جاهلًا.
وعلى المسلمين جميعًا أن يمتنعوا عن التعاون مع المنصرين أو موالاتهم بأي شكل من الأشكال، وفي أي ظرف من الظروف.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 9).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51).
ونكرر أن النشاطات التنصيرية بمختلف أنواعها (ومنها المؤتمرات) ما هي إلا حلقات متشابكة في سلسلة المؤامرة الصليبية اليهودية على الإسلام والمسلمين، وبخاصة تحت ستار: «التقارب بين الأديان». والله -تعالى- يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
______________
(1) راجع توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام (الترجمة العربية) ص ٦٥، ۱۱٦- ۱۱۷.
(2) د. إحسان هندي: مشروع اللائحة الأساسية لحقوق الإنسان في الإسلام- الشرق الأوسط 6/1/1987 ص 6.
- من أوجب الواجبات على المسلمين
أفرادًا وهيئات، شعوبًا وحكومات أن يمنعوا التنصير في بلادهم منعًا باتًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل