العنوان قميص عبد الناصر وتزييف التاريخ
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 65
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 23-فبراير-1982
عبد الناصر بجرة قلم اعتقل الآلاف، وأعدم عشرات:
هناك مسألتان تجدر الإشارة إليهما كمدخل لهذا المقال:
- الأولى: أننا لسنا ضد إنسان يعلن حبه لعبد الناصر، ولو إلى درجة التغزل فيه، وفي سواد عينيه، أو في وسامته، أو في طول قامته، وكلنا ضد هذا المحب إذا هو حول حبه إلى إعلان عن أمجاد عبد الناصر، وبطولاته؛ لأنه بذلك يزيف التاريخ، ويضلل أفهام الشباب، الذي لم يعاصر عبد الناصر، ولم يلمس بنفسه جرائمه في حق مصر والعروبة والإسلام.
- الثانية: أننا حين نعرض لعبد الناصر، إنما نعرض لتاريخ، ولا يخطر ببالنا أن نجرح ميتًا أفضى إلى ما تقدم، وقد يُقال لنا: لماذا لم تهاجموا عبد الناصر في حياته، إذن فليس من الشجاعة في شيء أن تهاجموه بعد مماته؟ ونجيب أولًا أننا لا نهاجم، بل ننتقد، وفرق بين النقد والهجوم، وثانيًا أن أقلامنا جهد استطاعتها، وبرغم الجو الإرهابي الذي كنا نعايشه -لم نكف عن النقد، وليس من باب الحديث عن النفس- أنه في عام (١٩٥٨م) صدر لكاتب هذه السطور كتاب «الإسلام والدماء» كمحاولة لتفنيد شرعية إعدام الشهداء: عبد القادر عوده ورفاقه، وكتاب «المعاني الحية في الإسلام» تفنيدًا لفكرة القومية العربية التي دعا إليها عبد الناصر، وقد صدر الكتاب بقرار من محكمة أمن الدولة، وفي عام (١٩٦٤م) كتاب «نحن والقرآن» كمحاولة لتفنيد سياسة عبد الناصر، وقد حوكمت بشأنه وأنا خلف الأسوار عام (١٩٦٥م)، وصودر الكتاب بأمر المحكمة أيضًا.
ولو فرضنا جدلًا أننا لم ننقد عبد الناصر في حياته، لكان لنا عذرنا، وماذا كنا نستطيع أن نكتب في جو ملبد بالإرهاب والنفاق المزري، أذكر أن خروتشوف في إحدى ندواته -بعد هلاك ستالين، وكان يهاجمه بعنف قدم إليه من شاب سؤال بلا توقيع: لقد كنت مسئولًا مع ستالين فلماذا لم تهاجمه في حياته؟ فأجاب خروتشوف: إن الذي منعني من مهاجمته في حياته، هو نفس الذي منعك من أن توقع باسمك على سؤالك، ولا حاجة بنا إلى التعقيب.
كتب الأستاذ أحمد بهاء الدين في يومياته بجريدة الأهرام، في الرابع عشر من يناير الماضي، يقول: «اليوم ذكرى ميلاد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وفيه يتجه خاطري إلى ما يسمى «بلبلة الشباب والجيل الحاضر» فقد بدأت بلبلة الشباب وحيرته بالهجوم الشامل المدبر على ثورة (٢٣) يوليو ونسبت أقذع التهم إلى قائدها، دون إتاحة فرصة للرد أو النقد التحليلي الذي نفيد منه في المستقبل، إن في تاريخ مصر خلال قرنين من الزمان علامتين بارزتين: محمد علي الكبير الذي أسس دولة مصر الحديثة في مطلع القرن التاسع عشر، وجمال عبد الناصر الذي أعاد صياغتها بمنطق القرن العشرين».
ولقد انفعل الكاتب الهادئ لجحود مصر؛ لأنها لم تصنع تمثالًا لعبد الناصر، ولأنها أسمت بحيرة ناصر «بحيرة السد العالي»، وهو -أي عبد الناصر- كان وراء تحرير الوطن العربي سياسيًا واقتصاديًا، ونحن لا نعلق على العبارة الأخيرة، فقد سبق لشاعر مغمور أن قال لعبد الناصر في أسيوط:
مصر بلا جمال ما لها صفة
مصر بلا جمال أمة عدم
ونرد على الشطر الأول من كلام الكاتب، فادعاؤه أن مصر خالية من تمثال لعبد الناصر غير صحيح؛ لأنه ما من مدرسة أو معهد أو مؤسسة إلا وبها تمثال له، حتى بعض دورات المياه التي بنيت في عهده، ثم هل من المنطق الاشتراكي الذي يؤمن به الكاتب، ويدعو إليه يجيز لدولة تعيش على القروض والمعونات أن تهلك أقوات الشعب في إقامة التماثيل، أما إزالة اسم عبد الناصر من البحيرة، فلا شأن لمصر ولا لشعب مصر بذلك، والمسئول هو السادات شريكه في الانقلاب العسكري الذي اعتبره الكاتب ثورة، ثم إن هذه هي سنة الحياة السياسية في مصر وغيرها، إن عبد الناصر هو الذي أزال اسم محمد علي الكبير من جامعة عين شمس، وحتى من شارع متواضع كان اسمه شارع محمد علي، فتحول إلى شارع «القلعة»، وأزال أسماء إسماعيل، وفؤاد، وفاروق، وغيرهم من أسرة محمد علي الكبير؛ والجزاء من جنس العمل.
