; أبعاد تنصيب المجلس الأعلى للدولة في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان أبعاد تنصيب المجلس الأعلى للدولة في الجزائر

الكاتب سليمان شنين

تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992

مشاهدات 62

نشر في العدد 986

نشر في الصفحة 32

الأحد 26-يناير-1992

لم يكن فوز الإسلاميين في الجزائر ليمر دون إحداث أي تغيير في هيكلية النظام السياسي الجزائري، بل كان الكل يتوقع أن يحدث انقلاب عسكري يلغي نتائج هذه الانتخابات، ويفرز طبقة سياسية جديدة تحكم البلاد بعدما عجزت عناصر النظام خاصة مؤسسة الرئاسة عن ضبط سير البلاد، ومع ظهور بوادر التحول نحو نظام إسلامي على مستوى التشريع أقل شيء مما جعل هذا التحول يقابل بالرفض من جهات إقليمية ودولية.

إن مثل هذا الرفض بدأت سيناريوهات التحول ترسم له منذ نمو ظاهرة الصحوة الإسلامية في الجزائر بعد أن أخذت طابعها السياسي، ووجدت تأييدًا شعبيًا كبيرًا أزعج الكثير خاصة بعد أحداث يناير 1991، ساعتها أحس الجيش بالخطر، وبدأ يعمل من أجل ترتيب أوراق الدولة الجزائرية.

ولكن أخطأت المؤسسة العسكرية ودوائر الرصد حينما قدرت أن الإسلاميين فقدوا كثيرًا من تأييدهم الشعبي بعد أحداث يناير، وأخطأوا حين ظنوا أن الإسلاميين بدخولهم متفرقين ستتوزع أصواتهم.. أخطأوا حينما فسروا ظاهرة الإنقاذ على أنها رد فعل لكبت سياسي، فعبثًا حاولوا تفريغ ما تكنه صدور الجزائريين من انتقام وحقد على الحزب الواحد، وبدأ العمل للقضاء على حزب جبهة التحرير.

غزالي اختير لتفجير جبهة التحرير الوطني

إن بداية سلسلة تصفية الأجواء السياسية بدأ بتعيين السيد أحمد غزالي على رأس الحكومة، وكان تعيينه بدافع من الجيش الوطني، واستغل عامل أن حكومته حكومة مستقلة للابتعاد عن أي ضغط حزبي، وبحكم أنه خلف حكومة مولود حمروش الذي أصبح عضوًا في المكتب السياسي لجبهة التحرير.

وبدأ الصراع بين الحكومتين بالتصريحات المتتالية والاتهامات المتبادلة، وبعد ذلك تطور الوضع إلى أن بدأ السيد مولود حمروش بتحريك المؤسسات الإعلامية التي تشرف عليها جبهة التحرير في الهجوم على الحكومة.

هذا الصراع ولد قناعة عند عامة السياسيين أن النظام السياسي بدأ يلفظ حزب جبهة التحرير ولعدة اعتبارات أولها وأساسها:

أن الساحة بدأت تشهد تعددية حزبية، وبالتالي جبهة التحرير كبرنامج سياسي أصبح لها بديل، والشرعية الجماهيرية ذهبت لغيرها أمام الاستعراضات الجماهيرية من عدة أحزاب، وانتخابات يناير ۱۹۹۰م خير دليل على ذلك، ثم إن الطبقة السياسية ذات الشرعية التاريخية بدأت تزاحمها أجيال الاستقلال أصحاب الكفاءات السياسية والتقنية؛ مما أنتج صراع أجيال كان نتاجه ضرورة إلغاء مجال الصراع من أجل الانفراد بالحكم ومؤسساته.

انتخابات ٢٦ ديسمبر كانت عامل التفجير للوضع

أمام هذه القراءة الأولية للأوضاع السياسية للجزائر انتظر كل المراقبين الانتخابات التشريعية في ٢٦ ديسمبر التي جرت بحرية وشفافية أذهلت الجميع، ولكن المعطيات كانت خاطئة من خلال أن مصادر مطلعة أخبرتنا أن دوائر الرصد في الرئاسة كانت تعطي نسبة (22%) لجبهة الإنقاذ، وأن الإسلاميين في أصعب الحالات لا يمكن أن يجازوا نسبة (35%).. أمام هذه الأرقام غامر رئيس الجمهورية في إيجاد مؤسسة البرلمان على أن يقضي على التيار الإسلامي عن طريق العجز، ولكن الأمر تم على غير ما كان الجميع ينتظر أمام هذا الوضع، اجتمعت المؤسسة العسكرية وقدم (24) ضابطًا عسكريًا ساميًا إمضاءاتهم يطلبون من الرئيس الاستقالة.. هذا في يوم 29/12/1991م، قبل أن يعلن عن ذلك فلابد أن يحل البرلمان، وفعلًا حل البرلمان في 30/12/1991م دون الإعلان عن حله، ودُفع الرئيس لتقديم استقالته لأنه أصبح غير مرغوب فيه من الجيش، ويحدث بذلك أزمة دستورية ليعلن بعد ذلك أن المجلس الأعلى للأمن هو الذي سيحدد الصيغ التي تسير بها البلاد رغم أنه دستوريًا مؤسسة استشارية، ليعلن هو الآخر بعد ذلك عن تأسيس المجلس الأعلى للدولة، ويستدعي مجموعة من الوجوه قيل إنهم رموز تاريخية بنت جبهة التحرير الوطني، وساهمت بجهد كبير في حرب التحرير.

أما عن شخصية رئيس المجلس الأعلى للدولة السيد محمد بوضياف، فيمكن القول إنه اختير من قبل الجيش لعدة اعتبارات:

1- أنه شخصية تاريخية بنت صرح الجزائر المستقلة، وهو الذي أسس جبهة التحرير الوطني، وكان من أبرز القيادات النضالية في الجزائر.

2- أن السيد بوضياف لم يتقلد أي مسؤولية منذ الاستقلال إلى ما قبل تاريخ تعيينه، وهذا يعني أنه لم يتورط بالطريقة الجزائرية، ولم يتلوث طوال هذه الفترة.

3- أن السيد بوضياف قد يتوسط له عند الأوساط الدولية ليجد القبول خاصة إذا عرفنا أنه كان مقيمًا عند الملك الحسن الثاني.

4- أن الرئيس المختار جاء وهو يؤمن بأن الحزب الحاكم لا يمكن أن يبقى لأن مهمته الأساسية كان الاستقلال، وبالتالي فهو قد استنفد الغرض الذي من أجله وجد، ووجوده سيكون عاملًا أساسيًا في تفجير جبهة التحرير.

5- أن موقف السيد بوضياف من المسار الديمقراطي في الجزائر يعتبره غير مقيد وهو لا يؤمن بالتعددية اللامتناهية، ويعتبر الإسلام دين الجميع، وموقفه من الاتجاه الإسلامي عمومًا أنه يزايد بالدين من أجل كسب السلطة فقط، هذه النظرة ومثل هذه المقاييس هي التي جعلت الجيش يختار السيد بوضياف عن غيره.

أما عن الشخصيات الأخرى فحاولت القيادة العسكرية أن تجمع بين من يدافع عن الديموقراطية ممثلًا في شخص علي هارون الذي كان يشغل منصب وزير حقوق الإنسان، وبين من يحمل الإسلام المعتدل التقدمي المميع في شخصية تجاني هدام الذي كان إمامًا بمسجد باريس، وطوق الجميع بأن الخيار هذا لا يمكن أن يتعدى إرادة قرار الجيش بوجود شخص ووزير الدفاع في المجلس.

 هذا عن تشكيلة المجلس، أما عما يمكن أن يحدث هذه الأيام فينتظر الجميع قرار حل الأحزاب الإسلامية والعرقية الجهوية، وتحديد الحريات ابتداء من منع المظاهرات والإضرابات.

وبدأ التحضير لتشكيل مجلس استشاري للمجلس الأعلى للدولة يضم معظم الحساسيات، ويكون الواسطة بين المجلس والمجتمع المدني، ومن المنتظر أن تستدعي له كل القوى الفاعلة في الساحة الجزائرية، ويحرج كثيرًا منها؛ لأن الذي يتأخر عن المشاركة في هذا المجلس يعني بالضرورة أن يلغي نفسه من المشاركة فيما بعد هذه المرحلة التي ستتميز بتغيير جذري للخريطة السياسية كثمار الإستراتيجية المحتمل انتهاجها من المجلس الأعلى للدولة.

1- تفجير الأحزاب الكبرى وخاصة جبهة التحرير والإنقاذ وعوامل التفجير كثيرة، وقد يسبب هذا التفجير إحباطًا عند الجماهير لعدم مصداقية هذه الأحزاب، وهذا موضوع نعود له في حينه.

2- المراهنة على المساعدة الدولية، وحل بعض المشاكل الاقتصادية، وإعادة بعض الأموال المسروقة من طرف مسؤولين سابقين، وقد لاحظ الجميع أن بعض السياسيين المشبوهين قد وضعوا تحت الرقابة.

3- الخطاب الوطني والتصميم على التمسك بالمصلحة والوحدة الوطنية قد يقنع كثيرًا من الجماهير المتعقلة والصامتة.

4- أن تماسك الجيش وتنصيبه لهذا المجلس يعطي له مصداقية وثقة في تنفيذ إستراتيجيته إما بصرامة القانون أو بقوة الحديد.

مثل هذه الإجراءات قد بدأت واضحة من خلال الوجود القوي للجيش خاصة في يوم الجمعة مما غرس التصور بالقابلية للاستبداد عند عموم المواطنين، وبدأت ردود الأفعال متباينة بين مؤيد ومعارض، فالجبهة الإسلامية للإنقاذ عارضت وجود المجلس الأعلى للدولة، واعتبرته غير دستوري، وأن أي قرار يصدره يعتبر ملغيًا، والتقى النواب المنتخبون في الدور الأول يوم الاحد ۱۹/۱/1992م وخرجت قيادة الجبهة بقرار تأسيس برلمان مواز للمجلس الأعلى للدولة، واستنكرت مجموع الاعتقالات التي وقعت يوم الجمعة والسبت الماضيين؛ إذ مست أفراد من مجلس الشورى الوطني، فحين تشبثت الجبهة بخطابها للجماهير بالتعقل والهدوء والاتزان وعدم الاستجابة للاستفزاز، ونشير هنا إلى أن الاعتقالات كانت مجرد إجراءات أمنية وأفرج عن كثير من المعتقلين.

وأيدت معظم الأحزاب الكبري وجهة نظر الإنقاذ، وسبق الشيخ محفوظ نحناح بعقد لقاء للسلام الوطني من أجل إيجاد وفاق وطني حول إبقاء التعددية والحريات، والاتفاق على ضرورة المحافظة على كرامة المواطن، وعدم إراقة الدماء، ورفض العنف مهما كان، والمحافظة على الوحدة وإيجاد حل للأزمة الدستورية لضمان الشرعية الدستورية، مع الحفاظ على مبدأ الجزائر التي حررها الجميع ويبنيها الجميع، وكما أن استقرارها يهم الجميع، وشكل لجنة للسلام الوطني التي من مهامها العودة إلى بيان أول نوفمبر ٥٤ الذي كان يهدف إلى إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية مع احترام جميع الحريات الأساسية.

تجدر الإشارة إلى أن الإعلام الجزائري يساهم الآن بصورة واضحة في تكريس مشروعية المجلس الأعلى للدولة بشتى الأساليب، وبعد مرحلة الشفافية بدأت كثير من الأقلام تشعر بالرقابة الذاتية، وتقدر عواقب المعارضة الذاتية، وتقدر عواقب المعارضة في هذه الأجواء المتوترة؛ مما جعل الشعور العام بدأ بالتحول من الديمقراطية إلى الديكتوقراطية كما سماها أحد السياسيين.

اعتقال السيد عبدالقادر حشاني

اعتقل الشيخ عبدالقادر حشاني الرئيس المؤقت للجبهة الإسلامية للإنقاذ يوم الثلاثاء 22/1/92 ويأتي هذا الاعتقال نتيجة أن الجيش الوطني الشعبي قد رفع دعوة ضده على إثر البيان الذي أصدرته الجبهة الإسلامية للإنقاذ، أشارت فيه إلى أن الجيش يقف اليوم في امتحان صعب، أيقف إلى جانب الشعب، أم ينحاز إلى الطغمة الحاكمة التي تحترف الاستبداد والعلو في الأرض؟

ونشير هنا إلى أن اعتقال الشيخ حشاني كان متوقعًا على إثر هذا البيان الذي قرئ من طرف الجهات الرسمية على أنه تحريض لتمرد بعض الطبقات في الجيش عن الواقع المفروض عليهم، والمؤسسة العسكرية لا يمكن -بحال من الأحوال- أن تقبل الانضمام أو التحريض عليه من أي طرف كان، وقد هيج رد الفعل أصحاب الأمر بالاعتقال لإصدار مرسوم قانوني يمنع أداء الصلاة خارج المساجد والشوارع المجاورة لها لأي تجمع قد يؤدي إلى المواجهة، ولكن مهما يكن فإن هذا الاعتقال يعتبر سابقة خطيرة في تفجير الوضع الداخلي للبلاد واستفزاز القواعد الجبهة الإسلامية من أجل إدخالها في صراع لا يخدم مصلحة الجزائر وشعبها في مثل هذه المرحلة الحرجة.

الرابط المختصر :