; فرنسا.. والأحادية السياسية في ثوب ديمقراطي | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا.. والأحادية السياسية في ثوب ديمقراطي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1508

نشر في الصفحة 42

السبت 06-يوليو-2002

ظاهرتان وراء عزوف نسبة عالية من الناخبين عن المشاركة في الانتخابات سحب الثقة من السياسيين.. والانقطاع عن الشأن العام

من مشكلات الديمقراطية الفرنسية أن خمسة ملايين صوتوا لرئيس الجبهة الوطنية ليس لهم ممثل واحد في البرلمان.. بينما لليسار الخاسر في انتخابات الرئاسة ۱۷۸ نائبًا

 فيما يسمح للعنصريين بالعمل بحرية تظل الأبواب مغلقة أمام أي فرنسي من أصل أجنبي خاصة العربي والمسلم

لم تفاجئ نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية المراقبين مثلما فاجأتهم نتائج الانتخابات الرئاسية في جولتها الأولى عندما تمكن أقصى اليمين ذو التوجهات العنصرية من قرع باب السلطة وإزاحة اليسار من اللعبة السياسية. 

فالمستفيد الأول من الانتخابات التشريعية هو اليمين التقليدي الذي فاز بأغلبية نيابية «۳۹۹ نائبًا من مجموع ٥٧٧ نائبًا»، في الجمعية الوطنية، مؤكدًا تفوقه مقابل تراجع اليسار «١٧٥ نائبًا»، وانحسار مد أقصى اليمين الذي لم يحصل على مقعد واحد. 

وبذلك سجلت الانتخابات نهاية تجربة تعايش اليمين واليسار «كان رئيس الجمهورية يمينيًا ورئيس الوزراء يساريًا» وبروز ظاهرة القوة السياسية الكبرى المهيمنة، إلى جانب ظاهرة الفتور السياسي.

الفتور السياسي: فقد سجلت أعلى نسبة امتناع عن التصويت في تاريخ الانتخابات التشريعية بلغت %۳۹ معظم المراقبين فسروا ذلك بالظروف الخاصة للانتخابات، مثل تنظيم انتخابات متتالية رئاسية وتشريعية في جولتين وانشغال الرأي العام عن الانتخابات بالرياضة ومباريات كأس العالم، إلا أن هذه القراءة لا تلمس جوهر المشكل وأصل المرض وهو العزوف عن السياسة. وهي ظاهرة ليست خاصة بفرنسا بل تجاوزتها إلى أوروبا، وإلى دائرة ما يسمى بالديمقراطيات الغربية.

فلسفة الديمقراطية أصبحت في الميزان باعتبار أن الديمقراطية تعني في جوهرها مشاركة الشعب في القرار السياسي إما مباشرة عن طريق الاستفتاء أو عبر النظام النيابي التمثيلي، وإذا امتنع واحد من ثلاثة مواطنين عن الإدلاء بصوته واختيار من ينوبه في البرلمان، فإن عملية تمثيل الشعب تصبح مختلة.

وليس من الطبيعي في بلدان عريقة سياسيًا أن تتحول العملية الانتخابية لدى جانب من الرأي العام إلى نافلة عمل تتقدم عليها أولويات أخرى مثل مشاهدة مباراة رياضية أو شريط فيديو أو القيام بجولة في الحديقة. وليس من الطبيعي أيضًا أن يستجدي السياسيون الممتنعين عن التصويت للقيام بواجبهم وتخصيص بعض دقائق من وقتهم للذهاب إلى مراكز الاقتراع القريبة من بيوتهم.

لقد كان زلزال الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية بمثابة المؤشر لظاهرة العزوف عن السياسة، وترك المجال فسيحًا أمام تيار أقصى اليمين ذي التوجهات العنصرية لكي يستغل هذا الفتور السياسي الشعبي ليطرق باب السلطة. ثم كانت الاستفاقة تحت صدمة الواقع وسد الباب أمام هذا التيار في الجولة الثانية. 

وتحدث بعض المتابعين عن انطلاقة جديدة للوعي السياسي بعد صدمة 4/21 «تاريخ الجولة الرئاسية الأولى»، لكن الزخم الذي عاشته فرنسا لم يلبث أن تلاشى بعد شهر في أولى محطتي الانتخابات التشريعية، وتبين أنه لم يكن سوى فورة لإبعاد خطر التيار العنصري، ليعود الفتور السياسي من جديد.

ويقود البحث عن أسباب هذه الظاهرة إلى عاملين أساسيين، أولهما أن صنفًا من الممتنعين عن التصويت سحبوا ثقتهم من السياسيين وفي استطلاع رأي قام به التلفزيون الفرنسي مع هذا الصنف قالت عجوز: «كلهم فاسدون»، وتقصد بذلك الطبقة السياسية، إشارة إلى الفضائح السياسية والمالية التي تطرقت إليها وسائل الإعلام قبل وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية والمتعلقة ببعض السياسيين المعروفين فهذا الصنف من العزوف عن السياسة جاء نتيجة قناعة بأن السياسة تساوي كونها مصدرًا للثراء والفساد فيكون الاحتجاج على هذا السلوك بالامتناع عن التصويت، الأمر الذي يطرح مدى الحاجة إلى العلاقة الوثيقة بين السياسة والأخلاق.

انصراف عن السياسة

أما الصنف الثاني، فهو يختلف عن الأول. لأن امتناعه عن التصويت ليس وراءه خلفية احتجاجية بقدر ما ينم على انقطاع عن الشأن العام واهتمام بالذات وبالدائرة الضيقة، ولا يهمه من السياسة شيء سواء انتصر اليمين أو اليسار، لأنه مقتنع بأن مصالحه الرئيسة في الحياة والتنقل والتعبير محفوظة في ظل النظام الديمقراطي القائم، فتراه يميل إلى الانغماس في همومه وربما في الملاهي وملذات العيش وماديات الحياة. وهذا الصنف إشكاله تربوي في الأساس. لأن مرضه عميق ويحتاج إلى مراجعات في مجال التربية المدنية وغيرها.

وبالنسبة للمواطنين المنتمين للجالية المسلمة فإنه يصعب قياس مدى تفاعلهم سياسيًا نظرًا لغياب مؤسسات تمثلهم على المستويين الديني والسياسي، وهناك بعض مؤشرات لبداية وعي سياسي في صفوف أبناء الجالية المسلمة من خلال ما ينشر على مواقع الإنترنت أو من خلال تكوين هيئات تتصل بالسياسيين تشرح لهم الموقف الإسلامي وتحثهم على اتخاذ مواقف عادلة إزاء الحضور الإسلامي وقضايا المسلمين.

ورغم أهمية هذه المبادرات، فإن الطريق مازال طويلًا لإحداث الوعي السياسي المطلوب في صفوف الجالية وخاصة في صفوف الشباب الذين يمتنع عدد منهم عن التصويت بمبررات شرعية.

بروز ظاهرة الشيراكية

منذ الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، دخلت فرنسا عهد «الشيراكية» بفوز جاك شيراك بـ٨٠٪ من الأصوات وهي نسبة لم يصلها رئيس دولة في تاريخ البلاد. وتأكد هذا التوجه في الجولة الثانية للانتخابات التشريعية التي جرت في 6/16 إذ حظي حزب «الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية». بزعامة شيراك بالأغلبية المطلقة. وقد تم تشكيل هذا الحزب لتوفير ضمان نجاح شيراك في الرئاسيات وضمان أغلبية مريحة لتنفيذ سياسته وسياسة حكومته في البرلمان.

ويضم هذا الحزب التشكيل السياسي السابق «التجمع من أجل الجمهورية»، تضاف إليه تيارات الوسط مع الإشارة إلى امتناع حزب «اتحاد الديمقراطية الفرنسية» -الذي يتزعمه بايرو- عن الذوبان في الكتلة السياسية المهيمنة المؤيدة لشيراك والاحتفاظ بنوع من الاستقلالية في القرار والتوجه.

ولم يمنع ذلك من بروز الشيراكية، بدلًا من «الديجولية» «نسبة إلى الرئيس الأسبق شارل ديجول مؤسس الجمهورية الفرنسية الحديثة».

 وتجسد التوجه الشيراكي في السيطرة على المواقع الحساسة في الدولة بداية من الرئاسة إلى غرفتي البرلمان الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، مرورًا بالمؤسسات المهمة في القرار مثل المجلس الدستوري، وفي التأثير مثل المجلس الأعلى السمعي البصري الذي يراقب سير وسائل الإعلام وأخيرًا السيطرة على أجهزة المخابرات التي اتهم مسـؤولوها بنوع من التجسس على شيراك في عهد الحكومة الاشتراكية اليسارية لأغراض سياسية انتخابية. 

وعلى ذكر اليسار، فإن من أهم تداعيات «الشيراكية»، وضع حد لتجربة التعايش بين اليمين واليسار التي عاشها الفرنسيون في السنوات الخمس الماضية والسير في نوع من الأحادية السياسية بثوب ديمقراطي تعددي ويتحدث المراقبون عن «اكتساح الموجة الزرقاء»، إشارة إلى اللون الأزرق الطاغي في شعار حزب الاتحاد من أجل الغالبية الرئاسية، وكتلة اليمين بعد اكتساح الموجة الوردية «شعار الحزب الاشتراكي» طيلة العشريتين الماضيتين، تخللتهما فترات من التعايش السياسي.

واليوم، يعود اليمين التقليدي ليثأر لخسارته في عهد ميتران، ثم في ظل حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي جوسبان، ولكن هذه العودة تتسم بتعميق الخلل في ميزان القوى السياسي ويتجلى هذا الأمر في تركيبة البرلمان الجديدة، فلم يعد الاختلال مقتصرًا على القطبين التقليديين في الحياة السياسية من اليمين واليسار بل تجاوزه إلى عملية إقصاء طرف سياسي ثالث تمثله الجبهة الوطنية ذات التوجهات العنصرية. 

فقد تمكن هذا الحزب من الوصول إلى المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية وصوّت له خمسة ملايين ناخب لكنه وجد نفسه بعد الانتخابات التشريعية غير ممثل في البرلمان، ولو بنائب واحد. وهو أمر غير طبيعي ديمقراطيًا بغض النظر عن التوجهات العنصرية لهذا التيار السياسي، لأنه لا يعقل أن خمسة ملايين ناخب غائبون عن مصدر القرار التشريعي، بينما يحصل التيار اليساري -الذي أقصي من الرئاسيات- على حوالي ۱۷۸ نائبًا في الجمعية الوطنية، ويحصل الحزب الشيوعي -الذي انهارت شعبيته بشكل ملحوظ ولم يتجاوز ٢% في الانتخابات الرئاسية على ٢١ مقعدًا في البرلمان الجديد.. والأدهى أن هذا التحول في موازين القوى يحدث خلال شهر واحد بما يفسر الخلل في النظام الانتخابي المعتمد في هذه الانتخابات بما يخدم مصلحة الكتل السياسية الماسكة بصنع القرار.

غياب تساوي الفرص

لكن المثير للانتباه هو تخلف فرنسا في تحقيق مبدأ التساوي في الفرص الذي هو أساس الديمقراطية، وتوفير مقتضيات المواطنة الكاملة لكل المواطنين مهما كانت أصولهم الثقافية وانتماءاتهم الفكرية والسياسية والدينية من أجل تعددية حقيقية فإذا كان يسمح للتيارات ذات التوجهات العنصرية بالعمل السياسي إلى حد أصبحت تمثل هاجسًا لأصحاب القرار ولنسبة كبرى من الرأي العام في الداخل والخارج، وتهديدًا لوحدة البلاد ومستقبلها، بعد أن تمكنت من قرع باب السلطة، فمن باب أولى وأحرى أن يُسمح لمواطنين عبروا عن رغبتهم العميقة في الاندماج الإيجابي في المجتمع وفي حقهم في مواطنة كاملة بنفس المستوى الذي يعامل به بقية أفراد المجتمع. في هذا الصدد، ما زال الباب مغلقًا في فرنسا أمام المواطنين من أصل «أجنبي» خاصة من العرب والأفارقة للدخول في البرلمان في حين تتجاوز الجالية العربية المسلمة الخمسة ملايين شخص. فالسياسيون في الأحزاب الكبرى يجدون حرجًا في وضع اسم مواطن فرنسي من أصل عربي أو مسلم على قوائمهم الانتخابية في المحطات الانتخابية المهمة مثل الانتخابات التشريعية، بينما يتنافسون في الإشادة بزين الدين زيدان بطل كأس العالم في دورته الماضية بفرنسا. فهذا الصنف من المواطنين من أصل أجنبي مرحب بهم في المجال الرياضي وفي غيره من المجالات التي تخدم صورة فرنسا وتزيدها هيبة في العالم، وغير مرحب بهم في مواقع الإشراف والتسيير والقرار.

والنتيجة أن السلطة التشريعية الممثلة لسلطة القرار الشعبي بقيت محتكرة بيد الكتل السياسية الكبرى وغير مستوعبة للثراء السياسي الذي تعكسه التركيبة الثقافية والعرقية المتنوعة لمختلف مكونات النسيج الاجتماعي، ولعل الزلزال الذي هز الحياة السياسية الفرنسية يوم 4/21 يدفع أصحاب القرار نحو مراجعة مواقفهم إزاء الحضور العربي الإفريقي -الإسلامي في اتجاه التعامل معه بعقلية انفتاحية بما يثري البنية الثقافية والفكرية والسياسية وينزع فتيل العنف والتخوف من الآخر ويفعّل دور فرنسا إقليميًا ودوليًا. والجالية المسلمة مدعوة من جانبها لتفعيل وعيها التربوي والسياسي بما يخول لها التأهل لدور مستقبلي والخروج من حالة التهميش الاقتصادي والسياسي بالاستفادة من نتائج الزلزال السياسي وما أحدثه من زخم شعبي مناهض للتيار العنصري وميال لنزعة الاعتدال والعدل و احترام مبادئ الديمقراطية والتعددية.

(*) مدير المركز الفرنسي الأوروبي للبحوث والإعلام والتأهيل

الرابط المختصر :