; ألبانيا: هل يلتئم الوطن قبل أن يشبع؟! | مجلة المجتمع

العنوان ألبانيا: هل يلتئم الوطن قبل أن يشبع؟!

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992

مشاهدات 56

نشر في العدد 985

نشر في الصفحة 25

الأحد 19-يناير-1992

الاستفتاء الذي جرت وقائعه يومي السبت والأحد الماضيين (11، 12/1/92) في مقدونيا إحدى الجمهوريات اليوغسلافية الست الذي اقترعت فيه الجماهير الألبانية التي تعيش هناك على استقلالها عن الجمهورية التي أعلنت بدورها الاستقلال عن الاتحاد اليوغسلافي المتهاوي، أفرز عدة معطيات مهمة، فمطالبة ألبان مقدونيا الذين تتجاوز نسبتهم ثلث عدد سكانها بالاستقلال وإقامة حكم ذاتي في المنطقة التي يسكنونها، والتي حددها الشيخ سلمان رجب رئيس المشيخة الإسلامية هناك، بأنها تبدأ من مدينة كومانو التي تبعد أربعين كيلو مترًا عن العاصمة أسكوبيا وتنتهي عند الحدود الألبانية، وضع المفاوض المقدوني في موقف صعب أمام خصمه اليوناني الذي رفض استقلال مقدونيا، إذ ظلت محتفظة باسمها الذي ينطوي حسب تصريحات رئيس الوزراء اليوناني «قسطنطين متسوتاكس» على نوازع توسعية جغرافية وقومية تهدد وحدة اليونان، وذلك لأن غالبية سكان مقدونيا وأحزابها تطالب باستعادة جزء من أراضي اليونان بحجة أنها تعود إلى (مقدونيا التاريخية)، وهو الأمر الذي ترفضه اليونان بشدة وتصر على أن مقدونيا التاريخية هذه هي جزء من القومية اليونانية، ولذلك اشترطت اليونان خلال اجتماعات وزراء خارجية الدول الأوروبية الاثني عشر الذي انعقد في بروكسل عقب قمة «ماستريخت» الشهر الماضي، أن اعترافها باستقلال مقدونيا مشروط بتغيير اسمها إلى جمهورية أسكوبيا «اسم العاصمة»، وأن يقوم برلمانها بإلغاء مواد الدستور الخاصة بالحدود والأقليات وأية أطماع مقدونية في اليونان، وبإلغاء مواد الدستور الخاصة بالحدود والأقليات وأية أطماع مقدونية في اليونان، وأن تتعهد «جمهورية سكوبيا» بعدم إثارة القضية المقدونية بأي حال من الأحوال، ومن جهة أخرى فإن قيام القيادة الشعبية في مقدونيا بشقيها السياسي الممثل في السيد نفزات خليلي زعيم حزب المستقبل وصاحب الثلاثة وعشرين مقعدًا ألبانيًا في البرلمان المقدوني، والديني الممثل في الشيخ سلمان رجب رئيس المشيخة الإسلامية في مقدونيا، يعني أن حركة استياء الألبان من أحوالهم السياسية والاجتماعية داخل مقدونيا، وتذمرهم منها تجاوز مرحلة الإعلام إلى مرحلة دفع الأمور إلى الاصطدام مع السلطات، خاصة وأنهم رفضوا من قبل المشاركة في الاستفتاء الذي نظمته الحكومة المقدونية نفسها في شهر سبتمبر الماضي لإعلان الاستقلال والسيادة، وعلق على ذلك وقتها السيد نفزات خليلي قائلًا: «إن شعبنا- يقصد الألباني- يريد أن يتمتع بمزية مواطن من الدرجة الأولى، وأن تعترف بلغته الألبانية كلغة رسمية في المناطق ذات الغالبية الألبانية، وأن نسترد كافة حقوقنا في الوظائف والإدارة والعمل» ويبدو أن هذه الخطوة التصعيدية رد عملي على تجاهل السلطات المقدونية «الأرثوذكسية» لمطالب الألبان المسلمين الذين تعرض بعضهم للاعتقال من قبل رجال الشرطة.

أما المعنى الأهم في هذا الحدث فهو تلك الإشارة القوية إلى الروح العامة التي تسيطر الآن على مجمل الشعب الألباني سواء في ألبانيا أو في مهجره في أوروبا وأمريكا أو في الأراضي المستقطعة أصلًا من ألبانيا، مثل هذه المنطقة من مقدونيا أو كوسوفو أو في تشاميريا في اليونان. فالأمل في عودة ألبانيا الكبرى أصبح لا يبارح مخيلة الجميع، وكانت كوسوفو الواقعة حتى الآن تحت الاحتلال الصربي بعد أن انتزعت صربيا من الأغلبية العظمى الألبانية التي تسكن كوسوفو حق الحكم الذاتي، أجرت استفتاء مماثلًا لإعلانها جمهورية مستقلة، وذلك في شهر سبتمبر الماضي، وصوت الجميع لصالح الاستقلال، واعترفت ألبانيا الأم بكوسوفو كجمهورية مستقلة، كما تأسست في ألبانيا جماعة سياسية تطالب باسترداد «تشاميريا» التي تقع في أقصى الجنوب الألباني، وتم ضمها إلى اليونان عقب أحداث عام 1913 وبعد مؤتمر السفراء في لندن.

وتتصاعد هذه الرغبة لدى كافة الأحزاب السياسية في ألبانيا، حتى كادت أن تكون مطلبًا شعبيًا رغم أن الأحوال الاقتصادية التي تعيشها ألبانيا هذه الأيام مأساوية إلى أقصى حد، وقد تعرضنا لذلك في مقال سابق، كما أن الأجواء السياسية نفسها مضطربة للغاية، والجميع ينظر بقلق وترقب إلى شهر مارس القادم، حيث تجرى الانتخابات النيابية التي تأمل الأحزاب المعارضة من أن تكون الضربة القوية والقاضية على بقايا فلول الشيوعية في ألبانيا، في الوقت الذي تتردد فيه شائعات عن أن القوى الشيوعية في البلاد تدبر لاستغلال سوء الأحوال لإثارة القلاقل والإضرابات، على أمل أن تدفعها الجماهير مرة أخرى إلى مقعد الحكم؛ ولذلك يبدو أن مطلب استعادة ألبانيا لأراضيها المغتصبة ترفًا ليس هذا وقته، لكن الشعب الألباني المعروف بعناده الشديد يفضل الأرض عن الخبز، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل تسمح أوروبا وليس فقط اليونان أو صربيا بقيام دولة إسلامية كبرى داخل حدودها؟ خاصة إذا تخيلنا إمكانية قيام دولة البوسنة الإسلامية. كل الظروف الراهنة ترد بالنفي لكن انفجار الوضع في البلقان لا يمكن لأحد التكهن بنتائجه، خاصة أنها ستمتد بلا شك إلى قلب أوروبا الغربية نفسها التي تداخلت فيها مواقف الأطراف تجاه الاعتراف باستقلال سلوفينيا وكرواتيا؛ وذلك للاختلاف المصلحي والعقائدي «أرثوذكسي وكاثوليك» وعلى أيه حال فإن أحدًا لا يستطيع أن ينزع من المسلمين هناك حلمهم في دولة كبرى تعزز مقولة علي عزت بيجوفيتش رئيس جمهورية البوسنة: «إذا ما حاول الطرفان (الصرب والكروات) اقتطاع أراضي جمهوريتي فإني سوف أرد على ذلك، بأن أطالب بدولة إسلامية أكبر تشمل حتي ألبانيا ومقاطعة كوسوفو والأجزاء الإسلامية في صربيا وأجزاء من مقدونيا».

الرابط المختصر :