إننا نشفق على أجيال المستقبل من أبشع جريمة ترتكب في حقه، إنها جريمة تزييف التاريخ، إن مصر الحديثة بدأت بعهد محمد علي الكبير، بغض النظر عما حدث لسلالته من بعد، وجاء جمال عبد الناصر فحول مصر إلى تابعة للغرب تارة، وإلى الشرق تارة أخرى، ورحل إلى غير رجعة، وترك مصر مدينة إلى قمة رأسها بمليارات الملايين من الدولارات، وبعد أن مكن إسرائيل من احتلال بقية فلسطين بالإضافة إلى سيناء والجولان، وترك شعبًا مغلوبًا على أمره، مهيض الجناح، يعيش من الخوف في فزع، كان ديكتاتورًا جمع بين أبشع نزعات نيرون وهتلر، وموسيلني، وفرانكو، وستالين، بجرة قلم في أواخر عام (١٩٥٤م) اعتقل خمسة وعشرين ألفًا من خيرة المجاهدين، عدا عشرات ماتوا من التعذيب، وذلك تعبير عملي عن ولائه لواشنطن، وبجرة قلم عام (١٩٦٥م) اعتقل خمسة وأربعين ألفًا من خيرة الشباب المسلم أيضًا، وأعدم ومات من التعذيب من مات، حتى النساء لم يرحمهن؛ فاعتقلت المئات منهن، وجلد بعضهن عرايًا كما ولدتهن أمهاتهن، وذلك تعبير منه عن ولائه لموسكو.
واستقدم عبد الناصر في المرحلتين خبراء في التعذيب من بقايا النازية وحواضر الشيوعية، وجعل من الباستيل الفرنسي صورة مصغرة لسجون مصر وبخاصة السجن الحربي، وسجن القلعة، وسجن أبي زعبل، ولما كان المصلون في الفجر في مسجد محمد علي بالقلعة يسمعون صرخات المعتقلين وآهاتهم من سجن القلعة القريب من المسجد، فقد أمر بتعطيل شعيرتي الفجر والعشاء.
إثر حركة الانفصال بين مصر وسوريا خطب وقال: كان في استطاعتي أن أبعث بجيش إلى سوريا لتأديب الخوارج، لكني عدلت لأنني لا أسمح للعربي يقاتل أخاه العربي، وصفقت الجماهير، ولم تمض شهور حتى بعث بجيش مصر إلى اليمن ليقاتل العربي المسلم أخاه المسلم، وحين أذاع قرار الغزو، صفقت الجماهير أيضًا.
كان ضرب الإسلام عنده هو الصفقة التي يساوم عليها مع الشرق والغرب، كان عملاقًا يستعرض عضلاته على الشعب المصري، وقزمًا قميئًا حين يتجه إلى الغرب أو الشرق، في عام (١٩٦٣م) دعا خروتشوف لزيارة مصر، فأبى إلا أن يخرج آخر شيوعي من المعتقل، ورضخ للأمر، وفي خطابه في ٢٣ يوليو ١٩٦٥، خطب وندد بوكالات الأنباء الأجنبية لإذاعتها أنباء عن مؤامرات في مصر، وبعد أيام سافر إلى موسكو يطلب السلاح، فاشترطوا عليه توجيه ضربة إلى حركة الإخوان في مصر، ورضخ ذليلًا، وأعلن هناك من قبل «لينين» عن وجود مؤامرة إخوانية، وقبل أن يصل القاهرة كان في سجون مصر ومعتقلاتها زهاء خمسين ألفًا من الإخوان المسلمين، وشاء الله وحده أن تدمر سائر الأسلحة، ويغتنم اليهود منها في معركة الذل والهوان في الخامس من يونيو عام ١٩٦٧م.
كان صديقًا حميمًا لتيتو السفاح الذي سفك دماء الأقليات المسلمة في يوغوسلافيا، وصديقًا حميمًا لنهرو، متجاهلًا ما فعلته وتفعله الهندوكية في مسلمي الهند، وصديقًا حميمًا للقمص مكاريوس، متجاهلًا ما فعله في القبارصة الأتراك المسلمين، ناصر الهند الهندوكية على الباكستان المسلمة في قضية كشمير، وناصر اليونان الصليبية على تركيا المسلمة في مشكلة قبرص، وفي الجعبة من الجرائم الناصرية الكثير والكثير.
في مصر كتب الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف في يومياته بالأخبار في ٢٧ يناير الماضي يرد على الأستاذ أحمد بهاء الدين دون الإشارة إلى اسمه، والحق أنه كان ردًا موضوعيًا للغاية، قال: «لم يعد التاريخ رأيًا لكاتب ينطلق به على هواه، ولا حكمًا يزن الكامل لناقص والناقص لكامل، ولكنه حكم بما علم الناس وأكده الواقع، فهو حق لا مراء عليه، ويقين لا شك فيه، وعقل لا زيغ به، من غرض رخيص، أو مرض دخيل».
«إذا كانت الأمور بأسبابها ونتائجها، فنحن نحتكم إليك بمنطق الأسباب والنتائج، أنتم تحسبون قمة الانتصار لجمال عبد الناصر أنه أمم القناة، نعم، ولكنه تركها مغلقة مهدومة مردوهة، مستعمرة يتسلط عليها خط بارليف، وتقولون: إنه حرر البلاد من الإنجليز، أجل، ولكنه تركها تحت الاستعمار الإسرائيلي، وتقولون: إنه رائد القومية العربية، ولكنها الوحدة التي مزقتها حرب اليمن، والعداوات التي زرعها مع كل العرب، فما كانت لمصر علاقة سليمة بأية دولة عربية، ثم تقولون: إنه هو الذي هدم الإقطاع، ولكنكم نسيتم أنه أقام ذلك الإقطاع الشرس الذي نهب ملايين مصر وأودعها في بنوك سويسرا، وكله من دم الشعب الذي تتهمه بالتقصير»
«ثق يا أخي بأننا في منطق النتائج لا نجد لعبد الناصر رصيدًا، إن صنيع الاستعمار في دنشواي، أقل كثيرًا مما صنعه عبد الناصر يوم أن علق الشهيد عبد القادر ورفاقه من زعماء الإخوان المسلمين على المشانق، ولا أخوض بك في حديث التعذيب وشنائعه، والاعتقال وبشائعه، وهتك الأعراض وقسوته، ولا أحب أن أشير إلى أعمال السلب وأصحاب الملايين حتى لأولئك الزملاء من كتاب الصحف، وكنا نعرفهم لا يملكون شروى نقير».
وبعد، فقد كنت أحاضر يومًا الشباب المسلم في كلية حقوق عين شمس، وسألتني فتاة: لماذا تهاجمون عبد الناصر بعد موته، ولا تستطيعون أن تهاجموا البذخ الشره مثلًا في زواج بنت السادات، حيث قيل إن نفقات الاحتفال أربت على المليون؟
قلت في هدوء: إننا ننقد عبد الناصر من خلال ما سجل على لسانه من تناقض القول، وسجل بيديه من جرائم لا يمكن تجاهلها، ويوم أن تكتب الصحف المصرية أن تكاليف الزفاف بلغت حتى عشرات الألوف، ولا ننتقد سنكون ملومين، قالت: أليست هناك حسنة واحدة لعبد الناصر؟
قلت: أتحدى إن كانت له حسنة واحدة، وهنا نهض شاب وقال: أقبل التحدي، قلت: هات ما عندك، قال: إن الحسنة التي لا تنكر لعبد الناصر، أنه مات، وأراح، واستراح.
قلت الحقيقة إن هذه الحسنة لا بد فيها لعبد الناصر، بل من صنع الله وحده، قبل أن يموت بعامين ونصف العام، قال في مؤتمره الصحفي الذي عقده بشأن إعلان حالة الطوارئ مايو (١٩٦٧م) ردًا على سؤال صحفي أجنبي إنجليزي لست «خرعًا» كايدن بتاعكم، أنا باق لكم في المنطقة عشرين عامًا.
وهذا هو عبد الناصر، لقد قررت أمجاده الزائفة على طلبة المدارس والمعاهد والجامعات، والنشء والشباب معذورون لأنهم لا يعون أن التاريخ لا يصلح معاصرًا حرًا، وكان الله في عونهم وعون الأجيال القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل