العنوان بريطانيا التي رأيت.. بئس خلف لبئس سلف (الخاطرة الثانية)
الكاتب محمود عبد الرزاق
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-أبريل-1986
إن تفكك الأسرة
البريطانية وحب المنفعة الذاتية، والركض وراء اللذة والوصول إليها عن أي طريق
كانت، أصبحت كلها من ملازمات هذه الحضارة التي لا تنفك عنها. إن اهتمام الآباء
بأنفسهم دون النظر إلى أولادهم، وخاصة بعد سن السادسة عشرة (السن القانونية في
بريطانيا) وانشغال الأبناء بملذاتهم وشهواتهم، أدى إلى دمار بنيان الأسرة واجتثاث
أساسه، فلم يعد هناك محضن طبيعي للولد أو البنت، فكل منهما قد ترك البيت ليجد له
طريقًا في هذه الحياة.
وصاحبنا أسامة
شاب عربي غير ملتزم بدينه أو متمسك بتراثه، جاء إلى بريطانيا مبتعثًا في دورة
تدريبية فنية ليعود بعدها إلى بلده الذي أوفده. وصل صاحبنا إلى بريطانيا فوجد
المجال أمامه فسيحًا رحبًا يستقبل تطلعاته ويحقق ملذاته، فانغمس في اللهو والعبث
متنقلًا مع صويحباته بين علب الليل ونوادي اللهو والمنتزهات والحانة، ولكي يستفيد
صاحبنا آثر أن يسكن مع عائلة إنجليزية لتقوية لغته الإنجليزية وتحسينها ولفوائد
أخرى.
ومع الأيام،
صارت تتكشف له أمور ما كان يحسب لها حسابًا أو يلقي لها بالًا، أو بالأحرى ما كان
يتصور أن تقع في المجتمع الإنجليزي الراقي الذي يقابل الفرد فيه الآخر بالاحترام
والانحناءة والابتسامة، ويتخير أرق الكلمات وألطف العبارات، فإذا بالزوجة تنهر
زوجها وكأنه أجير عندها، وكلمة «سكر فمك» التي تصرخ بها في وجه زوجها من الكلمات
التي يتكرر سماعها كل أمسية على العشاء وفي السهرة، وإذا ما تأخر الزوج خارج البيت
كان سؤال الاستفهام عن تأخره: «بأي جهنم كنت؟» وهكذا.
وأما جانيت،
البالغة من العمر 17 عامًا، فإنها ترجع في ساعة متأخرة من الليل وخاصة ليلة السبت،
ولا يزيد سؤال أمها لها عن: «هل رجعتِ؟» فتجيب الفتاة: نعم رجعت، والويل كل الويل
إذا وجهت لها أمها استفهامًا أو عتابًا عن حبوب منع الحمل التي تأخذها بانتظام،
لأن هذا يعتبر من باب التدخل في الحرية الشخصية والحياة الخاصة التي لا يجوز لأحد
مساسها، وتحت هذا الشعار «حياة خاصة»، لم تبق من الموبقات واحدة لم تُرتكب، ولم
تُترك من الرذيلة خصلة لم تُقترف، ولكن في المجتمع الديمقراطي، الحرية الفردية
مصونة بحماية القانون، حتى لو أراد الأب أو الأم التدخل، فلا حق لهما، وإن أصرا
على ذلك، فقضبان المحكمة مفتوح لكي يصدر القاضي حكمه لصالح الفتاة غالبًا لأنها
فوق السن القانونية.
ويدخل صاحبنا
أسامة البيت ذات يوم ليرى «جانيت» تبكي بكاءً شديدًا، والأب يصرخ بغضب -وهذه ليست
من طبائع الإنجليز- المعروفين بالهدوء والبرودة. ويفاجأ أسامة بهذا الموقف، فيسأل
الفتاة: ماذا جرى؟ فتجهش البنت بالبكاء أكثر وتقول: هذا أبي يريد أن أدفع له خمسة
عشر جنيهًا في الأسبوع إيجارًا للغرفة التي أسكنها في هذا البيت، وإن دخلي لا
يمكنني من أن أدفع أكثر من عشرة جنيهات في الأسبوع، إلا أنه مصر على الخمسة عشر
جنيهًا، وإلا فإنه يهددني بالطرد من البيت!
بهت أسامة وهو
يسمع هذا الكلام من البنت، فاستدار إلى الأب وقال له بكل عفوية: «ولكنها ابنتك؟!»
