العنوان طريق الاستقامة
الكاتب جاسم المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981
مشاهدات 61
نشر في العدد 534
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 30-يونيو-1981
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ. وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: 112: 115)
ما أجمل ما أرشد إليه الحبيب- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر- رضي الله عنه- قال: كنا جلوسًا عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فخط بيده في الأرض خطًا- هكذا- فقال: «هذا سبيل الله، وخط خطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: هذه سبل الشيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط» ثم تلا هذه الآية:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:153)
أخي الحبيب.. كان آخر ما تواصينا به في اللقاء الماضي هو أن يحرص المسلم على زاد الطريق، فأقول وبالله التوفيق: إن هذه الآيات بيان واضح يلقي في النفس أن سنة الله ماضية على استقامتها في خلقه وفي دينه وفي وعده وفي وعيده.
وإذن، فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم- كما أمروا- لا يفعلون في الدين ولا يزيدون فيه، ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم، ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق، ثم يتزودون بزاد الطريق، ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد، والاستقامة: الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف، وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلًا أو كثيرًا.. ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة.
وإنه لما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة، لم يكن نهيًا عن التصور والتقصير، إنما كان نهيًا عن الطغيان والمجاوزة.. وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر، والله يريد دينه كما أنزله ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير.
وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة، لإمساك النفوس على الصراط، بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء(1) ولقيمة هذا الأمر يذكر القرطبي في تفسيره فيقول: والاستقامة :الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، أي فاستقم على امتثال أمر الله.
وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك قال: «قل آمنت بالله ثم استقم». وروى الدارمي أبومحمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: أوصني! فقال: «نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع» (۲). لذلك كان من حسن التقدير والإدراك لهذا الأمر ألا يركن المسلم إلى الذين ظلموا أنفسهم فجاءت الآية توضح ذلك وتبين ما يعين الأخ في طريق الاستقامة:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود:113)، أي لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا إلى الجبارين الطغاة الظالمين. أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبدونهم لغير الله من العبيد.. لا تركنوا إليهم فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الذي يزاولونه(3).
وكما قال الإمام القرطبي إن الآية دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال حكيم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي(4)
لذلك كان السلف- رضوان الله عليهم- حريصين كل الحرص على تخير الجليس الصالح والرفقة الصالحة وتجنب أهل الفسق ومجالستهم لما فيها من صد عن سبيل الله، وقد رأى بعض الصالحين رجلًا عالمًا يخرج من دار يحيى بن خالد البرمكي، فقال: «أعوذ بالله من علم لا ينفع، ألم ير المنكرات ولا ينكر ويتناول من طعامهم الذي لا يكاد يحصل إلا بظلم فينطمس قلبه، ويحرم لذة المعاملة للحق- سبحانه، ولا يقدر له أن يهتدي به أحد؟ بل ربما كان فعله هذا سببًا لإضلال الناس في الاقتداء به، فهو يؤذي نفسه ويؤذي أميره؛ لأنه يقول لولا أني على صواب ما صحبني هذا وما أنكر علي، ويؤذي العوام تارة بأن يروا أن ما فيه الأمير صواب وأن الدخول والسكوت عن الإنكار جائز، ويحبب إليهم الدنيا، ولا خير والله في سعة من الدنيا ضيقت طريق الآخرة(5).
فاقبل نصحي، واقنع بالكسرة وابعد عن أرباب الدنيا، فإن لك صحبة موصولة بالله، وإخوانا ودعوا الدنيا وهم بانتظارك، وقد قال- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري ومسلم: «المرء مع من أحب».
وقد أنار لنا الفاروق في هذا الطريق نورًا فاحرص على الاستضاءة منه عندما قال: «ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرًا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم ودًا من أخيه فليتمسك به».
فالصبر الصبر على شظف العيش والبعد عن أرباب الهوى، فما يتم دين إلا بذلك ومتى وقع الترخص حمل إلى غيره، كالشاطئ إلى اللجة، وإنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس ووجه أصبح من وجه وإنما هي أيام يسيرة (6) فاستقم كما أمرت، وإلى نور آخر يعيننا في طريق الاستقامة.
الشيطان على الطريق
أخي الحبيب.. أما وقد مضيت، وشمرت وارتقيت، وحرصت على العمل دون تردد.. فذاك نور لك في هذا الطريق، لا غنى عنه أبدًا، وهي تذكرة لك ولمن سار معك، يقول الحبيب- صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة». (صحيح الجامع الصغير– ١٦٤٨).
فاعلم حفظك الله أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه ففي الصحيح عن النبي- صلى الله عليه وسلم: «إن شيطانًا تفلت علي البارحة، فأراد أن يقطع علي صلاتي... الحديث» وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر. (7)
لذلك فالإنسان أول ما يضع رجله على طريق الإسلام ويبدأ أول مراحله الالتزام والطاعة والخضوع الله يقف له بالجانب الآخر الشيطان ليبدأ مرحلته الأولى في صده عن هذا الخير كما هو واضح في الحديث.. فيذكره بماضيه وحياته السابقة، ونظام حياته الذي تربى عليه وورثه من آبائه وآباء آبائه الذين صقلتهم التجارب وعرفوا الطريق وحسن التصرف من قبل أن يولد فيقول له: «تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك». .....
وهكذا، إن أطاعه ضل وهلك، وإن عصاه فقد فاز ونجا، ولكن هل يكتفي الشيطان بذلك؟ وهو الذي أخذ على نفسه عهدًا بأن لا يترك هذا الإنسان مادامت روحه في جسده وهنا يأتيه من جانب الهجرة.. فيذكره بعظم هذا الأمر، وأن الهجرة معناها الالتزام التام إلى من تبايع مادام العمل لله.. فيبين له حقيقة هذه الهجرة.. لمن يعي قيمة هذا العمل، فيشبهه بالفرس المربوط الذي لا يستطيع أن ينطلق بحرية، فهي إذن تقييد لحريتك، فتصبح أيها الإنسان بعد ذلك لا حول لك ولا قوة، هذا بجانب أنك ستترك المجالس الكثيرة التي كنت تتردد عليها، وأماكن اللهو ومن تربطك بهم مصالح هذه الأرض وما عليها.
فإن أطاعه واكتفى بإسلام «العجائز» وظن أنه بخير وعاش لنفسه كان من السهل الانقضاض عليه، كما قال- صلى الله عليه وسلم: «فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد(8).
وإن عصاه عاش لنفسه ولغيره، فهو مع الجماعة، وإن «يد الله على الجماعة» يتغذى بما كان عليه أصحاب رسول الله فتفتح له أبواب الخير، فينطلق ليضع نفسه وماله في سبيل الله، وهنا يأتيه الشيطان، ليبدأ آخر محاولاته، وقد تدرج ذلك الإنسان من مرتبة إلى أخرى حتى أصبح في حال هانت عليه نفسه وماله، فهو يعلم أن الأمر كله الله، فيقف أمامه الشيطان وقد خاب في صده عن الإسلام، وهو يتمنى أن يبقى بإسلامه ولا يصل لمراتب المهاجر الذي ملك عليه الأمر، فهو في اشتياق دائم وعطاء مستمر، وهمة عالية.. أما وقد وقع ما يكره الشيطان فهو يقعد الآن في طريق الجهاد.. ليحدث النفس بأضعف جوانبها فيقول: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال، فإن عصاه بعد ذلك فقد أغلق آخر باب من أبواب الشيطان وفاز بقوله- صلى الله عليه وسلم: «فمن فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة».
أخي الحبيب.. إن عرفت مقصدي فاعلم بأنك على باب من أبواب الخير، فلا تدع للشيطان سبيلًا واحرص على زاد الطريق.
(1) في ظلال القرآن: 4/1931 (الشروق).
(2) القرطبي: 4/ 3335 (درا الشعب).
(3) تربية الأولاد في الإسلام: 94/ 118 باختصار.
(4) الظلال: 4/ 1931.
(5) تفسير القرطبي: 4/ 3336 (دار الشعب).
(6، 7) صيد الخاطر: 3/ 537، 502 على التوالي.
(8) الترمذي جزء من حديث قال عنه الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب، وصحح صاحب تحفة الأحوذي 6/ 385.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل