العنوان الإسلاميون.. والاحتياجات الثلاثة: الحريات.. الحقوق.. التعايش
الكاتب د. عامر البو سلامة
تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2016
مشاهدات 76
نشر في العدد 2091
نشر في الصفحة 58
الجمعة 01-يناير-2016
أمامنا مجموعة من الاحتياجات التي يفرضها علينا الواقع بقوة، تحتاج منا إلى تأصيل وتفعيل وبرامج عمل، ولا يصح أن يزايد علينا فيها أحد، بل نحن المسلمين أهلها الغيارى، وأصحابها الحقيقيون، بفقه صحيح، ونظر سديد، وعلى رأس هذه الاحتياجات، وفي مقدمتها ثلاثة في عالم السياسة الشرعية:
الأول: تأكيد قيمة الحريات ومقاومة الاستبداد:
الحرية بمفهومها الحضاري المسؤول مطلب شرعي، وضرورة حياتية، وقضية فطرية، ولازم إنساني، ودليل على شهود فاعل، وبرهان على تفتح المواهب، وبناء الحياة على قيم الرشد، وصناعة الأمة على سلم الرقي الذي من خلاله ننال المجد، فلا يجوز حبس حرية الإنسان بأي طريقة من طرق الحبس، ولا يجوز العدوان عليه في هذا الجانب؛ لأنه طريق دمار، وسبيل تراجع وتخلف.
من هنا كانت صيحة أمير المؤمنين مدوية، سطرت بصحائف من نور، وتستحق أن تكتب على صدر الدنيا في ديوان فكرها وسياستها وحقوقها وإنسانيتها: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
ولقد ابتليت هذه الأمة ببعض المستبدين الذين ساموا الأمة سوء العذاب، وأذاقوها مرّ الحياة، وسلبوا كرامتها، ودمروا شبابها وشيوخها، لم يسلم منهم طفل، ولا نجت منهم امرأة، فكممت الأفواه، وحبست الأنفاس، وامتلأت السجون بالأحرار من العلماء والقادة والمفكرين، والشعراء والأدباء والمصلحين، فأظلمت الحياة، والأنكى من هذا كله أنهم يرفعون شعار الحرية!
فالاستبداد وغياب الحرية في أي بلد دليل سوء، وعلامة خطر، وعنوان ضياع، وبرهان أكيد على شيوع الظلم الذي هو رأس المصائب، وغياب العدل الذي هو أس الخير وأصله.
من منطلق هذه المقدمة، يجب أن يكون الإسلاميون أكثر الناس حرصاً على الحرية المسؤولة، ويجب أن تتصدر أدبياتهم، وتكون محور تحالفاتهم، وأساس حراكهم المجتمعي، ومقرراً من مقرراتهم السياسية، الحرية تعني كل شيء في حياة أي عمل، وقاعدة العلماء المشهورة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
وإني لأعجب من بعض الإسلاميين الذين يخافون من شعار الحرية، ويترددون في اعتماده، لمحذورات تزول بقولنا: الحرية المسؤولة، ونقول لهؤلاء الأحبة: الحرية من ركائز قيام المنهج وانتشاره، وحيث تكون الحرية يكون انتشار الدعوة، ونجاح الإسلاميين، وفي المجالات كافة، لهذا فالأعداء سلطوا علينا الطواغيت، ونشروا الاستبداد.
الثاني: حقوق الإنسان:
تعاليم الإسلام أعظم داعية لحقوق الإنسان بمفهومها الصحيح، والبعد الإنساني في شريعة الإسلام واضح وجلي، ولا يوجد قانون ولا دستور في هذه الدنيا حفظ حقوق الإنسان كما هي في كتاب الله تعالى، وصحيح سُنة نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ...) (النساء:58)، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب) (رواه مسلم).
ومن كتاب الله تعالى وسُنة نبيه عليه الصلاة والسلام استنبط العلماء هذه الثروة الفقهية العظيمة التي نفاخر بحضارتها عبر السنين وتطاول القرون، حتى صارت علماً على خير كثير اعترف به القاصي والداني.
ومارس المسلمون هذا الأمر بطرائق تؤشر على معنى هذا المفهوم (حقوق الإنسان) واقعاً على الأرض، وشاهداً على ظهور عادل منقطع النظير؛ تنظيراً وتوصيفاً، سلوكاً وعملاً.
والتاريخ المشرف للمسلمين في التطبيق العملي لبروز حقيقة هذه الحقوق دون تمييز، ولا عدوان، ولا تفاخر، ولا كبر، بل برحمة وعدل، وإنصاف واستقامة؛ هو الذي جعل للمسلمين ذلك المقام الراقي في نفوس غير المسلمين؛ مما دفعهم – وقد رأوا هذا ولمسوه واقعاً معلوماً معروفاً – أن يدخلوا في دين الله أفواجاً.
إخواني الدعاة، ويا أيها العاملون في الحقل الإسلامي، ويا أبناء الحركة الإسلامية في كل مكان، أنتم خير من يتكلم عن حقوق الإنسان، وأولى من يدافع عنها، فاصنعوا برامجكم في مجال حقوق الإنسان، ودافعوا عن المظلومين والمقهورين، وتلمسوا هموم الناس في هذا المجال، واجعلوها في سلم أولوياتكم، وبرامج خططكم، وساهموا في المؤسسات الحقوقية النظيفة، وكونوا سباقين في إنشاء مراكز حقوقية، ومجمعات تدافع عن حقوق الإنسان، ولا تتركوا هذه المساحة، لمن هبَّ ودبَّ، بل كونوا شركاء خير، وعناوين دفع بهذا السبيل، أنا أعلم أن هناك اهتماماً بهذا الجانب لدى كثير من الإسلاميين، وربما في بعض البلدان، كان الإسلاميون سباقين في هذا الميدان، وفي أقطار أخرى، ربما هم الوحيدون في الميدان، يدافعون عن الحقوق، لكن نريد من كل الدعاة، وفي كل مكان، أن تكون لكم الصدارة، فأنتم أجدر من يقوم بهذه المهمة النبيلة العظيمة.
ما عندنا من تأصيل شرعي في هذا الميدان يفوق ويفضل، على ما عند كثير من المتشدقين بحقوق الإنسان، وهذه الثروة التأصيلية، هي مفتاح الخير لما نريد.
فنادوا بها على المنابر وأنتم تخطبون، واشرحوها للناس وأنتم تحاضرون، واكتبوا عنها، وأسِّسوا المؤسسات التي تجعل الدفاع عن الحقوق منهجاً، رصداً وتوثيقاً، متابعة وتحقيقاً، تبنياً ودفاعاً، وزاحموا أمام الجهات الرسمية وأنتم تدافعون عن الإنسان المظلوم، علينا في هذه الأيام التي كثرت فيها المظالم أن نكون – يا إخوتي وشيوخي – في مقدمة الركب، وبهذا نحقق خيراً كثيراً، ونجني ثماراً يانعة.
وأقترح أن يكون في كل مكتب تنفيذي لجماعة إسلامية، أو رابطة من روابط العلماء وفي المقدمة منهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، شعبة لحقوق الإنسان لمتابعة هذا الأمر.
الثالث: ثقافة التعايش والسلم الاجتماعي:
يروق لبعض الناس الذين اعتادوا على خلط الأوراق، والاصطياد بالماء العكر، أن يصفوا الإسلام والمسلمين، والدعاة الإسلاميين، وأبناء الحركات الإسلامية، والذين يمارسون العمل الإسلامي، بأنهم ظلاميون، إقصائيون، تهميشيون، دعاة كراهية، ومثيرو أحقاد، ومهددون للسلم الاجتماعي، ومحاربون للأقليات، على اختلاف تكويناتها، وخطر على الحراك السياسي، وبطريقة فنية مذهلة، بواسطة آلة إعلامية استثنائية، وكتَّاب باعوا أقلامهم للشيطان، يعملون على إرعاب الأقليات من الإسلاميين، وبأنهم لو كانت لهم مكنة فسيذبحونكم، ويأخذون أموالكم، ويقلبون الدنيا فوق رؤوسكم، وستظلم الحياة في وجوهكم.
ويمكن مناقشة الفكرة، من خلال النقاط الآتية:
1- التنوع أمر قدري، من الله تبارك وتعالى، فالناس مختلفون، في ألوانهم وألسنتهم وقومياتهم وأفكارهم وأديانهم ومذاهبهم، وهي سُنة كونية من سنن الله تعالى. قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ) (هود)، ولا يفر من هذه الحقيقة إلا من تنازل عن عقله أمام الأدلة الناصعة، التي لا شبهة في ثبوتها.
2- وهناك حقيقة ثانية، تؤصل لهذا المعنى وتكمله، وهي أنه ليس من لازم التعايش ذوبان كل المكونات في بوتقة واحدة، فهذا لا يمكن، بل يتنافى مع فكرة التنوع القدري، من هنا كان المنهج الإلهي "لكم دينكم ولي دين"، وفي وثيقة المدينة "لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم".
3- (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات).
4- ولقد ضرب المسلمون أروع الأمثلة، في التاريخ القديم، والواقع المعاصر في تحقيق هذا القانون المتوازن، الذي أثبتت الوقائع الحياتية حضارة المسلمين في التعامل، ليس المسلم مع المسلم فقط، بل المسلم مع غير المسلم؛ (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة).
5- ومن ذلك عدم الإكراه في الدين "لا إكراه في الدين".
6- أعتقد أن من يتابع سيرة المفكرين الكبار، والعلماء الأعلام، من قادة الحركة الإسلامية المعاصرة، من أمثال الإمام البنا، والسباعي، والمودودي، والندوي، والنورسي، ومالك بن نبي، والصواف، وابن باديس، والعودة، والغنوشي، وأربكان.. وأضرابهم، سيزداد يقيناً بأن هذا التخويف كذب وزور، وبهتان وتضليل، وسيدرك البعد الحضاري لدى هؤلاء، من خلال قيم الحوار، واحترام مفهوم العيش المشترك، قولاً وعملاً.
7- لا بد للإسلاميين أن يكونوا حذرين، وتكون برامجهم واضحة جلية في مواجهة هذا التحدي الخطير.
– يعاجلنا بعضهم فيقول: لكن الغلاة (المتطرفين) في المكان الفلاني، فعلوا ما فعلوا بغير المسلمين، نقول لهم: هؤلاء لا يمثلون فقه الإسلام، ولا هم من أبناء الحركة الإسلامية المعروفة بوسطيتها، وفكرها المعتدل، فليسوا حجة على أحد؛ لأنهم يمثلون غلوهم وتطرفهم، الذي لم يسلم منه المسلمون، ولا سلمت الحركة الإسلامية منه.