; كيف يُصنع القرار في الإدارة الأمريكية؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يُصنع القرار في الإدارة الأمريكية؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

مشاهدات 77

نشر في العدد 1079

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

رافقت الزميل عزيز فهمي مراسل مركز تلفزيون الشرق الأوسط في «MBC» في واشنطن إلى مبنى الكونجرس لإجراء حوار مع ماري جونستون رئيس لجنة الشئون الفرعية الخاصة بالسودان في لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس الأمريكي، وفيما كان عزيز فهمي يعد تقريرًا لمحطته التليفزيونية كنت أنا أحاول فهم كيفية صناعة القرار واتخاذه في الإدارة الأمريكية. وجلسنا مع جونستون ومساعديه ما يقرب من ثلاث ساعات أدركت خلالها بعض الجوانب الهامة في فهم لعبة السياسة الأمريكية تجاه السودان، وكيف تلعب أمريكا بالأوراق لتحقيق مصالحها، وكيف تتحول الدراسات التي تعدها مراكز التفكير ودراسات المستقبل إلى مشروعات قرارات سرعان ما يتم إعدادها لتصبح بعد سنوات أو أشهر أو أسابيع سياسات قائمة على أرض الواقع.

لذلك أصبحت مراكز الدراسات التي يطلق عليها في الولايات المتحدة اسم «Think Tank» تقوم بدور هام في عملية صناعة القرار في الولايات المتحدة، وأصبحت الإدارة الأمريكية تنفق عليها سنويًا عشرات إن لم يكن مئات الملايين من الدولارات. وقد انتشرت هذه المراكز في معظم الجامعات الأمريكية وأصبح بعضها يحتل أهمية خاصة ودورًا هامًا في صناعة القرار في الولايات المتحدة وترصد له ميزانية ربما تعادل ميزانية الجامعة التي يتبعها. ولمزيد من فهم دور هذه المراكز التقيت مع الدكتور روبرت كرين مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون وأحد الذين ساهموا في تأثيث أول ثلاثة مراكز للتفكير في الولايات المتحدة في منتصف الستينيات.

فكان مما قاله لي: لقد أصبحت هذه المراكز تلعب الدور الرئيسي والمؤثر في السياسة الخارجية بل والداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أن هذه المراكز كلها إما مراكز تابعة للجامعات أو مراكز خاصة تابعة لمؤسسات أو هيئات، إلا أن الحكومة الأمريكية تدعمها وتنفق عليها وتصل ميزانية أهم 10 مراكز إلى 500 مليون دولار سنويًا. وتلعب هذه المراكز دورًا هامًا في الانتخابات الرئاسية بصفة خاصة فضلًا عن انتخابات مجلس الشيوخ والنواب، إلا أن دورها في الانتخابات الرئاسية أخطر، ولا يستطيع رئيس أمريكي الآن أو مستقبلًا الوصول إلى مقعد الرئاسة دون مساعدة هذه المراكز التي كان لها دور بارز وملحوظ في وصول الرئيس كلينتون إلى السلطة رغم تفوق الرئيس بوش عليه من ناحية الخبرة والتاريخ السياسي.

وتبنى مراكز التفكير دراساتها على الاحتمالات المختلفة للتغيرات الآنية والمستقبلية لما يدور في أماكن كثيرة من العالم بما يخدم النفوذ الأمريكي في هذه المناطق، وقد تفلح بعض هذه الدراسات وقد تخفق لأنها في بدايتها ونهايتها نتاج بشري قائم على دراسة الواقع والأخذ بالأسباب. من أهم هذه المؤسسات مؤسسة راند «RAND» التي تقع في سانتا مونيكا في كاليفورنيا ويبلغ عدد العاملين والمستشارين فيها ومساعديهم 1321 باحثًا ومستشارًا وتبلغ ميزانيتها السنوية 100 مليون دولار. وهناك عشرات من المراكز الأخرى المتوسطة والصغيرة من أشهرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS» الذي يقع في العاصمة واشنطن ومعهد كاتو «CATO» ومعهد بروكينجز «BROOKINGS» ومعهد الولايات المتحدة للسلام «USIP».

ومع الدور الذي تقوم به مراكز ومعاهد الدراسات هذه، نجد أن اللوبيات تقوم بدور رئيسي وبارز أيضًا في اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية. ولعل اللوبي اليهودي الآن يعتبر المؤثر الرئيسي في سياسة الولايات المتحدة الخارجية والداخلية أيضًا، ويضم هذا اللوبي حوالي 4 آلاف جمعية ومؤسسة يهودية منتشرة في الولايات المتحدة، أقدمها جمعية "بني بريث" التي قام الرئيس الأمريكي كلينتون في أكتوبر الماضي بإلقاء الخطاب الافتتاحي لمؤتمرها السنوي. أما أشدها تأثيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدعم اللامتناهي للكيان الصهيوني فهي مؤسسة إيباك، التي أصبحت توصيات مؤتمرها السنوي الذي يعقد في إبريل من كل عام هي الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الكيان الصهيوني.

وتقوم جماعات الضغط الصهيونية بدعم المرشحين لمجلس النواب والشيوخ في الولايات المتحدة في حملاتهم الانتخابية مقابل تجيير مواقفهم لصالح خطط ومشاريع دعم إسرائيل التي تعرض على كلا المجلسين. ويكاد يكون هناك شبه إجماع من المراقبين على أن تأثير جماعات الضغط في اتخاذ القرار أقوى من تأثير مراكز الدراسات، لأن عضو مجلس النواب أو مجلس الشيوخ كل ما يهمه هو أصوات الناخبين ودعمهم في دائرته حتى يتسنى له النجاح في الانتخابات التالية. وقد نجح اللوبي اليهودي بالفعل من خلال استخدامه لوسائل الإعلام الصهيونية في الولايات المتحدة، والتي أصبحت تشارك في صناعة القرار، في إقصاء بعض أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ الذين أظهروا انتقادًا واضحًا للصهيونية والدعم الأمريكي اللامحدود للكيان الصهيوني، والذي يتعارض بالفعل في كثير من الأحيان مع مصالح الولايات المتحدة.

ومن أشهر هؤلاء ريتشارد بيرسي وبول فندلي وجيمس أبو رزق وآخرون. ولعل وجود قضية الجاسوس اليهودي الأمريكي جوناثان بولارد على رأس جدول الأعمال بين رابين وكلينتون أثناء زيارة رابين الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي تؤكد ذلك، حيث نقلت مصادر مختلفة بأن رابين قد عقد صفقة مع الرئيس كلينتون مفادها أن يقوم اللوبي اليهودي، الذي أصبح يتمتع بنفوذ واسع في شتى المجالات في الولايات المتحدة خاصة في مجال المال والإعلام، بمساعدة الرئيس بيل كلينتون في معاركه السياسية بدءًا من قضية اتفاقية النافتا (أي التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، إلى القضايا الأخرى التي تهمه مقابل الإفراج عن الجاسوس بولارد. وقد أشار المراقبون هنا في العاصمة واشنطن بأن هذه هي أول مرة في التاريخ يطلب رئيس وزراء دولة من رئيس دولة أخرى تخفيف الحكم على جاسوس حكم عليه بالسجن المؤبد كجزء من صفقة أخرى.

وقد أثارت هذه الصفقة التي ما زال يتردد صداها ردود فعل واسعة ومعارضات واحتجاجات من قطاعات واسعة من الأمريكيين، حيث صرح كاسبار واينبرجر مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق إن بولارد ألحق أكبر ضرر للأمن القومي الأمريكي من أي جاسوس آخر في تاريخ أمريكا. ووصفت الصحف الأمريكية حجم الوثائق التي صورها بولارد ونقلها إلى إسرائيل بأنها تملأ غرفة طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران وارتفاعها ثلاثة أمتار أخرى. وكان الكاتب سيمور هيرش قد ذكر في كتابه "خيار شمشون" أن إسحاق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق قد باع بعض الأسرار التي نقلها بولارد إلى «إسرائيل» للاتحاد السوفيتي قبل انهياره مقابل الإفراج عن اليهود السوفييت وترحيلهم إلى «إسرائيل». وقفت أمام هذه الحقائق المذهلة لأتأمل فيها، ورغم كثير من المعلومات والمقابلات والدراسات التي اطلعت عليها، إلا أني شعرت بأن اللعبة السياسية في الولايات المتحدة بحاجة إلى مزيد من الفهم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 230

84

الثلاثاء 17-ديسمبر-1974

التعليق الأسبوعي.. موافقون!

نشر في العدد 716

111

الثلاثاء 07-مايو-1985

المجتمع الدولي - العدد 716