; المجتمع التربوي (1519) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1519)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002

مشاهدات 69

نشر في العدد 1519

نشر في الصفحة 54

السبت 21-سبتمبر-2002

تزود بأدوات الجهاد في ميادين النفس والهوى والدنيا والشيطان ... صل معنا الفجر

عبد العظيم بدران

أخي.. إني أحسن الظن بك، وأعلم أنك تتحرق شوقًا، وتمتلئ كمدًا، ويفيض بك الهم عندما تفوتك صلاة الفجر.

 واعلم أيضا أن صدرك ينشرح وقلبك يطمئن ونفسك تطير في آفاق رحبة تحلق في عالم ملائكي طاهر، وتغمرك مشاعر فياضة من الأريحية والنقاء والصفاء والفرحة، وتتنسم عبق الورود والرياحين حينما تصلي الفجر في جماعة بالمسجد.

 شعور غامر لا يعدله شعور، مسكين هذا الذي يحرم نفسه منه يومًا بعد يوم، وفجرًا بعد فجر.

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

والماء فوق ظهورها محمول

لكن المشكلة-أخي الحبيب-هي في المكبلات...نعم المكبلات التي لا تكاد تنفك عنا.. وكلما أفلتنا منها طاردتنا والتصقت بنا.. التعب والإرهاق والسهر العمل والمواعيد والزيارات.. التلفاز والقنوات والمباريات.. مكبلات لا تنتهي.. نصرعها حينًا وتصرعنا أحيانًا.. نبكي في أعماقنًا دموعًا بغير دموع.. بكاء جاف لا يخفف من وطأته قطرات تتدحرج لتطفئ حرقة المعصية، وتغسل أوضار الخطيئة.

من ذا يعيرك عينه تبكي بها

أرايت عينا للبكاء تعار؟

تعال معي -أخي الحبيب- نستوضح حقيقة المشكلة

المدنية الحديثة والأنوار الزائفة

في حياتنا المدنية الحديثة تكاثرت المشاغل والتحم الليل بالنهار، فلم يعد هناك فاصل عند كثير من الناس بين المعاش واللباس، أعني النهار والليل، والوقت يسرق من لا يعي لنفسه، فالحديث ذو شجون، والمصالح متواصلة، والأنوار تبدد ظلمات الليل وتغازل العيون لتطرد عنها مسحة النوم إلى ما بعد منتصف الليل، أو حتى قبيل مطلع الفجر، فتبدأ الحركة في السكون والأنوار في الخفوت، ويخبو النشاط إلى الكسل، ويطغى على الجسد إرهاق غامر لا يستطيع أن ينفك من خدره إلا بعد ثماني ساعات أو أقل قليلًا.

القبسات النبوية تبهت السراب: بالنظر إلى القبسات المضيئة التي تبهت بنورها هذه الأنوار الزائفة، تلكم القبسات التي أشعلها لنا رسولنا الحبيب r، سوف نعرف الطريق بدون إرهاق أو حيرة.

وفي الحديث «كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْهَى عَنْ النوم قبلها والحديث بعدها». (صحيح -قال المنذري، وأخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه في أثناء حديث أبي برزة الطويل في المواقيت)

قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود) ينهى عن النوم قبلها): أي قبل صلاة العشاء لما فيه من خوف فوت الجماعة.

(والحديث بعدها): أي المحادثة بعدها لأنه: يؤدي إلى الإكثار، فيؤدي إلى تفويت قيام الليل بل صلاة الصبح أيضًا.

الآن أنا وأنت في حاجة إلى رفع الواقع الذي نحن عليه إليك هذا الجدول:

(قياس صلاة الفجر خلال الأسبوع الماضي) يفضل ملء الجدول أسبوعيًّا

صلاة الفجر 

6

5

4

3

2

1

0

جماعة بالمسجد

 

 

 

 

 

 

 

بالمنزل قبل الشروق

 

 

 

 

 

 

 

بعد طلوع الشمس 

 

 

 

 

 

 

 

مجموع الدرجات 

 

 

 

 

 

 

 

 

مفتاح الجدول حسب درجات (جماعة بالمسجد)

  • 7 درجات مستوى ممتاز تقبل الله منا ومنكم، إلى الأمام دائما.

  • من ٤ إلى ٦ مستوى معقول. داوم على المجاهدة.

  • من صفر إلى 3 دون المستوى.. اشحذ همتك السباق الميدان.

وأيا ما كان الأمر فإن القرآن يقرر حقيقة مهمة في قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ (فصلت: 35)

والماء لا يصعد إلى الأدوار العليا إلا بالمضخات والجهد العالي.

 وصلاة الفجر درة غالية وجوهرة ثمينة نريد أن نحصل عليها، وفي سبيل ذلك لا بد لنا من التسلح بالعديد من أدوات الجهاد في ميدان النفس والهوى والدنيا والشيطان.

فما تلك الأدوات التي يجب عليك اقتناؤها؟

إنها موضوعات ذات صلة بصلاة الفجر، فهيا قبل الوثوب إلى الميدان -نطمئن عليها فيما يلي:

الاطمئنان على أدوات الجهاد

 1-صدق النية: لا شك في صدقها عندك. لكن الذكرى تنفعك.

2-صناعة الرغبة: إن لم تكن موجودة لديك. أو كانت موجودة ولكنها فاترة.

 ولا تحتاج منك هذه الصناعة إلى أكثر من الدعاء والإلحاح مرات ومرات ومرات.. لله رب العالمين بأن يجعلك مقيم الصلاة.

3-التشوق القلبي: بمعنى أنه لا بد من توافر قدر كاف في قلبك من الشوق والحنين يدفعك إلى السباق نحو الحصول على هذه الدرة النفيسة

ولا مجال هنا لقلب متبلد جامد، لا يرق ولا يهتم فهذا -والعياذ بالله- له مواضع أخرى 

تهون علينا في المعالي نفوسنا             ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر

4-تحري المطعم الحلال: ليستجيب الله دعوتك وينبت لحمك من الحلال، كون الجنة

 أولى  به إن شاء الله تعالى، ومن تحري حلال تجنب الشبهات في التعامل مع الآخرين، في أوقات العمل وأدواته، وفي المعاملات التجارية، وليكن دعاؤك دائما اللهم باعد بيني وبين حرام كما باعدت بين المشرق والمغرب.

قال تعالى: ﴿وَلو أَرَادُواْ ٱلخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّة (التوبة:٤٦).

5-الدعاء اللحوح:

هو حقيقة العبادة كما نعرف، ودافع الضر بأمر الله، وجالب الخير بقدر الله، وللإلحاح فيه أمر عجيب لا يعرفه إلا من أكرم بكرم الكريم ولطف لطيف سبحانه وتعالى

٦-وردك القرآني:

لتداوم الصلة بالملأ الأعلى بالحق الذي ما دونه باطل.

لتهيئ كلمات القرآن قلبك فتدفعه إلى الوقوف في المحراب، وجفاء المضجع.

لينبعث النور من بين ثناياك، ويشع من قلبك يختلط به لحمك وعظمك ودمك.

لتعرف دستورك الذي لا يصح أن تتبنى الدعوة إليه من دون العلم به.

7-الذكر والاستغفار:

ليذكرك الله، وليس شرف أكبر من ذلك ليقوم عليك حارس من الملائكة.

لتدخل في الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.

لتغسل أوضارك التي طالما تراكمت وتمسكت بالقلب مرة بعد مرة.

لتجلو السواد الذي يحجب عنك النور، فقد آن الأوان ولا وقت للتراجع.

لا يعرف الشوق إلا من يكابده         ولا الصبابة إلا من يعانيها

8-صلوات النهار:

بدهي أن الذي يحزن لفوات صلاة الفجر سبب تعبه وإرهاقه ونومه وثقله.. يسارع ويرابط في الجماعات والصفوف الأولى لصلوات النهار.. فهذا من تقوى الله في اليقظة التي يمنحك الله بها العون عند نومك وضعفك.

ولا يغيب عن ذهنك أيضا أن السنن الرواتب (٢١ ركعة) وصلاة الضحى والوتر لها من الآثار المعينة بأمر الله تعالى في تهيئتك للوصول والفوز صلاة الفجر

9-خل الذنوب:

لتكن صفحتك بيضاء ناصعة مهيأة لتشرب النور وإنبات الزرع وجني الثمر بدون كبير جهد ولا معاناة مخاض.

اقرأ معي قول الله تعالى من سورة الرعد: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآء فَسَالَت أَودِيَة بِقَدَرِهَا فَٱحتَمَلَ ٱلسَّيلُ زَبَدا رَّابِيا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبتِغَآءَ حِليَةٍ أَو مَتَٰعٖ زَبَد مِّثلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلحَقَّ وَٱلبَٰطِل فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَآء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمكُثُ فِي ٱلأَرض كَذَٰلِكَ يَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمثَالَ (الرعد:17).

ربما تساءلت: ما صلة هذه الآية بالموضوع؟

إذا رجعت إلى كتب التفاسير سوف تجد أن الله تعالى قد ضرب مثلًا للقلوب التي تستقبل هدي السماء بشتى أنواعها، فمن هذه القلوب ما يتشرب النور بسهولة فيمسك الماء وينبت الزرع ويخرج الثمر، ومنها ما دون ذلك مما أشار إليه حديث النبي الكريم rفي قوله: «إن مثل ما بعثني الله به عز وجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غيث أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةً قَبِلَتْ الماء فَأَنبَتَتْ الكَلأ والعشب الكثير، وَكَانَ مِنْهَا ما أمسكت الماء فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وسقوا ورعوا، وأصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِي قيعان لا تُمْسِكُ مَاءً ولا تنبت كلاً، فَذَلِكَ مَثَلُ من فقه في دين الله وَبِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ومثل من لم يرفع بذلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذي أرسلت به» (متفق عليه).

أيضًا: ما أجمل غض البصر، وإمساك اللسان إلا عن ذكر الله، وشغل الجنان إلا بحب الله.. وما أجمل استحضار معية الله تعالى على الدوام: قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدِينِ (الشعراء:62)

بعد الحصول على أدوات الجهاد: عليك أن تتثبت من توافرها معك سليمة فعالة.. وذلك بالجدول التالي:

جدول يقيس مدى توافر العناصر ذات الصلة بصلاة الفجر

العنصر

                              مدى توافره             

 

دائما 10

غالبا 7.5

احيانًا5

نادرًا2.5

صدق النية 

 

 

 

 

صناعة الرغبة 

 

 

 

 

التشوق القلبي

 

 

 

 

تحرى المطعم الحلال 

 

 

 

 

الدعاء اللحوح 

 

 

 

 

وردك القرآني 

 

 

 

 

صلوت النهار  

 

 

 

 

خل الذنوب 

 

 

 

 

المجموع 

90

67.5

45

22.5

     

6

مفتاح الجدول: 

-من ٢٢.٥ إلى ٤٤ أدوات المجاهدة قليلة عليك تعزيزها. 

-من ٤٥ إلى ٦٧ أدوات المجاهدة معقولة ويفضل تعزيزها.

-من ٦٧.٥ إلى ٩٠ أدوات المجاهدة كافية حافظ عليها.

كيف تقتل الأفكار الإبداعية في مؤسستك؟!

مهيوب خضر محمود

إليك عشرة طرق مجربة وموثوقًا بها يمكنك الاعتماد عليها من أجل قتل الأفكار الإبداعية لدى موظفيك.. ويمكنك أن تلجأ لإحداها عند الضرورة بحيث تقول للموظف عندما يطرح عليك فكرته:

1-إنها مخالفة لسياسة المؤسسة.

2-لا تتناسب مع نظام العمل.

3-لا يمكن الموافقة عليها.

4-التوقيت غير مناسب.

5-لم تجرب من قبل.

6-إنها فكرة عامة وغير محددة.

7-نحن غير جاهزين لهذا الأمر.

8-سوف أفكر فيها..

9-اكتب الفكرة خطيًّا، وأرجعها إلي.

١٠-دعنا نشكل لجنة.

والواقع أن الأفكار متنوعة وكثيرة، وقد تساوي الواحدة قيمة جوهرة نفيسة، ويعتمد الأمر في النهاية عليك في تقدير قيمتها.

لكن تذكر أنك عندما تقتل فكرة أحد موظفيك، فإنك تقتل جزءًا منه أيضًا.

وعليك أن تعلم أنه ليس أسهل من قتل فكرة إبداعية في عقل مغلق، تمامًا كما هو حال شمعة مضيئة داخل إناء مغلق، فبعد ثوان من انتهاء كمية الأوكسجين في الإناء يكون مصير الشعلة الموت.

وإذا بقي العقل مغلقًا انعدمت القدرة على التعرف أو التمييز بين الأفكار الإبداعية من غيرها. تذكر قصة أن أحد الملوك -قديمًا- طلب منه أن يميز بين باقة ورد طبيعية وأخرى صناعية دون استخدام حاسة الشم أو اللمس وفي ظل جمال الباقتين وتشابههما؛ ازدادت حيرة الملك في البحث عن الحل.

في بداية الأمر حصر تفكيره في إطار الغرفة التي فيها الباقة، فبقي يفكر ويحاول... إلى أن شعر بالعجز، ولكن في اللحظة التي وسع فيها دائرة تفكيره وأطلق له العنان سامحًا لبعض نفحات من الأوكسجين بالدخول إلى المكان وجد الحل!

اندفع مهرولًا نحو نافذة الغرفة ففتحها سامحًا لبعض إناث نحل الخلية الموجودة في حديقة القصر بالدخول إلى المكان، وبالطبع استقر النحل على باقة الورد الطبيعية، فكان هذا هو الحل!

الإرهاق.. السهر.. العمل.. المواعيد.. الزيارات والتلفاز: مكبلات تحول دون أدائها في وقتها.

الرسول القدوة (3)

علاء سعد حسن 

● اللجوء المطلق لله.. التدرج والموازنة بين أعباء القيادة وحقوق الأهل.. من صفاته صلى الله عليه وسلم.

● حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت حافلة بـ: الجهاد المستمر.. الزهد في الدنيا.. إيثار مصلحة الدعوة.. السماحة والعفو.

● لولا المرحلية الواقعية التي انتهجها الرسول وتدرجه في بناء الدولة لما قامت للإسلام قائمة

 ذكرنا في العدد الماضي أن الرسول r قد اتبع سياسة التفويض لأصحابه، ودربهم على أسلوب فريق العمل المتكامل، كما كانت الصدارة تبحث عنه، ولا يبحث عنها، وإذا أراد شيئًا أو أحبه استأذن فيه، ولم يجعله شرعًا. واليوم نكمل ذكر الصفات التي يجب أن يقتدي فيها الناس عامة، والدعاة: خاصة برسول الله r:

10-الموازنة بين الدعوة وأعباء القيادة وحقوق الأهل والزوجات: عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا وخياركم لنسائهم. وقال صلى الله عليه وسلم: ولقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم، ويقول: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي، ويقول: استوصوا بالنساء خيرًا.. وقالت عنه عائشة: كان رسول الله r ألين الناس، ضاحكًا باسمًا.. وأثر عنه قوله: خدمتك زوجتك صدقة، وتقول السيدة عائشة: كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة والمواقف والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى لكننا نكتفي منها بالقليل مثل: قسمه لزوجاته وخروجهن معه في الغزوات والأسفار، وفي غزوة تبوك خلف علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، وغمص عليه المنافقون، فخرج فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فرده إلى المدينة وقال له: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.. وفاؤه لخديجة وإكرامه صديقاتها، حلمه على عائشة لما غارت فكسرت الإناء وهو يقول: غارت أمكم.. غارت أمُّكم، وفي أبوته وحنانه وحبه لأولاده وأحفاده ورفقه بهم: رقته لزينب لما أرسلت القلادة ولما شفعت لزوجها، وكان يرق لفاطمة ويكنيها بأم أبيها، واستشعر يومًا خلافًا بينها وبين علي، فذهب يداعب عليًّا وهو نائم في التراب فقال له: قم يا أبا تراب، وخلف عثمان بن عفان عن بدر المرض ابنته رقية التي ماتت فيه ولما مات ابنه إبراهيم بكى عليه وقال إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولما كسفت الشمس في اليوم نفسه فظن الناس أنها كسفت حزنًا لموت إبراهيم فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد ولا لحياته، فأين هذا الرفق وتلك الرقة مما يقع في كثير من بيوتنا؟ إن الذين يحاولون طمس المشاعر الأبوية النبيلة بحجة التفرغ للعمل الدعوي، إما أنهم يخالفون ما تقدم من منهج رسول الله r، وإما أن قلوبهم حرمت الرحمة فلا يصبحون نماذج في ذلك، جاء أعرابي إلى رسول الله فرآه يقبل الحسن أو الحسين، فقال: أتقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟! وقبّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع ابن حابس التميمي فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فقال النبي: من لا يرحم لا يرحم، وكان rيدلع لسانه للحسن فيرى الصبي حمرة لسانه فيهيس (يسرع) إليه، وكان إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما، أشار إليهم أن دعوهما، وذلك في المسجد، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره، وقال: «من أحبني فليحب هذين».

١١-اللجوء المطلق إلى الله والتقشف والزهد والورع:

كان رسول الله أعبد الخلق لله وازهدهم لله وأخشاهم وأتقاهم لله: يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويسأل عن ذلك فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا. يصلي السنن الراتبة والنقل المطلق ويأمر بصلاة الضحى، ويصبح ويمسي على ذكر، لسانه رطب بذكر الله، يصوم نصف العام، يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء ويلح عليه حتى يسقط رداؤه ويشفق عليه أبو بكر رضي الله عنه يوم بدر، ويقنت على قتلة أصحابه في بئر معونة شهرًا يدعو عليهم في الصلاة، ويستغفر الله في يومه وليلته مائة مرة أو أكثر من سبعين مرة. قال ابن مسعود t دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نام على حصير وقد أثر على جنبه فقلت: يا رسول الله: لو اتخذنا لك وطاء تجعله بينك وبين الحصير يقيك منه؟ فقال: مالي والدنيا؟! ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. وعن أبي أمامة الأنصاري قال: ذكروا عند النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا، فقال: ألا تسمعون؟ ألا تسمعون!... إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان. وفي زهده قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على أم هانئ وكان جائعًا. فقال لها: أعندك طعام آكله؟ فقالت إن عندي لكسرًا يابسة وإني لأستحي أن أقدمها إليك، فقال هلميها، فكسرها في ماء وجاءته بملح، فقال ما من إدام؟ فقالت ما عندي إلا شيء من خل، فقال: هلميه، فلما جاءت به صبه على طعامه فأكل منه، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: نعم الإدام الخل يا أم هانئ لا يفقر بيت فيه خل، قال أنس: ما أعلم النبي رأى رغيفًا مرققًا، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط، وقالت عائشة: إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله نار، فقال لها عروة: ما كان يعيشكم؟

قالت: الأسودان، التمر والماء.

 هكذا كانت حياة حبيبنا المصطفى. فضلًا عن أنها كانت جهادًا مستمرًا فهي المنتهى في شظف العيش، وقلة اللين، والزهد في الدنيا، مع أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يفجر له نهرًا من أسفل بيته، لكن هكذا كان قلب إمام الدعاة معلقًا بما عند الله.

۱۲-السماحة والعفو وإيثار مصلحة الدعوة وهداية المدعوين على حظ النفس:

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء:107) وفي الحديث: «....فنظرت ذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال يا محمد: ذلك كما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -لفعلت-والأخشبان جبلان بمكة: أبو قبيس والذي يقابله وهو قيقعان -قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله U من أصلابهم من يعبد له U وحده لا يشرك به شيئًا» وما زالت قولته عند فتح مكة مدوية في  الزمن «اذهبوا فأنتم الطلقاء»..

وللدعاة أن يتوقفوا طويلا أمام هذا الخلق رفيع من رسول الله r، فليست دعوتنا إلى ناس بالقهر والقسر، ولم يبعثنا الله تعالى معسرين ولكن بعثنا مبشرين وميسرين، وعندما تغلق القلوب في وجه الدعاة، وتصم الآذان عن سماع أصواتهم، هل علينا أن نعلن الحرب الشعواء لقتل الناس؟ أم نقابلهم بطول الأمل في هداية الذرية، وحب الخير حتى للمجرمين الذين أساءوا وأهانوا وواجهوا النبي بالأذى، ما استحقوا أن يطبق عليهم الله تعالى الأخشبين؟

على الدعاة الذين يريدون أن ينطلقوا في الأرض، يدعون إلى دين الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم -إذن- أن يلينوا للناس، ويعفوا عنهم، ويدركوا كنه رسالته، فما هي إلا رحمة العالمين، أم أننا قساة لا دعاة، وغلاة لا هداة، منفرون لا مبشرون ومعسرون لا ميسرون؟

 ۱۳-الواقعية والمرحلية واتباع التدرج: 

 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم علي حق منذ أول يوم بي دعوته، ودينه الذي نزل عليه منذ كلفه الله مالي بالنبوة في غار حراء هو الدين، والإسلام هو الإسلام لما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته سرًّا، كان هو الإسلام نفسه لما بدأ بالجهر بالدعوة مع سرية التنظيم، وكان هو الإسلام نفسه لما أعلنت المرحلة الجهرية الثانية بإسلام الحمزة، وعمر بن الخطاب، وكذلك كان الإسلام يوم كانت المرأة (السيدة سمية رضي الله عنها) عذب، ولا يزيد الرسول r على أن يقول:

صبرا آل ياسر.. إن موعدكم الجنة، وكان هو الإسلام لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت: لكنكم قوم تستعجلون، وهو الإسلام نفسه الذي خرج أهله مستضعفين يبحثون عن أرض جديدة لدعوتهم، ثم يهاجر النبي r ويعز الله الدين وتقوم دولة الإسلام في الأرض وينطلق المسلمون مجاهدين، حتى يقتل المسلم اليهودي لكشفه عورة المرأة المسلمة، وكانت من قبل تنتهك حرمة المسلمة في مكة، فتعذب سمية وتقتل، وتلطم أسماء على وجهها،  والمسلمون صابرون.

بل كان المسلمون يطوفون بالكعبة وحولها الأصنام، وبجوارها صاحبات الرايات الحمر، حتى عاد الإسلام ليفتح مكة ويهدم الأوثان، وينتشر في الجزيرة كلها: ثم يقرر النبي: «اليوم نغزوهم ولا يغزوننا.. نحن نسير إليهم... لا يجتمع في جزيرة العرب دينان»، فلولا المرحلية الواقعية التي انتهجها رسول الله. ولولا تدرجه في بناء الدولة على أسس سليمة، ما قامت للإسلام قائمة، ومن ينظر إلى الحديث: نغزوهم ولا يغزوننا، يراه فيه -يقرر واقعًا، ويعلمنا كيف نفهم فقه الواقع، فنأخذ القدوة في وقت العزة: شجاعة وجهادًا وإقبالاً. والقدوة في وقت الاستضعاف حكمة وقدرة فائقة على ضبط النفس، وصبر على الأذى، والذين يتعجلون الطريق فيريدون أن يقتدوا برسول الله الفاتح المنتصر قبل أن يقتدوا به في ليل المحنة الطويل وهو يعاني في الحصار الاقتصادي، وأصناف الأذى، فتكسر رباعيته، وتشج رأسه، ويرمى بالحجر، ويوصف بالجنون، ويضرب أتباعه بالسياط، وهو صابر محتسب،  فإما أنهم حالمون أو واهمون، والذين يسقطون مواقفه في وضع العزة والتمكين على ظرف الاستضعاف الذي تعيشه الأمة فإنهم بذلك ينكرون المرحلية ويتغافلون عن الواقع، ويعرضون الدين لمواجهة قاسية، والذين يسقطون مواقفه في زمن المحنة على مواقف تكون فيها الأمة عزيزة قادرة على الدفع والمواجهة، يجردون الدين من قوته والجهاد الإسلامي من مضمونه.

يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «إن الشريعة تعبدتنا بالوسائل كما تعبدتنا بالغايات، فليس لك أن تسلك إلى الغاية التي شرعها الله لك إلا الطريق التي جعلها الله وسيلة إليها، وللحكمة والسياسة الشرعية معانٍ معتبرة، ولكن في حدود هذه الوسائل المشروعة فقط... ومن الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل العمل الدعوي، أو من أجل تفادي الماسي، بل السر إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس وأفكارهم، ومعنى هذا أنه إذا اختلفت الأحوال وقامت عثرات الصد والعناد دون سبيل الدعوة، فإن الحكمة حينئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد والتضحية بالنفس والمال، إذ الحكمة هي أن تضع الشيء في مكانه».

الابتلاء.. سنة الله التي يؤدب بها عباده

عبد الله بن محمد القاضي

Meu123@ayna.com

الابتلاء سنة الله التي قدرها على الأمم والشعوب والأفراد، لرفع الدرجات، وتكفير السيئات.. كما يؤدب به الرب U بعض عباده ليعودوا إلى الحق والصواب، وليسارعوا إلى معرفة الله، ومعرفة رسوله، وترك المنكرات والمعاصي. والابتلاء اختبار من الخالق U للعبد، بعد أن منحه حرية الاختيار بين الشكر والكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان: 3). فالله تعالى قد هداه إلى الشكر وهو طاعته فيما أمر، وطاعة رسوله الله، ولكن الإنسان بعد إذ هداه الله وأبَى إلا الضلال، أو الكفر، فإن الله تبارك وتعالى ينزل عليه البلاء، ليعود إلى الجادة والصواب، وحتى لا يقع على أم رأسه في هاوية الغواية والضلالة، وأنواع البلاء شتي، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة: ١٥٥)، وهذا الخطاب إلى الإنسان المسلم أو المؤمن، 

ونلاحظ أنه قال -عز من قائل- ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ لأنه جل شأنه منزه عن الشر المطلق، إنما يبتلي عباده بجزء أو شيء من ذلك البلاء: رحمة بهم وتطهيرًا لهم وتكفيرًا لسيئاتهم، ورفعًا لدرجاتهم، حتى إن المؤمن قوي الإيمان، ليصبر على البلاء في نفسه وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، بخلاف المنافق، الذي يعترض على الله، وقد يتهم الله في حكمته وكماله وجلاله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

والأمر هكذا، فإن سنن الله باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن سلم منها اليوم فلن يسلم منها غدًا، والسعيد من اتعظ بغيره، وحال الأمة الإسلامية اليوم شاهد على ما تحقق من وعد الله وما لم يتحقق بعد، فإذا اكتملت الشروط وأهمها المجاهرة والمبارزة لله ورسوله، أتى وعد الله لا محالة، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ومن حسن حظ أمة محمد أن الله لا يسلط عليهم عدوًا من غير أنفسهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

110

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 73)

نشر في العدد 82

138

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 247

101

الثلاثاء 29-أبريل-1975

ألا سَحقاً للمثبطين