العنوان دموع فابتسام
الكاتب عبير الطنطاوى
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989
مشاهدات 73
نشر في العدد 927
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 08-أغسطس-1989
دع ابنتك تجرب الحياة تخرج إلى نواديها
وإلى السينما والمتنزهات... تخلع ما يعوقها من حجاب على الرأس تلبس ما تريده دور
الأزياء العالمية في باريس وغيرها... تضع العطور من أفخم المحلات... دعها ترى
الدنيا بعين صبية... وابنك ذو السبعة عشر ربيعًا دعه مع من يحب من رفاقه لا تضيق
عليه... إنه في ريعان شبابه فليصادق من يهوى ويتأخر ليله ولا توقظ له نهاره...
غدًا يكبر و يرعى مسؤولياته، أما زوجتك فاتركها تعش كجاراتها حفلات أنس وسهرات سمر
عارمة بأزياء جميلة... دعها من ذلك الذي يسمى حجابًا إنه تخلف وعودة بالمجتمع إلى
الوراء إلى عصور الحريم وركوب الحمير للسفر، نحن الآن في عصر المساواة والحرية
والكمبيوتر والطائرات... شبه صديقه سمير هذا بالماء الشفاف الذي يجعل الفرد يتجاهل
مسحه وتنشيفه فتتسخ الأرض بدلًا من أن تتنظف... وأما الصديق الآخر «عمار» فكان
يحثه دائمًا على المحافظة على بيته فيقول له: اسمع يا صديقي... إن ابنتك كابنتي
تمامًا، وأرجو أن تتعلم حب الله والوالدين والدين، يجب أن تتعلم القرآن في هذه
السن لأنها كلما كبرت كبرت معها مشاكلها ومشاريعها في الحياة وضاع عقلها وتشتت
فراغها في أعمال أخرى، اجعلها تعرف طريقها بما تقدم لها من زاد فكري إسلامي خير،
بدلًا من تلك الحكايات والقصص الفارغة التي تمسخ شخصيتها، وتخدش حياءها، وتبلبل
مشاعرها...
وابنك يا عبد العزيز اجعله رجلًا يدرس
ويكمل دراسته ثم يعمل ويعمل ويدخل مضمار حياة الرجال كأقوى ما يكون الرجال... مزق
مجلات الدعارة في غرفته... انزع عن جدران حجرته تلك الصور للممثلات والمطربات...
خذ منه أفلام الفيديو التافهة... أفلام الروك والديسكو... وزوجتك تلك الأم المصون
المحصنة صاحبة بيتك سمعتها من سمعتك لا تدعها كطحالب خضراء في بحر عظيم يتقاذفها
الموج حيث يشاء... إنها ظلال الربيع وعبير الورد في بيتك، أعدها إلى صوابها...
لقد شبهه بالماء الملون الذي يشير إلى
الخطأ بسرعة والذي يهييء المجال لمسحه لتنظف الأرض ولا تتسخ أبدًا.
وفي لحظة ثار الحنق في صدره واشتعلت براكين
غضب في ذاكرته عندما كان يسمع ويرى ما لا يرضاه الله ولا العقل... وبغمضة عين
تغيرت ملامح الوجه السمح وهرع راكضًا نحو ابنته يناديها: استبرق..
وتأتي استبرق وتقف أمام أبيها في خفة ودلع،
انتزعا منه غضبه، غير أنه تمثل الحدة في كلامه قائلًا:
_ انزعي هذه الملابس وارتدي ملابس محتشمة..
ضحكت الفتاة ببراءة ولكن الوالد ثار بحنان:
_ نفذي أمر والدك يا بنت.
_ عندما تأتي ماما.
ويصرخ بها صرخة الأب الحريص المحب الخائف
على كنز ثمين يخشى عليه من الضياع، وهل أغلى من ابنته؟ فتبكي وتذهب لغرفتها...
فيلحق بها أبوها وبتصرف سريع منه يفتح دولابًا في ركن غرفتها يمزق جميع الرسائل
المرسلة إليها من شباب في مجتمع غريب باسم هواة المراسلة ثم يتلفت إلى ملابسها
الخلاعية فيمزقها إربًا... إربًا وهي تصرخ وتحاول أن تمنعه ولكن دون جدوى ثم يتركها
في غرفتها يشرب السرير دموعها.... وينتقل إلى غرفة ابنه الغافل عن الدنيا، الحالم
مع أغنية في شريط تسجيل لإحدى مطربات الروك يدخل عليه فيجده قد وضع قرطًا في أذنه
اقتداء بمطربه المحبب والسيشوار في يده وهو منهمك بلف شعره بالمشط الدوار وفي يده
أسورة وفي عنقه سلسال... وفي لحظة خاطفة أوقف المسجل وسحب الشريط المائع وشرع يمزق
الصور العارية التي تغطي جدران غرفته..
دهش الصبي وصرخ بوجه والده:
_ أبي ... أبي..
فيتلقى من والده صفعة أليمة جعلت الحلق
يتساقط من أذنه.
كانت الأم خارج البيت، وكانت ثورة الأب قد
هدأت بعد أن فعل ما فعل، وعندما حضرت الوالدة، كان عبد العزيز قد جلس إلى ولديه
وراح يحدثهما بهدوء، وكأن شيئا لم يكن، يشرح لهما سبب ثورته وخطورة الحال التي هم
عليها، خطورتها على أخلاقهما وعلى مستقبلهما وعلى الوطن والأمة التي يتربي أبناؤها
على الميوعة واللا مبالاة.
حضرت الوالدة ونظرت إليهم وهي تقول:
_ عبد العزيز جارتنا أحضرت لي هذه الهدايا القيمة.
نظر عبد العزيز إليها وقال:
_ ألم تفهمي ماذا فعلت؟ ولماذا؟
قالت له:
_ ملابس قيمة أغطية رأس وجلابيب لمختلف الأعمار أحضرتها لنا جارتنا من
مكة المكرمة... كنت أوصيتها على تلك الحاجيات.
نفخ عبد العزيز الشواظ الذي كان في داخله
وابتسم...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل