; أبو جهل.. وفلسفته السياسية المتوارثة | مجلة المجتمع

العنوان أبو جهل.. وفلسفته السياسية المتوارثة

الكاتب عبدالله هادي القحطاني

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1563

نشر في الصفحة 40

السبت 09-أغسطس-2003

حين دمغت الأدلة الساطعة، لنبوة صلى الله عليه وسلم، عمرو بن هشام المخزومي، المدعو أبا الحكم، والذي سماه النبي «أبا جهل».... ولم يجد تهمة يلصقها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بارت سائر التهم التي جربتها قريش ساحر، كذاب، مجنون.. حينذاك لم يجد أبو جهل أمامه سوى الاعتراف بالسبب الحقيقي الذي يمنعه من الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم: «كنا نحن وبنو عبد مناف كفرسي رهان اطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا.. والآن يقولون: ظهر منا نبي، فمن أين نأتيهم بنبي، كلا والله.. لن نسلم لهم بهذا أبدًا»؟!. 

إذن هو الخوف على الزعامة والسيادة، ذلك الذي منع أبا جهل من الإقرار بنبوة محمد .. بل دفعه وعشيرته والمتنفذين من العشائر الأخرى إلى محاولة منعه صلى الله عليه وسلم من مجرد نشر دعوته بين الناس لا بين صفوف قريش فحسب.

وكان طلب محمد صلى الله عليه وسلم الأساسي منهم أن يتركوه يدعو الناس «خلوا بيني وبين الناس»، وهم يصرون على محاصرته بشتى السبل، منها قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) (فصلت: 26)، ومنها قولهم: ﴿هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 83).

فالسبب الحقيقي لدى أبي جهل وعشير وأضرابه في السعي لمنع الإسلام والمسلمين من حرية الحركة في مكة، هو سبب سياسي بالدرجة الأولى «الخوف من ضياع الزعامة والسيادة والهيمنة والنفوذ»...

فما السبب الذي يدفع أبناء اليوم، وأبناء حليفه عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق ورمزه التاريخي.. صاحب فلسفة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: 14)، ما الذي يدفعهم إلى محاصرة الإسلام ومنعه من حرية الحركة في بلا تدين أكثرية أهلها الساحقة بالإسلام مع التذكير بأن البنوة متعددة الوجوه، منها العقدي والفكري والخلقي، لماذا لا تسمح تلك الأنظمة الحاكمة في كثير من بلاد العرب والمسلمين «بقيام أحزاب سياسية على أساس إسلامي»؟

الأسباب التي تلوكها تلك الأنظمة صباح مساء قد بانت معروفة، منها:

«عدم الخلط بين الدين والسياسة» لماذا؟ لأن (خلط الدين بالسياسة يسيء إلى الدين، ويشوب نقاءه وصفاءه، وطهارته، وسموه) فينبغي أن يظل الدين بعيدًا عن السياسة، وبالتالي بعيدًا عن حياة الناس؛ لأن السياسة في حقيقتها كالماء والهواء والغذاء في المجتمعات الإنسانية، وهي في العصر الراهن متغلغلة في كل شيء في الماء والغذاء والدواء والمسكن والملبس والأرض والجو والبحر، وفي كل ما تلقفه الحواس البشرية الخمس من موجودات الحياة.

فإذا غاب الدين تظل السياسة محافظة على ما فيها من فساد ومكر وخبث وتآمر وجشع وحقد! أن تظل مستنقعًا آسنًا لا يطهره دين ولا خلق، وتظل المجتمعات البشرية، بناء عليه خاضعة لمعطيات السياسة، لا يطهرها الدين بطهارته، ولا يقيدها بتشريعاته وأحكامه الربانية السامية، ولا يصفيها بأخلاقه الرفيعة الكريمة، ومن أراد أن يظل صافيًا ظاهرًا نقيًّا من البشر، فعليه بدور العبادة يلزمها ولا يغادرها، «ويترك السياسة لأهلها»!.

هذه هي المعادلة: «لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين». وهذا ما تؤدي إليه في حياة الأفراد والمجتمعات.

وهذا هو السبب الأول الذي يطرحه «المتنورون» وهو مفهوم غربي أفرزته تفاعلات المجتمعات النصرانية الغربية، والصراعات بين الساسة ورجال الكنيسة. 

وما دام غربيًا فهو «تقدمي» بالضرورة، «رائد راق صالح» بحكم طبائع الأشياء، وإلا فما معنى أن يكون غربيًا؟ ومجرد الإعتراض على تطبيقه في بلادنا، معناه التخلف والهمجية والإنغلاق والتعصب والجهل والتأخر، والفساد، والضياع والتلاشي!.

أما الديمقراطية (الغربية) المواكبة لهذا المفهوم (الغربي)، فلا تناسب مجتمعاتنا، «لأن لكل بيئة خصوصياتها، وما يصلح لبلاد الغرب لا يصلح بالضرورة لبلادنا»!

فهل هذه العبقرية! نابعة من فلسفة (أبي جهل)، أم من فلسفة (عبد الله بن أبي بن سلول)، أم هي مزيج مبتكر مطور من الفلسفتين معًا؟!

والسبب الثاني الذي يطرحه مانعو الفكر الإسلامي من المشاركة في الحياة السياسية هو الخوف على «حقوق الأقليات غير المسلمة»؛ فطرح الفكر الإسلامي في العمل السياسي العام يؤثر على حقوق الأقليات غير المسلمة! صحيح أن الأكثرية الساحقة من الشعوب المسلمة تدين بالإسلام، وتؤمن بأحكامه وتشريعاته وأخلاقه وآدابه.. إلا أن هذا لا يعني البتة أنها يجب أو حتى يجوز أن تحكم بالشريعة الإسلامية والقوانين الإسلامية؛ لأن هذا يؤثر على مشاعر الأقليات غير المسلمة، وربما يؤثر على مصالحها دون النظر إلى حقيقة تعامل الإسلام مع الأقليات في نصوصه الواضحة، وفي تاريخه الناصع، وما لقيته الأقليات من رعاية في كنفه، لا تحلم بها حتى في البلاد التي تنتشر فيها عقائدها.

واستنادًا إلى هذا الخوف على مشاعر الأقليات الإسلامية في بلاد المسلمين ومصالحها، لا يجوز طرح الفكرة الإسلامية في المعترك السياسي، وبالتالي يجب منع الأحزاب من العمل بل لا يجوز أن يرخص لها بالعمل أساسًا، صحيح أن الأحزاب النصرانية في بلاد النصارى في الغرب يحق لها العمل بأسماء مختلفة (الحزب الديمقراطي المسيحي).. وصحيح أننا نستورد تقليعات الفكر السياسي الغربي بصورها المختلفة، إلا أن الأمر يختلف هنا في هذه القضية بالذات!

نصارى الغرب يحق لهم في بلادهم تشكيل أحزاب على أسس دينية، دون النظر إلى مشاعر الأقليات غير النصرانية في بلادهم، أما مسلمو الشرق فلا يجوز لهم ذلك؛ لأن مشاعر الأقليات غير المسلمة عندنا مرهقة جدًّا، بخلاف مشاعر المسلمين الذين يمنعون من تطبيق أحكام دينهم في بلادهم.. وكذلك لأن مصالح الأقليات غير المسلمة أهم من مصالح المسلمين الطامحين إلى تطبيق شريعتهم وقوانينها في حياتهم في بلادهم!

أما السبب الثالث الذي يعلنه بعض الحكام لمنع الأحزاب الإسلامية من النشاط في بلادها، فهو الخوف من أن تبادر الأقليات غير المسلمة إلى تشكيل أحزاب دينية خاصة بها. وهذا يؤدي إلى (زعزعة الوحدة الوطنية) وكأن هذه الأقليات ممنوعة أساسًا من التكتل وخوض الانتخابات النيابية بل كأنها ليس لها كوتا انتخابية في أكثر من بلد توجد في،ه وكأن هذه «الكوتا» لا تعطيها حجمًا في المجالس النيابية يكافئ حجمها البشري ويزيد عليه قليلاً!

والطريف أيضًا أن هذا الخوف من مبادرة الأقليات الدينية إلى تشكيل أحزاب تنافس الأحزاب الإسلامية لا يكافئه خوف من الأقليات العرقية المسلمة من أن تبادر إلى تشكيل أحزاب (عرقية) تنافس الأحزاب القومية العربية..! لماذا؟ لأن الأقليات العرقية المسلمة لا تدعمها دول غربية «أولاً». 

ولأنها تبقى مسلمة مهما اأختلفت أعراقها «ثانيًا».

ولأن مشاعرها ومصالحها غير محترمة من قبل حكام بلادها «ثالثًا»، بل لأنها مجموعة مسحوقة في بلادها كأكثرية المسلمين «رابعًا».

هذه هي أهم الأسباب التي يتذرع بها أولئك الحكام لمنع قيام أحزاب إسلامية في بلاد المسلمين.

وهي ذرائع! ظاهر كل ما فيها من «منطقية، ووجاهة»!

أما السبب الحقيقي والأقوى فهو ذلك الذي أشار إليه صراحة عمرو بن هشام أبو جهل، إنه الخوف من انتزاع السيادة، أي من انتزاع السلطة، وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين.

كيف؟ إن الأحزاب القومية العلمانية عامة لا رصيد لها في صفوف الشعوب المسلمة هي تعرف هذا، والشعوب تعرف هذا.

«وبالطبع إشارتنا إلى هذه الحقائق لا تعني أننا نهاجم هذه الأحزاب أو نود الغض من شأنها أو التقليل من أهميتها. فما هذا من شأننا هنا، ولسنا بصدده».

وبناء على ما تقدم، من ضعف رصيد الأحزاب القومية واليسارية لدى الشعوب يتصدى الحزب الحاكم، سواء أكان قوميًّا أم يساريًّا، أو حتى ليبراليًّا، لمنع الأحزاب الإسلامية التي يمكن أن تهدد سلطته في صناديق الاقتراع، متذرعًا بالحجج المذكورة آنفًا، وفي الوقت ذاته يسمح للأحزاب الأخرى (ليبرالية- قومية – يسارية) بالعمل السياسي؛ لأن الديمقراطية تقتضي ذلك، ولأنه إذا منع هذه الأحزاب من العمل السياسي سوف يتهم بالاستبداد والدكتاتورية والتسلط وقمع

الرأي الآخر وبالتالي عدم الديمقراطية، وهذا يزعج الدول الغربية الديمقراطية، ويزعج منظمات حقوق الإنسان!

لذا، يقول الحزب الحاكم لنفسه ببساطة نحن والأحزاب الأخرى غير الإسلامية كأفراس رهان في ساحة المنافسة السياسية كلنا متقاربون في الحجم ومتقاربون في الرصيد الشعبي، «فكلنا في الهم شرق»؛ لذا لا يخيفني أي حزب غير إسلامي، فبالإضافة إلى تقارب أحجامنا وأوزاننا وأرصدتنا الشعبية، فإن شعاراتنا وبرامجنا السياسية متقاربة كذلك من حيث أهميتها لدى الشعوب التي لم تستطع أحزابنا التجذر فيها.

والخطر كله يكمن في الأحزاب الإسلامية وشعاراتها وبرامجها، فهذه ستعزلنا عن الشعوب وتهيمن على الساحة، وتحصد الأكثرية الساحقة من أصوات الناخبين، وها هي ذي تجارب الانتخابات في العالم الإسلامي كله، أدلة ساطعة على هذه الحقيقة.

فما الذي ينبغي فعله والحال هذه، هل ثمة أسلوب أفضل للديمقراطية، من منع الأحزاب الإسلامية بالطبع لا، وإذن لا بد مما ليس منه بد -إذا أردنا أن نعيش-!

حتى إن بعض الساسة يعلنها صراحة لن«نسمح بالجزأرة في بلادنا»، وبالطبع يعني أن تجرى انتخابات حرة يفوز فيها الإسلاميون فتضطر الفئة الحاكمة إلى إلغاء الانتخابات وزج الفائزين فيها في السجون، فتنشأ مجازر نتيجة للفعل ورد الفعل، كما جرى في الجزائر.

والحل؟!

أليس ثمة حلول أخرى أمام تلك الأحزاب الحاكمة سوى منع الأحزاب الإسلامية من ممارسة حقوقها السياسية المشروعة في بلادها. 

وإذا كان هذا الحل بطبيعته حلاً عرضيًّا مؤقتًا، مفروضًا بقوة الحديد والنار التي تضع لنفسها قوانينها الخاصة بالمنع والسماح، فإلى متى يدوم هذا الحل؟ وما جدواه الفعلية للشعوب والأوطان؟ وإلى متى تصبر الشعوب على القهر؟ وهل ثمة ضمانات غير الحديد والنار تمنع بعض الحركات ذات النفس القصير من اللجوء إلى الحديد والنار؟

نزعم أن الحل موجود. 

أدركته دول عدة وعملت به.

إنها الديمقراطية (المنضبطة) ويمكن تسميتها الديمقراطية (التوافقية).

لقد أدركت سائر الأحزاب والحركات الإسلامية التي تؤمن بالعمل السياسي السلمي الديمقراطي الكثير من أبعاد العملية السياسية، واكتسبت قدرات مناسبة على التكيف وعلى حساب الممكن والمجدي في العمل السياسي، وتشكلت لديها قناعات مطابقة لقناعة عمرو بن معد يكرب الزبيدي في بيته المعروف:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه

وجاوزه إلى ما تستطيع

وتمرست بفنون «التوافقات والتحالفات والتنازلات».. 

ووعت الفروق بين المبادئ والسياسات التي تخدم المبادئ والتكتيكات التي تخدم السياسات والوسائل التي تنجح التكتيكات.

فأيها أفضل -والحال هذه- للأحزاب الحاكمة الإفادة مما تشكل لدى الأحزاب الإسلامية من وعي وتجربة ونضج ومرونة والتعامل معها ضمن صيغ توافقية تخدم الشعوب والأوطان، وترضي الفرقاء السياسيين كلا بحسب وزنه «الجماهيري» أو «العسكري»؟

أم تلجأ إلى سياسة المنع والقمع التي دأبت عليها منذ نصف قرن، والإحتفاظ بالسلطة كلها التنفيذية والتشريعية والقضاء الأمني، دون أن تترك أي هامش للإسلاميين، ولتكن العواقب ما تكون حتى لو كان المتوقع هو مصير عمرو بن هشام؟

السؤال مطروح على الأحزاب الحاكمة في الدول التي تقودها أحزاب حاكمة متفردة بالسلطات بقوة الحديد والنار..

وسبحان القائل: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) (البقرة: 269).

الرابط المختصر :