العنوان تحديات التلاقح بين الاستبداد والموروث الثقافي العربي
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1956
نشر في الصفحة 38
السبت 11-يونيو-2011
● النظم المستبدة تؤكد شرعيتها بالولاء الناجم عن العطايا والمزايا غير المستحقة
● الغرب يظهر بوجهين مختلفين الأول المصلح الأخلاقي الداعي إلى الخير والديمقراطية وحقوق الإنسان ويطبقه على مواطنيه... والآخر حماية الفساد ورعاية الاستبداد بالدول الأخرى مادام ذلك يخدم مصالحه
في الثقافة العربية من الأمثلة والممارسات التي تصنع المستبد، وقد أشار الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد إلى هذه الحقيقة، كما أشار أحمد شوقي، أمير الشعراء الذي قرر أن الأمير يولد غضا نقيا ولكن حاشيته هي التي تفسده لأنها لا تطيق العيش بعيدا عن الفساد ... وقد أرجع شوقي ، أهم أسباب هذا النوع من الثقافة إلى جهل الشعوب حيث قرر أن هذا الجهل سببه الفقر، فيجتمعان مع المرض في هذه الثلاثية المدمرة. يقول شوقي:
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد *** كالجهل داء للشعوب مبيدا
فالجهل لا يلد الحياة مواته *** إلا كما تلد الرمام الدودا
بعد اندلاع الثورات العربية ضد الفساد والاستبداد لابد أن ندرس كيف تلاحم الفساد والاستبداد، وكيف أن الموروث الثقافي العربي والشعبي والمأثورات والأمثال والحكم قد أسهمت في ترويج ثقافة الاستبداد وفي صناعة الحاكم المستبد .
وقد تناول هذه الحقيقة الكتاب والمفكرون والأدباء والشعراء على مر العصور، ولذلك فإن الثورة على نتائج هذا الموروث يجب أن تمتد لكي تقضي على الموروث نفسه حتى لا تجنح الثورة، ويعود الناس إلى الشرائق والموروث الثقافي، فتعود الأمور إلى ما كانت عليه ويبدأ المجتمع في تخليق مستبد جديد تحيط به بطانة تلتف حول عنقه فلا تريه إلا ما ترى ولا تسمعه إلا ما تريد، ويملى عليه القرار فيحكمون باسمه، ومادام المنصب محاطا بكل المزايا وتحني له الجباه، فإن الفساد ينشأ منذ اللحظة الأولى، أي أن الجسد العربي لديه خصيصتان الأولى القابلية للفساد وخلق الاستبداد والقابلية للاستعمار على قول الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي: فالقابلية استعداد فطري تغذيه تقاليد سلوكية، وثقافية تبدأ بالكبار فتصير محصنة بحكمة السنين.
فالرشوة في الدين من الكبائر والراشي والمرتشي في النار، ومع ذلك تصرف الناس فيما يعد رشوة، وما لا يعد كذلك حتى أن التقنين الحديث احتار بين الضبط القانوني والأعراف الاجتماعية.
ولا بد أن الرشوة في كل البلاد العربية ترتبط بالهدية، بل قالوا : إن الرسول صلي الله عليه وسلم قد قبل الهدية، وذلك لتبرير قبول الرشوة مادامت قد تم ترجمتها إلى هدية، بل في أمثالنا ما يجعل الرشوة دليلا على المحبة وربط العلاقات، كما تدل على أن الراشي رجل ذكي، فيما يعكسه المثل القائل: «اطعم الفم تستحيي العين».. أي أن المرتشي لا يجرؤ على معارضة طلبات الراشي، خاصة إذا كانت الرشوة مما يحتاج إليه الراشي، أو لا يستطيع ردها ودفعها مهما كان شكل الرشوة، التي قد تصل في مستواها إلى مجرد الإشادة بالمرتشي دون أن يكون أهلا لذلك المديح أو الإشادة، وهو ما أوضحه لنا الأستاذ عباس العقاد في كتابه «أنا »، وفي كتابه «الله» أوضح أن رشاوي الكهنة كانت للآلهة التي ادعوا أنهم يسكنون المعابد ويحكمون العالم من داخلها ..
● احتكار مصادر القوة
والحق أن المفصل الخطير في مسألة المورث الثقافي هو الجهل والفقر والحاجة إلى النفوذ والسلطان، ولهذا يعمد الحاكم المستبد عادة إلى احتكار مصادر القوة والنفع والضرر وإشاعة الحاجة والفقر والظلم حتى يحتاج الناس إلى الإنصاف والستر والعدل، فيلجؤوا إلى كل ذي سلطان مهما كان صغيرا أو مدعيا ، فيشيع الفساد، خاصة أن الغموض يحيط بالحياة وبأسباب السلطة وشخوصها وسرية عملها، في هذا المناخ تزدهر الوساطات وأعمال الاحتيال والرشوة والمحسوبية وغيرها .
● علاقة الاستبداد بالفساد
أشار «ماكيافيللي» منذ القرن السادس عشر في كتابه «الأمير» إلى أن الحاكم يقدم العطايا لمن لم يساندوه؛ ليحصل على ودهم ولكنه ينكرها على من ساندوه لأنه لا يمكن أن يغنيهم شيء عن زوال الحكم وحلولهم محله . وفي كتاب الكواكبي شرح العلاقة الحميمة بين الفساد والاستبداد على أساس أن النظم المستبدة عادة تؤكد شرعيتها بالولاء الناجم عن العطايا والمزايا غير المستحقة.
إذا كانت الثورات العربية موجهة أصلاً ضد الفساد والاستبداد وفصم العلاقة بين الظاهرتين المترابطتين، فإن هذه الثورات تمثل خروجا على ما يمثله الطغاة العرب الذين نشؤوا في بيئة حاضنة لهم ماديا وثقافيا، فقد لوحظ أن الوجاهة الاجتماعية مصدرها المال، ولكن ارتباط المال بالسلطة يجعل للوجاهة معنى مختلفا، كما أن ارتباط المال بالسلطة يجعل هذا الوضع سريعا لا يحتاج إلى تراكم مما أدى إلى تدهور القيم العربية الإيجابية، فظهور قيم سلبية خطيرة فإذا أضفنا إلى هذه القيم السلبية محتوى الشرنقة الثقافية العربية التي تشجع على ظهور المستبد والفاسد، فإن النتيجة هي تبلد المجتمع وفقدان مناعته، وحتى رد فعله السلبي التلقائي لمثل هذه الظواهر الخطيرة. وفي مرحلة متقدمة لا يسأل الناس عن مصادر الثورة، فتشيع الفاحشة ويضيع الفارق بين الحلال والحرام، ويفقد معنى العيب أثره في المجتمع.
● وجهان مختلفان
بالطبع يحرص الغرب على الظهور بوجهين مختلفين الأول وجه المصلح الأخلاقي الداعي إلى الخير والديمقراطية وحقوق الإنسان وهذا ما يطبق فعلا في بلاد الغرب لصالح مواطنيهم، والوجه الآخر هو حماية الفساد ورعاية الاستبداد والتستر عليه مادام الحاكم يخدم مصالح الدول الغربية، بل إن الغرب يسعى إلى إفساد الحاكم الصالح، حتى يخدم المصالح غير المشروعة، ويكره الحاكم الوطني النزيه، وتلك تحتاج إلى مواجهة صريحة مع الغرب حتى تضيق شعوبه على نفاق حكوماتها أول وهذا يطرح بشدة بحث معادلة تبادل المصالح المشروعة.
هكذا وجدت الشعوب العربية نفسها بين المطرقة والسندان بعد الثورة، عقبات لعودة النظام القديم بكل ما يمثله، وعرقلة التحرك إلى الأمام وظهور حقائق جديدة تخدم آمال الوطن، ورد الأمور إلى الوراء، والتحدي الآخر هو بروز «الأنا» التي كشفت عنها الثورة، ولكنها لیست مدربة على الظهور الإيجابي، فأسهم ظهورها في حركة الانكماش الثقافي والعودة إلى القوالب القديمة التي تساعد على إعادة إنتاج الاستبداد والفساد .
لا شك أن التركيبة القديمة التي استثمرت النظم المستبدة في بنائها، وشبكة المصالح الواسعة التي نشأت من خلال شعب هذه النظم وبنيتها التشريعية وعلاقاتها الداخلية والخارجية هي الأقدر على التشكل والمنافسة بأسماء أخرى مستخدمة نفس أدوات النظام السابق المالية، واستغلال الفقر والحاجة عند الناس لتقديم الرشاوى المعنوية والمادية لهم. واستقلال المال لطمس حقائق أحوال المرشحين وانتماءاتهم.
في ضوء هذا الواقع، فإن أخطر ما يهدد مسيرة الثورات العربية خاصة في مصر وتونس أن خلع رؤوس النظام ليس هو نهاية المطاف، وإنما تراجع وعي الناس ويقظتهم، ونشاط قوى الثورة المضادة، ومؤامرات الخارج سواء العربي أو الأجنبي، لأن المنطقة العربية عاشت عصورا يحاول الغرب إخضاعها لمنطقه، ووجد أن أسهل طرق الإخضاع هو السيطرة على الحاكم الذي لابد أن يكون فاسدا ، وأن يكون صفحة مفتوحة أمام الغرب بسيرته وفضائحه وأمواله، والحاكم الفاسد بطبعه حاكم مستبد لأن الذي يمارس الاستبداد باسمه هم الذي كرسوا فساده، ثم يصبح عميلا للخارج إذا تناقضت مصالح وطنه مع مصالح هذا الخارج وهو يسعى دائما إلى أن يفسر المصالح الوطنية على أنها مصلحة النظام، وتلك بداية الآفات في العالم العربي حين يبدأ الاندماج كاملاً بين الوطن والنظام، ولا يمكن الفصل بينهما فيتحصن الحاكم بفساده واستبداده في المنطقة البلهاء بين الوطن والنظام.
● حماية الفساد
في مصر كما في غيرها مئات الأمثلة التي لا تقع تحت حصر، ويكفي أن نشير في مصر إلى أن «مبارك» فتح مصر أمام كل فاسد مصري، أو أجنبي ينهبها ويعبث بثرواتها وبعقود رسمية يقتسم حصيلتها النظام مع الخارج وشركاته، فخلق مصالح أساسية لهذا الخارج في المحافظة على هذا النظام.
وهكذا أصبح النظام المستبد الفاسد في حماية مجموعات كبيرة من المستفيدين في الداخل والخارج، وحصانة كاملة ضد انتزاعه ولذلك كان خطاب المثقفين والمعارضين صوب الشعب يبدو فارغاً، لأنه خطاب أعلى من فهمهم، كما أن الحاكم استولى على أسماعهم وغيب عقولهم. فهل من علاج لمنع الشعوب العربية من التشرنق مرة أخرى في موروثها ؟ وهل من سبيل إلى ترقية هذا الموروث بتفسير جديد يلائم المرحلة الجديدة النادرة، فالثورات الكبرى لا تظهر في حياة الشعوب كل يوم!
(*) أستاذ القانون الدولي - مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل