; اذكروا.. سيدًا وإخوانه | مجلة المجتمع

العنوان اذكروا.. سيدًا وإخوانه

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1974

مشاهدات 111

نشر في العدد 193

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 26-مارس-1974

الأدب

اذكروا.. سيدًا وإخوانه

لكل عصر محنة، ولكل زمان إحنة، والناس منهم الطاحن، والآخر المطحون، والغلبة للحق إذا أخلص دعاته وصدقوا في نصرة حقهم، وإلا فالديدن للباطل ما دام قائمًا أتباعه على سدانته، حتى إذا نهض أنصار الحق من كبوتهم يقدمون الصدور السيوف، فإنهم بذلك يخطون في سفر الوجود عنوان مجد جديد.

وإذا ادلهم ليل الخطوب وأوشك الصبر على النفاد.. تبرق في نفوس أصحاب اليقين بروق الأمل، فهم القلة الصابرة المؤمنة التي لا تزعزعها النكبات، ولا تهد من عزمها عوادي الليل والنهار، وهم الذين ينيرون السبيل للسالكين من خلفهم ممن لم يلحقوا بركب الإيمان.. وينيروا في صدور العالمين معاني الصبر الجميل والأمل الممدود للإنسان الفاني.. والسير دون كلال أو وهن.

يا شعب مصر:

لك الله يا شعب مصر الحبيب.. فكم عانيت وكم قاسيت.. وكم مرت بك ليال سوداء معتمة فاحتملتها صابرًا، انتظرت إصباحاتها الجميلة، حتى إذا هبت رياح الإيمان على قوم فأنعشتهم مرورًا عليك الريح فنفخت في أوصالك عزة، فأنهضتك، فإذا أنت مارد يحطم كل طاغوت وجبار.. وإذا أنت تدوس المطامع وتهلك الأفاعي وتقضي على الأحقاد!!

في ليالي الظلم والعسف والجور التي مرت بك فاكتويت بنارها.. وأثخنتك جراحاتها.. هل قدح في ذهنك قادح أنك مقهور نيل منك في كل بضعة من كرامتك وشرفك وعزتك.. وأرادوا أبعد من ذلك فخسئوا، وردوا على أعقابهم؛ لأنك احتفظت بعقيدتك فعوضت لك هذه العقيدة كل ما آلمك وأحزنك.. ورددت ذلك القدح إلى قوة نابعة من صميم العقيدة أن كل شيء دونها زيف وهراء!

إن الدجنات التي شملتك ردحًا من الزمن كانت كسحاب مرکوم هبت عليه ريح عاتية فقشعته، فإذا هو أمامها مسوق كالفار من ميدان معركة رهيبة، وإذا السماء صافية رقراقة تلمع في قبتها النجوم ضاحكة مستبشرة، وإذا أنت في وضعك كمثل هذا الذي مر.. تهب في صدرك أعاصير اليقين، فتقلب كل وضع مهزوم.. نامت عليه عصور الخوف والتملق والتناوم والطمع..

إن مثلك يا شعب مصر تحمل ما تحمل منذ إطلالة التاريخ على واديك النضر، ليبعث في النفوس نشوة ما بعدها نشوة.. لماذا؟ نعم لماذا؟ وهنا يرد الجواب كأسهل ما ورد السؤال، فهذه العبودية التي كبلتك بحديدها وصبت عليك سياطها دهرًا، ثم نارها زمنًا.. عادت مقطعة السياط.. متهالكة النيران.. خامدة الأنفاس؛ لأن الحق الذي بذر في دمك لم تكن لتهزمه قوة.. كيف تهزمه قوة أرضية ضعيفة وأنت تردد:

النمل لا يخشى سليمانا إذا                     حرست قواه عناية الرحمن

نعم.. أيها الشعب الحبيب.. إن ما عانيته في القديم يوم رضخت ذلك الرءوس بعقولها للحجارة، هي التي أملت للذين يبنون أمجادهم على أنقاض الناس أن يخضعوها لأسلوب متطور من العبودية في فترات مختلفة، فهل كان يقوم في مكان مرتفع.. وحمل إلى قمة جبل.. وعابدوه يصرخون «اعل هبل.. اعل هبل»، لكن صوت الحق ينطلق من بطن الجبل يرد لتردد الأكوان معه «الله أعلى وأجل»، ويتهافت هبل.. فإذا هو جذاذ حطمته فأس من حديد.. حملته ذراع مؤمنة.. «صرخت: الله أعلى وأجل»!

لكن نعاود السؤال: هل بقيت في دمك رواسب الذل يوم أن كان جهدك يسخر لشهوة طاغية؟

ودلل التاريخ أن من ترسبت في دمائهم هذه الرواسب هم الذين يريدون الاستعلاء في عصر ماتت فيه كل أهازيج العبودية الماضية.. وأصبح الإنسان ينظر بعين عقله ويقينه..

أما أنت.. أيها الشعب الطيب، فقد كتب عليك أن تذوق المرارة.. لتستمرئها.. وكنت لذلك كارهًا فأرغموك تجرعها لأنهم يفهمون أن الشراب ما خلقت إلا للكأس!!

فهل كسرت الكأس؟ هل وجد فيك من جعل هذه الكأس فتاتًا؟ أم تصبرت كلك وتجرعتها حتى الثمالة؟ لا داعي لأن تعصر ذهنك لتستخرج الإجابة.. فالشمس لكل ذي عينين مشرقة، وإنكار إشراقها للمرضى والأغبياء والأدعياء!!

ولننظر معك جزءًا من كفاحك المشرف في فترة عاتية من أيامك الغر..

فيوم أن هبت الأصنام ونفخ فيها من قبل الصور.. استشرفت الوادي فألفته محني الظهر للأرض يعزقها ويبذر الحب مع الحب.. فغاظها أن يكون منك ذلك العزم البسام..

ونفخ الشيطان في روع «الطاغوت» أن هذا المعامل عبد.. لك التحكم فيه فانتشى غروره حتى خال نفسه قد ارتفع من الأرض، فلم يعد من البشر.. وبدا له أن يحرق كل فرس ويغلق عليك كل باب.. لتجد نفسك في طاعة أنت مرغم عليها.. قهقه الشيطان حتى ضجت منه المجامع والمجالس.. ورنت قهقهته في صدره، فإذا بالدنيا مكان لا يتسع له.. فليجرب سلطانه إذن!!

وباشر الطاغوت عمله.. فضيق الخناق، وأغلق الأبواب، وصادر الحرية، وفعل الأفاعيل.. وبقي أمام عقيدتك واجفًا فرقًا.. لا يملك إلا أن يكسر عزة النفس، وما هي بمنكسرة، ويطعن في الخلق والشرف والكرامة، ولكن كل هذا ما كان ليوصله إلى هدفه.. وظل جزعًا يخافك أن تصحو فتقلب موازينه.. وينتهي طغيانه!!

والطاغوت هو الطاغوت.. لا يتغير في كل عصر ومصر.. ولكن تختلف الأشكال والصور، وتتغير الأدوات والوسائل.. إذ لكل زمان أداته وصورته.

وانبعث من أعماقك -أيها الشعب النبيل- دوي رج المصر كله.. وزلزل عرش هبل فأدار عينيه، فإذا الحناجر تترجم عما في القلوب.. وإذا الأعمال تصدق الأقوال.. وإذا البلد شعلة من نور الإيمان وحسر الشيطان ثوبه غضبًا.. فماذا يصنع وصوت الرحمن وكلماته يرددها الصوت المؤمن على الأرض، ووعى الغافل أن مسيرة عمرو بن العاص قد جاءت وأن أشخاص الفاتحين الأولين عادت للحياة، وأن صلاح الدين ينظم رجاله ليصرع البغي.. فثار الدم في رأس «هبل» وأعد نـاره وكل عتاده الدنيوي وما يملك من آلات وأدوات لم تصنعها أيد أصيلة.. وأعدها ليسلخ جلود الذين قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (فصلت: ٣٠). أعد عدته للذين كانوا ينشدون: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: ٨)، ويهتفون مع الداعي:

توحيدك الأعلى جعلنا نقشه                نورًا يضيء بصبحه الأزمانا

ويرفعون شعارهم:

ومن الذي بذل الحياة رخيصة                  ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

هنالك علم أن بواره وخسارة يأتي من هذه القلوب العامرة.. وأن مصيره لن يكون خيرًا من مصير سلفه أو أسلافه منذ بدء التاريخ في الوادي.. أو في كل أرض نبت فيها شيطان مثله.. فسعى وبنى حضارته، سجونًا رهيبة ومعتقلات فاقت الوصف، وزج بالأبرياء فيها مساء حتى إذا جاء الصباح كان الداخل في المساء إلى السجن الرهيب يحتويه «دفتر الموت الملون».. وأعطى لأشياعه حرية «قص الأجنحة» لمنع من تبقى من الطيران، ونسي أن الطيور تسمو بفطرتها إلى الطيران وإن قصت أجنحتها!

وكما ينسل الداء إلى البدن.. أراد «هبل» أن يوهم الشعب الفتي أن الطريق بين، فإما تقديم الطاعات والقرابين، وإلا فاليوم الأسود بين جدران أربعة.. لا مجال فيها لنفس يتردد!

وانطلت الخدعة على فريق، ورأى أن من المصلحة أن يكون الصمت أولى.. فرددوا الشعارات.. وهتفوا من الأعماق يدفعهم ملاق وخوف.. حتى إذا تمزق الظلام.. حملوا معاولهم وجاءوا بالبشرى أن ليل المعاناة انتهى، وأطلقوا لأفكارهم الأعنة، وبدءوا عهدًا.. هو عهد نور وانقشاع ظلمة.. فضاق الأوفياء لهذا التبدل المشين..

لكن.. ثمة نقطة تبقى في الأذهان عالقة لا تغادرها.. ألا وهي أولئك الذين لم يتلونوا عندما تلون هؤلاء، ومع هذا فأصحاب الألوان الخادعة يعودون الآن ليكتبوا في سفر الفجر الجديد سطور إنكار لما مضى وهجوم... فهل يصدق الكاذب.. المرائي؟ وهل يصدقه النادم إزاء تفريطه فيما مضى؟!

هنا تبقى الكلمة أيها الشعب الذي قهرت.. هنا لك الحق أن تدلي بشهادتك في محكمة عدل لا تجور.

أليس الذين أعلنوا -منذ البداية- أن الطريق واضح هم الذين يستحقون الحياة؟!

أليس الذين تحملوا في سبيل عقيدتهم كل صنوف العذاب.. أولى بالموالاة والاتباع؟!

أليس الذين هزئوا بالطاغوت من أول يوم وكشفوه أهدى من الذين يحفرون تاريخًا ومجدًا مزيفين؟!

أليس الذين قالوا منذ أول يوم:

ومن يك يومه في العيش يأسًا                        فما غده سوى يوم العذاب

أيها الشعب:

أنت مطالب الآن بأن تراجع أوراقك من جديد، وتذكر أولئك الذين:

سكبوا الليالي في أنين دموعهم                    وتوضئوا بمدامع الأشــــواق

والشمس كانت من ضياء وجوههم             تهدى الصباح طلائع الإشراق

نعم.. تذكر الذين قدموا أرواحهم لكي تعيش.. قتلوا حرياتهم لكي تفزع إلـى استخلاص حريتك.. أنت مطالب أيها الشعب الوفي.. بالوفاء لمن حفظوا الديار في عز المحن، وقادوا الفكر في ساعة العسرة.. أن تذكرهم الآن، فإنك تؤدي حق ضميرك عليك.

لیست دماء حسن البنا، ولا سيد قطب وإخوانه، ولا كل الشرفاء الذين رفضوا الركوع لغير الواحد الأحد إلا ليعلموا من لم يكن يعلم أن الإنسان خلق ليعبد الله في حياة ملؤها الإعزاز والتكريم؛ لا تقديم القرابين للجبارين يمتصون الدماء، ويقذفون بالجيفة في بحر لا ساحل له!

أنت -أيها الشعب- لك الآن أن تقتلع الأقلام من بين أصابع المتزلفين، فإن النقاء يرفض أن يصاحبه غناء، وإن الطهر يمقت الدنس، وليتكلم أصحاب الحق الحقيقي ممن تنطوي حناياهم عن معاصرة لكل ما هب على الأمة من زعازع الخوف والدمار والهلاك.. الذين رفعوا رءوسهم بإباء وشمم وبكل تحد ورفعه إلى الأعالي.. إلى بارئ الخلق والنسم يستمدونه العون والنصر للأمة المغلوبة على أمرها..

إن الكلمة الحقيقية التي يجب أن تقال هي تلك الدماء الطاهرة التي أهرقت تحت شجرة الإيمان، التي تمتد فروعها الآن إلى القلوب الطبية.. لتعلن من جديد فتح رئتيها للهواء النقي ليشفي ما في الصدور.

وقفة مجيدة وسؤال قضائي يوجه لسدنة الظلم وأشياعهم.. يوجه لكل من تلوثت أيديهم باضطهاد المخلصين المؤمنين.. السؤال الكبير الذي لكم أن تقولوه انتصارًا للحق وتبرئة للذمة بعد ليل السكوت الطويل، فاصرخوا فيهم وقولوا:

فأين أئمة وجنود صدق                          تهاب شباة عزمهم الحراب

إذا صنعوا فصنعهم المعالي                 وإن قالوا فقولهم الصواب

مرادهم الإله فلا رياء                       ونهجهم اليقين فلا ارتياب

لأمتهم وللأوطان عاشوا                   فليس لهم إلى الدنيـا طــــلاب

قولوا لهم: نعم، لو كان لهم طلاب إلى الدنيا لنافقوا أو لمالئوا، ولكن الحق لا يعيش ويثمر إلا إذا سارت أمامه كوكبة الشهداء.

أحمد يوسف

الرابط المختصر :