العنوان ما بين يناير ۲۰۱۱ .. ويناير ۲۰۱۳م !
الكاتب صلاح الإمام
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2013
مشاهدات 71
نشر في العدد 2039
نشر في الصفحة 28
السبت 09-فبراير-2013
● الصراع في مصر اليوم بين سلطة منتخبة و نخبة متطفلة ليس لها أي قواعد شعبية لكنها تملك مال قارون و منظومة إعلامية مدمرة
● لماذا يصر المتظاهرون على استهداف وزارة الداخلية ومديريات الأمن وأقسام الشرطة ؟!
● لو تعلم المعارضة في مصر أنها تحظى بقاعدة شعبية لطالبوا بالاحتكام إلى الصندوق
● واشنطن بوست: الحشود في شوارع مصر الآن لا علاقة لها بالثورة التي أطاحت بـ مبارك .. هم عصابات من المخربين وبقايا قوات الأمن في النظام المخلوع
الثورة سلوك نبيل، ينشد التغيير الشامل نحو الأفضل لتحقيق طموحات جموع الشعب، وأعظم الثورات تلك التي تكون بلا قائد، فيكون الشعب كله هو قائدها وهو القائم بها ، فتنعدم أي مصالح خاصة أو مجد شخصي، ويكون كل الشعب هو البطل.. والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة هو الانقضاض ضد الحكم الظالم، وقد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م وثورات أوروبا في القرن التاسع عشر التي انتزعت بها شعوب أوروبا حقوقها في الحريات التي تنعم بها الآن، ومنها أيضا ثورات أوروبا الشرقية ضد النظم الشمولية عام ۱۹۸۹م، وثورة أوكرانيا المعروفة بـ الثورة البرتقالية، في نوفمبر ٢٠٠٤م.. أو عسكرية يقوم بها الجيش، مثل تلك التي سادت أمريكا اللاتينية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.. أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية ( ١٩٥٤ - ١٩٦٢م).
ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م في مصر، كانت ثورة شعبية، لكنها فريدة من نوعها، وتختلف عن كل الثورات الشعبية في التاريخ، بالنظر إلى معطيات المناخ السياسي والاجتماعي الذي انطلقت منه، وبالنظر إلى صعوبة الهدف الذي انطلقت من أجله.
لما جاءت لحظة الانفجار، هبت جموع الشعب من كل صوب وحدب ثائرة على الطغيان، من العشوائيات ومن الأحياء الراقية من القبور ومن القصور من المدن والقرى والنجوع، صغاراً وكباراً، شباباً وشيوخاً. مثقفون وحرفيون سياسيون ومتعطلون لا هدف لهم سوى إسقاط النظام الفاسد .
خلال أيام الثورة من ٢٥ يناير حتى ١١ فبراير (۲۰۱۱م) عاش الثوار أياما وليالي في العراء على أنصاف بطونهم، يتقاسمون اللقمة وشربة الماء، بمعنويات مرتفعة، نصبوا ما يشبه الخيام من قطع المشمع والخرق البالية لتستر الثائرات من بنات ونساء مصر وأقاموا إذاعات داخلية على أعلى مستوى لبث الأغاني الوطنية الرائعة والأناشيد الحماسية. ونصبوا أطباقا لاستقبال القنوات الفضائية متصلة بشاشات نصبت في أركان الميدان وقام الأطباء من الثائرين بتجهيز مستشفى ميداني لعلاج من تطاله رصاصات وحجارة وضربات المجرمين الفجرة، وكان المستشفى كاملا متكاملا به أجهزة تعقيم حديثة غير متواجدة في مستشفيات دولة «مبارك» الفاسدة، وفريق من الشباب والشابات مدرب وعلى أعلى مستوى من الكفاءة، وكان هناك تنظيم عال في كل شيء.
كان النظام يقدم تنازلاته للثائرين بالقطعة، ظنا منه أن يستطيع إخماد ثورتهم. لكنهم كانوا عازمين على تحقيق كل مطالبهم حتى ولو كلفهم ذلك مزيدا من الدماء.
● فيروس خطير
كانت الصورة في يناير ٢٠١١م عبقرية بهرت العالم كله بشرقه وغربه، لكن في لحظة غفلة تسلل فيروس خطير إلى اللحمة الثورية وتغلغل في أنسجتها، وتمكن من تقطيع هذه اللحمة وتفتيتها، وتمخض المشهد الثوري الرائع عن مئات من الشرادم.. والأحزاب.. والائتلافات.. ثم وجدنا أن هذه الشراذم التي لا تضم سوى عشرات قد لا تكمل الخمسين فرداً، قادرة على صناعة رأي عام، فعندها أموال تطبع بها المطبوعات الفخمة، وتدشن بها مواقع خاصة على الإنترنت، بل وتصدر صحفا، وجميع الفضائيات مفتوحة أمامهم بلا أي قيود .