فيجيب الأب: «وإن كانت ابنتي؟»، هنا يتسمر أسامة في مكانه، فلم يعد قادرًا أن ينطق
بكلمة واحدة، وبحركة لا شعورية توجه إلى غرفته فاستلقى على سريره مكدودًا من
الصدمة التي أصابته مما سمع ورأى، فأغمض عينيه يتذكر الأسرة الشرقية -المسلمة-
بتآلفها وتحاببها، ويتذكر عطف الأب على أولاده وكيف يؤثرهم على نفسه، ويتعب من أجل
راحتهم، ويسهر إذا مرضوا، ويقلق إذا أصابهم مكروه، وهو مستغرق في استرجاع هذه
الذكريات التي تمر بخاطره كأنها شريط سينمائي، فإذا بنداء الفطرة يناديه: يا
أسامة، إن الإسلام دين عظيم.
وفي «جلاسكو»
-مدينة في اسكتلندا- وأمام رصيف حافلة نقل الركاب، اصطف الناس في طابور واحد بكل
أدب وانتظام ينتظرون قدومها، وإذا بامرأة عجوز تقف أمام فتاة شابة، وتحين التفاتة
من العجوز إلى الوراء فتقع عيناها على الفتاة الشابة، فتسلم سلامًا حارًا يبدو منه
الصلة والقرابة، وفيه العاطفة الجياشة، واللهفة للتعرف على أحوالها وأخبارها التي
تأمل أن تكون حسنة، تسأل العجوز الفتاة: كم مضى عليك في «جلاسكو»؟ فتجيب الفتاة:
خمس سنوات، فتقول المرأة العجوز: ألا تعرفين أني أعيش في هذه المدينة؟ قالت
الفتاة: نعم، أعرف هذا، فقالت العجوز: ولم لا تزورينني؟ فأجابت الفتاة: المشاغل
كثيرة، والوقت ضيق، فلا توجد لدي الفرصة لزيارتك، ونظرت العجوز نظرة تحمل معها كل
معنى الألم والأسى والحزن العميق النابع من القلب، ثم قالت: أبعد هذه الأعوام كلها
تنسين أمك يا بنتاه؟
نعم، إنها أم
وابنتها، لا تعجب، إنه زرع الآباء يحصدونه علقمًا ومُرًا.
الحضارة الغربية
الخاوية من الروح ساهمت في تفكيك الأسرة فلم يعد الأب يرى ابنه ولم تعد الأم ترى
ابنتها.
أما زميلنا
الدكتور سليم، فقد اشترى بيتًا وبعد مرور أربع سنوات على شراء البيت وسكنه فيه،
فإذا به يستقبل مكالمة هاتفية في أحد الأيام، وكان على الطرف الآخر امرأة تتكلم،
فقالت: هل «جاك» موجود؟ فقال لها د. سليم: إن جاك قد ترك البيت منذ أربع سنوات،
وأنا اشتريته منه. فقالت: وأين ذهب؟ قال: لا أدري، ثم سألها: من أنتِ؟ فقالت: أنا
والدته، فجمد الدكتور سليم مكانه وذهل لهذا الموقف، قال: ألا تعرفين أنه غادر
البيت؟ قالت: لا، قال: ألم يخبرك أنه انتقل إلى مكان آخر؟ قالت: لا، فقال د. سليم:
آسف يا سيدة «ميلر» فإنني لا أعرف أين يسكن ابنك، إنها السيدة ميلر وابنها جاك،
وفي مدينة «ليستر» بوسط إنجلترا، تسكن امرأة عجوز بمفردها في بيت مستقل، وكانت
مغرمة بتربية القطط، فاتخذت لها نحوًا من عشر قطط تعطف عليها وتقدم لها أطايب
الطعام. وعلى عادة باعة الحليب في بريطانيا، فإنهم غالبًا ما يتركون زجاجات الحليب
على باب الدار كل صباح ليأخذها أصحابها، ويكفي أن تترك الزجاجات يومين أو ثلاثة
أيام من غير أن يأخذها أحد ليحكم بائع الحليب على صاحب البيت بأنه بعيد عن بيته أو
حدث له حادث، وكثيرًا ما يكون قد حدث له شيء، وهذا ما حدث لصاحبتنا العجوز في «ليستر»
فبعد عدة أيام من تجمع الزجاجات خارج البيت، اتصل بائع الحليب بالشرطة، فوجدوها
ميتة، وأن قططها العشرة قد أكلت أطرافها وأنفها وأذنيها، وإذا سرنا خطوة أخرى مع
هذا الحادث الغريب، اكتشفنا ما هو أغرب من حادثة الوفاة، فلقد اتصلت الشرطة بابنها
الذي يسكن في نفس الشارع الذي تسكن فيه أمه العجوز وحدها وعلى مسيرة بضع دقائق
فقط، ولما سألوه: منذ متى لم تشاهد أمك؟ فقال: منذ خمسة شهور فهذه لقطات من
أوضاعهم العائلية.
إذن، فلنتذكر
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الجنة تحت أقدام الأمهات» فنقول للبنت: اسمعيها،
ولنتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم» لنقول
للأم: اسمعيها.
وهكذا تبقى آيات
الإسلام حجة على البشرية، وعلى طول الزمان ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ
وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:53) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل