; العالمَانيون.. ماذا يريدون؟ | مجلة المجتمع

العنوان العالمَانيون.. ماذا يريدون؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 100

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 12-يناير-1988

تجتهد اليوم طوائف العلمانيين وأدعياؤها في النيل من الإسلام ودعاته، وتصيد الأخطاء والعثرات، وقلب الحقائق، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتي هي مما برع فيه يهود وعلموه الناس كما نشروا السحر والفساد من قبل. فمن هم هؤلاء العلمانيون، وماذا يريدون وإلى ماذا يهدفون؟

 

العلمانية.. تعريفها

العلماني أو العالماني هي صفة لرجل يشغل منصبًا غير إكليركي، أي غير كنسي أو خاضع للكنيسة. وهكذا تُعرّف القواميس الإنجليزية والعربية هذه الصفة أو اللفظة الغريبة عن ديننا ومعتقداتنا. فهي في أصلها اللغوي والفكري أوروبية المضمون والشكل، بل هي غربية وغريبة عن أمة الإسلام والتوحيد.

 

والتعريب ربما كان غير صحيح؛ لأنه يوهم القارئ والسامع لهذه الكلمة بوجود صلة بينها وبين العلم الذي هو صفة للعصر الذي نعيش فيه، فنطلق عليه اسم «عصر العلم» فيُسبغ عليها بريقًا ليس من أصلها. والحقيقة أن هذا المذهب في التفكير لا يحمل من معاني العلم والحكمة شيئًا البتة. ومعناها اليوم مرادف لـ «اللادينية».

 

أصلها

أما أصلها، فربما يعود إلى أولئك الذين تنكروا للكنيسة النصرانية في سابق عهدها لشدة ما عانوا على يدها في القرون الوسطى وما بعدها، وربما يعود إلى اليهود المستترين خلف الحركات الماسونية وشعاراتها البراقة التي تحاول صرف الناس عن الاعتقاد الديني والتخلي الكامل عن معتقداتهم حتى يسهل على شياطينها اجتياحهم عقليًا وفكريًا واغتيال أرواحهم بعد إلغاء عقولهم وتحييد وجودهم المستند إلى الإيمان الديني. لكن أصلها حتمًا غير إسلامي ومؤسسو تيارها الفكري هم من غير المسلمين.

 

فكرها

تتخفى العلمانية خلف ستار العقل البراق، مدعية أن العقل البشري وحده قادر على إيجاد الناموس الكلي الذي يستطيع حكم البشرية وإيجاد الحلول لكل ما تواجهه في وجودها على الأرض. رغم أن العقل البشري باعتراف المحايدين من العقلاء والعلماء لا يمكنه دراسة الإنسان وبالتالي إيجاد الحلول لمشكلاته لاستحالة الموضوعية والتجرد، هذا إضافة إلى القيود المفروضة على منافذ المعرفة البشرية إلى العقل، وهي الحواس الخمس التي تحد العقل البشري القاصر بحدود الزمان والمكان. هذا غير عجز العقل بحدود قدراته عن استيعاب كل ما في الوجود دفعة واحدة دون تهيئة وإعداد ودون الوسائل المناسبة لذلك والتي هي غير متوفرة له بالضرورة في كل زمان ومكان، أو في عصرنا الحاضر مثلًا!

 

فلسفتها وأغراضها

أما فلسفة العلمنة التي شاعت بشيوع هذا المصطلح اللغوي ودلالته التي صارت تدل على الفصل بين الدين والحكم ثم الدين والحياة بعد ذلك، فهي من صنع الفلاسفة الذين يحاولون إحلال الفلسفة البشرية القاصرة لتلعب دور الدين في الحياة بدل الوحي الإلهي الذي لا يؤمنون به ولا يعترفون بوجوده، رغم ادعاء بعضهم بعكس هذا -خاصة في بلادنا- اتقاءً للناس.

 

ويعتبر العلمانيون أنفسهم رسل العقل البشري في مواجهة الوحي الإلهي وأنصار الإيمان الديني الغيبي، والذي يعتبره بعضهم -وخاصة الماركسيين- «أفيونًا للشعوب». وبالرغم من أن هذه المدرسة وهذا المنحى العقلي الرديء في التفكير قد شاع في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إلا أنه انحسر انحسارًا شديدًا بتقدم العلم، وإدراك علماء الطبيعة وغيرها عجز العقل البشري وقصوره وحيدًا، وبخاصة كلما تقدمت وسائل البحث والمعرفة، ليعودوا إلى الإيمان بالله والغيبيات، فانتهى العلماء والفلاسفة من حيث بدأ أهل الدين!

 

حجج ساقطة إسلاميًا

وإن كان للعقل الأوروبي حجة في إنكار الكنيسة وتظلمه ضد تدخلها في الحياة لاحتقارها له ولمنجزاته في ميادين العلم، إلا أن العقل المسلم الذي درس القرآن والإسلام وفهم ما فيه، لا حجة له وهو يرى الإسلام يكرم العقل ويحترمه ويدعوه إلى الخوض في مجاله الذي يسره الله له وهو عمارة الأرض وتسخير ما فيها ودراسة الكون الظاهري، ولكن دون الخوض في الغيبيات التي لا طائل من وراء إتعاب الذهن فيها؛ لأنها خارج حدود قدرته ومنافذ المعرفة لديه.

 

واليوم يحاول البعض ركوب الموجة العلمانية المنكسرة والوقوف على زبدها المتلاشي أملًا في تحقيق غاياتها الدنيئة في ضرب الدين من خلال ضرب الحركة الإسلامية، لأن الحركة الإسلامية برجالها الذين يقفون بالمرصاد لكل كافر بالإسلام ومحارب له، وبمدها البشري وزخمها الفكري والثقافي تصد كل محاولات الغزو الفكري واجتثاث عقيدة الأمة لتركيعها للغازي الغربي شيوعيًا كان أو صليبيًا أو يهوديًا.

 

طوائف العلمانيين

والحقيقة أن كل من يتستر خلف هذا التيار العلماني ليس في حقيقة أمره مؤمنًا بالعلمانية، رغم أن هذا الغطاء مناسب جدًا لتحركه في هذه المرحلة، فهناك فئات عديدة يخدمها هذا القناع، مثل:

 

1-الشيوعيون: الذين لا يستطيعون المجاهرة بالشيوعية علنًا خوفًا من عقاب الأنظمة التي تحارب الشيوعية لتضاربها مع المصلحة الأمريكية.

2-الماسونيون: سواء باسمهم الصريح أو تحت أسماء أخرى مستعارة كالروتاري والليونز واللوتري وغيرها، وهم يعملون في خدمة اليهود والصهيونية علموا ذلك أم جهلوه.

3-أصحاب الشهوات الدنيئة: وهم الذين يرون في الإسلام عائقًا أمام شهواتهم وسدًا أمام رذائلهم وارتكابهم للموبقات والمحرمات، فيغلفون ذلك بغلاف الفكر والفلسفة وينتسبون إلى العلمانية خيرًا من أن يُوصموا بالإباحية!

4-عملاء الغرب: الذين يهدفون إلى منع الإسلام من الحكم في الأرض فيعملون على ضربه في قواعده، بدعوى الفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والحياة والتشكيك في صلاحية القرآن لكل زمان ومكان وإنسان. فلا يكون هناك إسلام ولا خلافة إسلامية، ويبقى أحفاد القياصرة والأكاسرة يحكمون أحفاد محمد صلى الله عليه وسلم.

5-عملاء اليهود: وهم الذين يسترون عمالتهم لليهودية العالمية والصهيونية السياسية مباشرة والتي تعادي الإسلام كما لا يعاديه المشركون والكفار، فيعمد هؤلاء العملاء إلى وضع هذا الغطاء على ظهورهم ويحاربون به الإسلام والمسلمين طمعًا في متاع الدنيا الزهيد ويبيعون بها دينهم وآخرتهم.

6-عبيد الحكم: وهم الذين يرون في الإسلام خطرًا يهدد عروشهم غير مدركين أن غاية ما تريد الشعوب المسلمة هو الحكم بشرع الله، وليس استبدال أناس بآخرين، وأنهم لو حكموا بالشريعة صادقين مؤمنين ما ضرهم ولا نازعهم في الحكم مسلم مؤمن موحد.

هذه هي الفئات المستترة خلف العلمانية الغريبة عن عقائد المسلمين وديارهم، والساقطة نظريًا وعمليًا في هذا العصر الذي جنح فيه أهل العلم والعقل إلى الإيمان بالوحي المنزل والعمل بشريعة السماء الأخيرة: الإسلام، لما ثبت فيها من الحق الصحيح، والصواب الذي ليس معه خطأ، وما ظهر في الكتاب من دلائل الإعجاز الذي تحدى أشد عقول البشر ذكاءً وعبقرية.

 

خاتمة وعبرة

مما سبق يتبين لنا أن العلمانية في حقيقتها شعار وستار يرفعه أعداء الإسلام للنيل من المسلمين، شاهرين أقلامهم – وسيوفهم لو استطاعوا – مستنفرين طاقاتهم لحرب هذا الدين وكل من يحمل لواءه ويدافع عنه ويذب دونه، وفي مقدمة هؤلاء رواد الحركة الإسلامية وأفرادها محاولين من خلال هذا الغطاء الخادع التقرب إلى جماهير المسلمين وعامتهم من البسطاء والسذج وأنصاف المثقفين وأشباههم، للتغطية على حقيقة أمرهم التي نفر منها الناس وأنِفوا منها، فعادوا ليُسمّوا الأشياء بغير حقيقتها كمن يسمي الثعبان «دودة كبيرة» ليخفي على الجماهير خطرها وفتكها.

 

وهؤلاء القوم هم عقبة كؤود أمام أمة الإسلام وعزها ومجدها، فهم أعداء آمالها وسبب آلامها، وظهير لعدوها عليها. اللهم اخزهم واهزمهم وانصر جندك عليهم، اللهم آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

191

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

122

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4