ثمة عامل مشترك واحد يربط بين هذه الشراذم أنها تعادي بشدة التيار الإسلامي لأنهم يعلمون أن الإسلاميين هم الحصان الأسود في أي انتخابات شعبية نزيهة، فلو أنهم يعلمون أن لهم قاعدة شعبية تمكنهم من الحصول على أي نسبة معقولة في أي انتخابات لطالبوا بالاحتكام إلى صندوق الاقتراع.
الفيروس الذي ضرب جسم اللحمة الوطنية لثورة يناير، جاء من المراكز البحثية لهذه القوى، جاء عبر تحويلات بنكية لم تعد خافية على أحد ودورات تدريبية تتم في العلن، وانتشر في أجواء مصر عبر فضائيات يمتلكها مجموعة من رجال البيزنس» الذين نهبوا مصر خلال العهد الفاسد، والذين يعلمون أنه لو تمت انتخابات سوف تسفر عن حكومة نزيهة ستقوم فورا بفتح ملفاتهم المحفوظة، وتسيل منها دماء المصريين التي امتصوها ..
● خلق الفوضى
بعد سقوط نظام حسني مبارك بالفعل. أعلنت مؤسسات متخصصة في الإدارة الأمريكية حالة الطوارئ القصوى فلابد من تغيير اتجاه هذه الثورة الفريدة من نوعها والعمل على أن تكون نقمة على الشعب المصري تتذكر هنا أيضاً تصريح الرئيس الأمريكي باراك أوباما» في 5 مارس ۲۰۱۱م. حين قال: إن القوى التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك يجب أن تتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي سبيل ذلك، قامت المؤسسات الدولية بمضاعفة تمويلها لمنظمات المجتمع المدني المصرية، ليصل حجم التمويل إلى ۲۰۰ مليون دولار، وذلك بعد أن قرر الاتحاد الأوروبي وهيئة المعونة الأمريكية ضخ مبالغ مالية كبيرة لهذه المنظمات في الفترة المقبلة، وبدأت هذه المؤسسات في إعلان تمويلها المشروعات كافة الحركات السياسية في مصر، رغم أنها حركات غير مشهرة، وليس لها أي إطار رسمي .
ونشرت جريدة الأهرام المصرية، في عدد الجمعة ٢٥ مارس ۲۰۱۱م، أن واشنطن تعرض المساعدة على الأحزاب المصرية وقالت: إن مسؤولا عسكريا أمريكيا رفيعا أكد أن الولايات المتحدة ستعرض في هدوء على مصر مساعدتها على التحرك نحو الانتخابات، وأشار إلى أن منظمات أمريكية تساعد الأحزاب السياسية الناشئة في مصر على تنظيم نفسها .
ثم دخلت مؤسسة «فورد الشهيرة إلى قلب الساحة، ومعروف عنها أن لها باعا طويلا وواسعا في تمويل العديد من المؤسسات الأهلية والحكومية في مصر، ومن آخر نشاطاتها تأسيس فرع للمركز الدولي للعدالة الانتقالية في مصر، وسبق لها تأسيس فرع مماثل في العراق بعد احتلاله عام ٢٠٠٣م، كما أنها أسست فرعاً جديداً لها في تونس بعد الثورة.
هذا النشاط المحموم من قبل هذه المؤسسات، ذات الخبرات المتفوقة في مجال إثارة الفتن والقلاقل وسط الشعوب الإسلامية والعربية، اتفقت على إشاعة نوع من الفوضى في مصر، تبدأ مرحلتها الأولى بانقسام حاد حول قضايا محلية يبدو في ظاهره فكريا، لكنه قابل لأن يتحول إلى صراع مادي، من خلال خروج أنصار كل رأي إلى الشارع، فيتصدى له أنصار الطرف الآخر، ثم تتصدى السلطة للطرفين.. وهكذا .
وكانت الضربة القاضية لتلك القوى، فوز مرشح الإخوان المسلمين د. محمد مرسي» برئاسة الجمهورية فراحت هذه القوى على اختلاف أيديولوجياتها واتجاهاتها إلى الملمة شتاتهم، والاتفاق فيما بينهم على هدف واحد هو إسقاط حكم الإسلاميين.
● فارق بين التاريخين
يناير ۲۰۱۳م، وبعد مرور عامين على ثورة يناير ۲۰۱۱م، جاء مختلفا تماما، جاء بما يشبه «ثورة» جديدة ضد الثورة الأم، ثورة يقودها من يسمون إعلاميا بـ«النخبة» ضد جموع الشعب ممثلا في رئيسه، وفي دستوره وكلاهما اختارهما الشعب بإرادة حرة نزيهة وتطور الأمر إلى أن تسلك هذه القوى ولأول مرة في تاريخ مصر العنف الممنهج لتحقيق أغراضها، فأطلقت مجموعات من البلطجية المدربين، يحرقون ويدمرون، يقتلون ويجرحون يقطعون الطرقات والسكك الحديد، يقتحمون المؤسسات ومحطات توليد الكهرباء، يقومون بأعمال إجرامية غير مسبوقة في تاريخ مصر، لإجبار النظام القائم على الاستجابة لمطالبهم، وينفقون على هذه الأعمال مليارات من الدولارات تأتيهم من جهات أجنبية، ومن الأموال التي تم تهريبها لخارج مصر إبان حكم الرئيس المخلوع الفاسد، ويمارس هؤلاء البلطجية إجرامهم تحت مظلة إعلامية رهيبة تدافع عنهم، وتصفهم بـ«الثوار»، وتصف من يقتل منهم وهو في حالة تلبس بارتكاب أفعال إجرامية به الشهيد»، كما يمارس «القضاء» دورا مشبوها في تنفيذ هذا المخطط؛ إذ يتم الإفراج عمن يتم القبض عليه من المتورطين في هذه الأعمال التخريبية وهم في حالة تلبس.
من وراء كل هذا الذي يحدث في مصر الآن؟ لا يمكن أن نسلم بأن ما يحدث من قبيل المصادفة، أو من قبيل الأفعال التي تتطور تلقائيا بشكل عشوائي، وتأتي بنتائج غير متوقعة، فكل شيء مدروس، ويتم وفقا لخطط مسبقة، بغرض أن تتحول البلاد إلى میدان قتال الحرب أهلية مدمرة، وأعتقد أنها لن تنتهي عند هذا الحد، فالأيام القادمة قد تحمل ما هو غير متوقع، لتحقيق الهدف الأساسي الذي من أجله ينتشر هؤلاء في الميدان، بوازع ممن يحركونهم، وهو استفزاز شباب التيارات الإسلامية للنزول إلى الشوارع والميادين، لتبدأ حرب أهلية تأخذ مصر إلى ما لا يستطيع أحد أن يتخيله.
الثوار الحقيقيون لا يعتدون على أحد. ولا يحرقون ويدمرون ويقتحمون الثوار مكانهم في الميدان، لكن الذين يحاصرون مبنى وزارة الداخلية ومباني مديريات الأمن وأقسام الشرطة، ومباني المؤسسات والمصالح الحكومية ذات الطبيعة الحساسة، ويعتدون على رجال الأمن الاستفزازهم وحملهم على الرد عليهم، ما يجري الآن مؤامرة لإسقاط مصر، مؤامرة واضحة اتفقت فيها كل الأطراف، واستدرج فيها من استدرج، وجاز الأمر على السذج.
لا يمكن تشبيه ما يجري في مصر الآن بما جرى خلال يناير ۲۰۱۱م، لأن ما جرى قبل عامين كان صراعا بين شعب مطحون ذاق صنوفا من الظلم، وبين نظام فاسد أذاق شعبه الهوان.. أما ما تشهده مصر الآن هو صراع بين أقلية معارضة لا تعبر إلا عن نفسها، وبين نظام حكم شرعي ديمقراطي اختاره الشعب بإرادته الحرة.
الرئيس السابق أنور السادات - قبيل حرب أكتوبر بعدة أسابيع - قام باعتقال كل رموز المعارضة في مصر، من كتاب وصحفيين وسياسيين، لأنه كان يعلم خطورة ما يصنعه هؤلاء على ما هي مقبلة عليه الدولة، ثم قرر الإفراج عنهم قبل يوم العبور بساعات وظروف مصر الراهنة تتطلب من الرئيس محمد مرسي أن يقدم على مثل هذه الخطوة، فيتم اعتقال ومحاكمة كل من يثبت تورطه في أي عمل تخريبي بتهم الخيانة العظمى والإضرار بأمن واستقرار البلاد.
لقد انتقدت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أعمال العنف والتخريب التي تشهدها مصر خلال الأيام الأخيرة، وقالت: إن الحشود في الشوارع لا علاقة لها بالثورة التي أطاحت بالرئيس «مبارك» من الحكم قبل عامين، ولكنهم عصابات من المخربين وبقايا قوات الأمن في النظام المخلوع، وعناصر فاسدة من جهاز الشرطة لا يخضعون لأي سلطة سوى أنفسهم، وحذرت الصحيفة في افتتاحيتها بعدد يوم ٣١ يناير الماضي من أن ما يقف على المحك الآن ليس الإطاحة بنظام، ولكن انهيار الدولة بأكملها وسقوطها في حالة من الفوضى ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل