; مجلس التعاون الخليجي.. بين جمود الصيغة ومعضلة السياسة الخارجية | مجلة المجتمع

العنوان مجلس التعاون الخليجي.. بين جمود الصيغة ومعضلة السياسة الخارجية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 69

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

الظروف التي تحيط باجتماع القمة الخليجية في الدوحة هذا الأسبوع تؤكد استمرار الجمود في الصيغة التي بني عليها مجلس التعاون الخليجي وعدم قدرة دول المجلس حتى الآن على تطوير هذه الصيغة إلى مستوى يتجاوز الخلافات الطارئة بينها.

ومع أن المجلس أنجز بعض صور العمل الخليجي المشترك، وسن قوانين واتفاقات جماعية لتنظيم بعض المسائل الإدارية والاقتصادية، ونجحت بعض دوله في تصفية الخلافات الحدودية بينها، إلا أن هذا يعتبر تقدمًا محدودًا جدًا إذا قيس بعمر المجلس والذي زاد الآن على خمسة عشر عامًا.

هناك توقف شبه كامل في بعض أهم محاور التعاون بين الأعضاء، منها على سبيل المثال: التعاون في المجال الدفاعي، إذ لا تزال دول الخليج منصرفة إلى خطط دفاعية أحادية تتضمن اتفاقات عسكرية مع أطراف خارج نطاق المجلس، ولم ينجح المجلس حتى الآن في تطوير قوة درع الجزيرة خارج الحدود الرمزية، كذلك هناك غياب كامل للتنسيق فيما يتعلق بمشتريات السلاح وبرامج التدريب.

واقتصاديًا لم تخط دول المجلس خطوات حقيقية نحو تقديم نفسها إلى العالم ككتلة اقتصادية متماسكة ومشاريع الصناعة، وتسويق النفط، تخلق ظروفًا تنافسية وغير تكاملية بين الدول الأعضاء.

أما محور السياسة الخارجية فيمثل أكثر حلقات التعاون الخليجي ضعفًا، وبمرور الوقت تتباعد مواقف حكومات الخليج تجاه القضايا الإقليمية الهامة، وتكاد تصل بعض المواقف إلى التناقض الكامل، والذي يزيد من ضعف مجلس التعاون وقدرته على تقديم نفسه كحلف سياسي إيجابي في المنطقة.

ويمكن الإشارة إلى أبرز محاور السياسة الخارجية للخليج فيما يلي:

أولًا: محور العلاقات الداخلية بين الدول الأعضاء والتي لا تتحرك -في أحسن التقديرات- نحو الأفضل، إذ الخلاف المتصاعد الآن بين البحرين وقطر يلقي ظلالًا من الشك حول مدى فاعلية المجلس وقدرته على الاستمرار، ويمكن الجزم بأن الخسائر السياسية التاريخية من وراء استمرار هذه الخلافات تفوق بكثير أي مكاسب اقتصادية او جغرافية تهدف إليها أي حكومة خليجية من خلافاتها مع الجيران.

ثانيًا: محور العلاقات مع العراق، ذلك أن مواقف دول المجلس بدأت تظهر تبايناً متزايداً في تقييم النظام العراقي وقياس إمكانات عودة هذا النظام إلى المنظومة العربية.

ولدولة الكويت موقف مبدئي واستراتيجي واضح تجاه ذلك النظام، فهي تؤكد على خطورة النظام واستمرار النوايا العدوانية للطاغية العراقي تجاه دول مجلس التعاون، وتشدد على عدم قابلية هذا النظام للتأهيل بالنظر إلى استمرار مواقفه الإجرامية تجاه شعبه وتجاه شعوب المنطقة، ولاسيما الكويتيين الذين لا يزالون يجهلون مصير المئات من الأسرى والمفقودين في سجون العراق.

ومع أن العواصم الخليجية أعلنت رسميًا تمسكها بمطالبة العراق تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، إلا أن هناك الآن من يحاول إقناعها بتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة من وراء مد الجسور مع الطاغية صدام حسين بانتظار رفع الحظر الاقتصادي عن بغداد، وهناك أيضًا من القوى الدولية في المنطقة من يحاول تحريك مبادرات خليجية تجاه العراق تخدم المصالح الاستراتيجية لهذه القوى.

ثالثًا: محور العلاقات مع الكيان الصهيوني إذ في حين تتمسك ثلاث عواصم خليجية بمواقف أكثر صلابة تجاه دعوات التطبيع من الصهاينة نجد أن العواصم الأخرى تجاوزت الموقف الخليجي الرسمي وتورطت في اتصالات خطرة وغير مضمونة العواقب مع الكيان الصهيوني.

وتمثل أي علاقة إسرائيلية - خليجية خسارة إضافية للجانب الخليجي الذي لن تقدم له إسرائيل أي مكسب يستحق الاهتمام، بجانب أطماع إسرائيلية سوداء تجاه الخليج، وبالرغم من أن وصول بنيامين نتنياهو إلى الحكم خفف حمى التسابق العربي والخليجي تجاه الكيان الصهيوني، إلا أن الإدارة الأمريكية بدأت تتحرك الآن -وبإصرار إسرائيلي- نحو جعل الاتصالات الإسرائيلية- الخليجية وما يسمى بالتعاون الاقتصادي الشرق أوسطي موضوعاً منفصلاً عن مفاوضات التسوية.

وإلى جانب ما سبق هناك تنسيق ضعيف بين دول المجلس في محاور السياسة الخارجية الأخرى، فليس هناك اتفاق تام حول شكل الموقف الخليجي تجاه إيران، كذلك ليس هناك دور خليجي موحد داخل منظومة الجامعة العربية، ولم تنجح دول المجلس في تقديم نفسها إلى أوروبا وإلى الولايات المتحدة وروسيا كطرف تفاوضي متماسك.

لقد جاء الإعلان عن مجلس التعاون الخليجي عام ۱۹۸۱م قرارًا صائبًا استبق في موعده التاريخي مشروع أوروبا الموحدة والمشاريع التعاونية الأخرى في آسيا والأمريكتين، لكن المشاريع الأخرى تمضي الآن في خطوات متزايدة من النجاح وتتجاوز صعوبات ومشاكل اقتصادية وتاريخية كبيرة، في حين أن الخليج الذي نحقق له كل عناصر الوحدة والتماسك يتجه نحو الإخفاق في مشروعه الوحدوي الهام.

والعالم يتجه الآن أكثر وأكثر نحو صيغ التوحد والتعاون وتجاوز الاختلافات العرقية والثقافية من أجل المكاسب الأمنية والاقتصادية وسيأتي وقت لا تجد فيه الدول الصغيرة المنعزلة مكانًا لها وسط التنافس الاقتصادي في عالم تتناقص موارده وفرص الازدهار الاقتصادي فيه.

ونأمل من الله أن تلتفت القيادات الخليجية في اجتماعها السنوي الجديد إلى خطورة المشاكل التي تعيق عمل المجلس، وأن تسعى كل منها لتقديم ما يلزم من التنازلات اللازمة لتجاوز الخلافات لأن وحدة المجلس وتحقيق طموحات الشعب الخليجي مكسب يستحق التضحية في سبيله

الرابط المختصر :