; مذكرات رضا نور.. كيف عالج مصطفى كمال قضية الأرمن؟ | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور.. كيف عالج مصطفى كمال قضية الأرمن؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1981

مشاهدات 49

نشر في العدد 554

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 29-ديسمبر-1981

لماذا الخوف من رأس المال الأجنبي؟

حولوا ورشة إصلاح القطارات إلى مصنع للسلاح، وبالمواد الأجنبية أخذ بعض الأتراك يصنعون فيها المدافع. وكان لهذا قيمة عظيمة، وقد نفعتنا هذه الورشة كثيرًا. معنى هذا أن الخوف من المؤسسات الأجنبية عبث، فلنشجعهم بقدر الإمكان على إقامة المصانع وأمثالها في بلادنا ليأتوا بملايينهم وليكسبوا، والمستفيد الحقيقي لذلك هو نحن. وأخيرًا فإنهم يعدون لنا رجالنا ويدربونهم، والمثال على ذلك هو: خط السكة الحديدية في الأناضول ولا سيما القسم الذي في اسكيشهر الذي أدى خدمات جليلة لأقصى درجة في حربنا.

عصمت باشا يخاف خوفًا شنيعًا من الأجانب، والجمهورية تأخذ بهذا المبدأ، وليس هناك خطأ أفدح من هذا، الفحم غير موجود وكنا نشغل هذه القطارات بالحطب والخشب.

روسيا تشترط تنازلنا عن أراضي تركية للأرمن

رجعت إلى أنقرة، كنا في هذه الأيام مشغولين بتنظيم الجيشين. توجد حاجة ماسة للسلاح والذخيرة والمال، وحتى الآن لم يصلنا أي خبر عن وفد بكير سامي الذي سافر إلى روسيا لعقد معاهدة معها وطلب مساعدات منها في هذا الخصوص. 

نبعث بالبرقيات عن بكير سامي، نبحث عنه في موسكو وغيرها، لا يوجد، ثم إذا بنا أمام يوسف كمال وفي يده مادتان بالحروف الأولى من المعاهدة. قلت له: «لماذا جئت؟». فقال: «يا سيدي! إن هؤلاء الروس لا يمكن عقد معاهدات معهم، هذا غير ممكن». ثم أردف قائلًا بعد قليل: «الروس يقترحون علينا أن نتنازل للأرمن عن «وان» وشيشيرون يصر على ذلك ويقول: «ما الفائدة التي تجنونها من وان! هيا تنازلوا عنه وبذلك تنتهي مشكلتها».

سألته عن أهالي روسيا، خاصة وأنني مهتم بالشيوعية، فأخذ يكيل المديح للشيوعية، وقال لي «أي يوسف كمال»: «إنني شيوعي بكامل الإيمان، وتركيا لن تنجو من محنتها إلا بها». وعلمت فيما بعد أن يوسف كمال وصل بزورق إلى كرزه وقام هناك بالدعاية للشيوعية. وعندما وصل إلى بويا أباد ثم قسطموني، قام بالدعاية نفسها حتى إنه أثر في شخص يدعى كوميش وهو قهوجي، وجعل منه شيوعيًّا حركيًّا، بل وأمره بتشكيل خلايا شيوعية. 

أقوال يوسف كمال أوقعتني في الحيرة والشك؛ ذلك لأني حتى ذلك الحين كنت ضد الشيوعية «ولا أزال». والواقع أنني لا أعرف الشيوعية بعمق، لكن القدر الذي أعرفه عنها في هذا الموضوع يجعلني عدوًّا لها. أما يوسف كمال فإني أعرف أنه رجل قارئ وذكي، ومع ذلك فإن هذا السلوك منه لا أستطيع هضمه أبدًا. 

طلب مجلس الأمة أيضًا إيضاحًا من يوسف كمال بشأن المعاهدة، وتحدث في جلسة سرية. وأخيرًا قال: «لا بد من التنازل للأرمن عن منطقة «وان» حتى نستطيع عقد المعاهدة مع روسيا، وبغير هذا لا يمكن».

هاج مجلس الأمة، كان أعضاء هذا المجلس جهلاء، لكنهم وطنيون وعقلاء جدًّا. هاجموا يوسف كمال، ولم يدرِ يوسف كمال كيف ينزل من على المنصة، خاف وهرب.

قال مصطفى كمال في خطابه إن المعاهدة تمت بالأحرف الأولى ثم عقدت بعد ذلك، والجملة الأولى خطأ، والأحرف الأولى لم تكن إلا على مادتين فقط وهاتان المادتان تم تغييرهما بعد ذلك. ولم يذكر مصطفى كمال القسم الثاني «وخطابه عبارة عن 543 صفحة جعل منها 350 صفحة للسب في رجال أدُّوا خدمات جيدة»، ولم يذكر هذه المعاهدة إلا في جملة، والسبب في هذا الاقتصار هو أن يتجنب ذكر خدماتي في سبيل المعاهدة.

مندوب مصطفى كمال في روسيا يدعو إلى استقلال الآستينيين

عاودنا البحث مرة أخرى عن بكير سامي، غير موجود، حتى في موسكو أيضًا تجهل الحكومة الروسية مكان إقامته، إلا أن المسؤولين الروس يخمنون أنه من المحتمل أن يكون موجودًا بين شعب الآستينيين في جبال القوقاز.

ولما ذهبت أنا إلى روسيا علمت بمسألة بكير سامي؛ شيشيرون طلب تنازلنا عن منطقة وان للأرمن، فوافقه كل من بكير سامي ويوسف كمال لكنهما قالًا: «لا بد من رجوعنا إلى مجلس الأمة أولا». وقال بكير سامي للروس: «إذا أعطيتم الآستينيين «الذين تحكمونهم» الاستقلال، أستطيع أنا إقناع مجلس الأمة بالتنازل عن وان».

ولما سألت شيشيرون عن هذا صدق عليه. قال إن بكير سامي توجه إلى حيث يقطن الآستينيون «في جبال القوقاز بروسيا»، وقال ليوسف كمال: سأذهب أنا وانتظر أنت! فقال يوسف كمال: «أنا سأعود» ثم دب الخلاف بينهما. وأخيرًا قال بكير سامي ليوسف كمال: «اذهب أنت وحل المشكلة في مجلس الأمة» فأخذ يوسف كمال طريقه وكأنه يهرب ووصل أنقرة.

خطة بكير سامي

عندما ذهب بكير سامي إلى روسيا تبرأ من اسمه وتسمى باسم «الأمير قوندك» فعندما كنت أسأل عنه في روسيا لم يكن أحد يعرفه؛ إن اسم عائلة بكير سامي هناك هو قوندك، وهم أمراء. 

تألمت كثيرًا عندما علمت بهذا؛ إنسان تربى تربية تركية وعاش في تركيا من أجل الأتراك، وبالنقود التركية، ترسله الدولة التركية في أحلك أيامها ليحصل لها على نجدة وإمداد، فيترك المسألة التركية ويعمل على استقلال بني جلدته الآستينيين! غايته أن يكون هناك أميرًا، إن هذه خيانة وشيء صعب.

وعندما عدت من روسيا تحدثت أنا عن هذا الأمر، وسمع بكير سامي وتأثر تأثرًا كبيرًا، وجاءني وأوَّل الكلام لكن تأويلاته مدهشة.

وبينما الأمر كذلك، إذا بالروس يرفضون استقلال الآستينيين. فغضب بكير سامي لهذا، وهو الذي حصل من الروس على وعد بهذا الاستقلال ابتداءً. معنى هذا أنهم خدعوا بكير سامي من أجل خطف وان!

هدد بكير سامي حكومة موسكو قائلًا: «سأهجر الآستينيين، اعطوهم استقلالهم». فلم يعر الروس هذا الكلام اهتمامًا ولم يهجر أحدًا. ولم يعد في يده شيئًا يفعله. اتجه إلى تفليس وكان في تفليس في ذلك الوقت حكومة جورجية وطنية، وكان لديها ممثلون لدول الحلفاء من إنجليز وفرنسيين إلى آخره.

خطأ فظيع يرتكبه بكير سامي

دخل بكير سامي في مباحثات باسم تركيا -وهو لا يحمل الصلاحية بذلك- مع كل من الجورجيين والفرنسيين، موضوع هذه المباحثات هو: اتحاد كل من بولندا ورومانيا وقفقاسيا وتركيا، ويعلنون مشتركين الحرب ضد روسيا بمساعدة الفرنسيين. والفرنسيون يتوقون لهذا؛ والسبب في ذلك أن روسيا أنكرت ديونها التي حصلت عليها من فرنسا، لكن هذا لن يكون له فائدة بالنسبة لنا، إنهم سيستعملوننا كالثيران والبغال. أما بكير سامي فقد غضب من الروس وهو بصدد الانتقام منهم الآن، وهو يعلم ما نحن فيه من حال؛ فوق رؤوسنا أجانب من يونانيين وفرنسيين وإنجليز وأرمن إلى آخره وليس لدينا جيش ولا سلاح ولا ذخيرة ولا نقود، أيهمُّنا هذا الذي يديره بكير سامي؟! لو كان بيدنا شيء فلنوجهه لدفع بلاء اليونانيين والأرمن عنا. ولو حاربنا الروس ماذا نفعل باليونانيين الذين يحتلون بلادنا وفي الوقت نفسه نتسول السلاح من روسيا! إن ما فعله بكير سامي خطأ فظيع.

أوروبا مع الأرمن ضدنا

منذ مدة والأرمن الموجودون في منطقة أرمنستان «بتركيا» قد تجاوزوا حدهم كثيرًا، كانوا يقيمون المذابح للأتراك في كل من نخجوان وقارص. قتلوا أهالي أربعين قرية في نخجوان، وكل قرية تحتوي على ألف دار على الأقل، يعني أن الأرمن قتلوا مائتي ألف تركي. وأخيرًا، اضطر الأتراك هناك إلى حمل السلاح وقاوموا الأرمن، وعندما انهزمت روسيا، قام الأتراك في قارص بإقامة دولة مستقلة لهم هناك. وعندما حدثت الهدنة، دخل الإنجليز وقضوا على حكومة هذه الدولة، ونفوا أركان هذه الحكومة إلى مالطة وسلموا قارص للأرمن، فقام الأرمن هناك بقتل الأتراك. وكأن لم يكفيهم أن الجيش الروسي عند انسحابه من المنطقة لم يقتل مئات الآلاف من الأتراك في طرق بایبورد وأذربيجان وأضروم وقارص. وقدَّم كل من الأمريكيين والإنجليز كل شيء للأرمن من مأكل وملبس ومدفع وبندقية وذخيرة ونقود، وانضم الضباط الإنكليز -كمتطوعين- في جيش الأرمن. وقد كوَّن هؤلاء جيشًا قوامه ثلاثين ألف شخص، وأصبحوا يحسون بالعظمة، وأن المذكرة التي وجهها لنا وزير حربيتهم كانت تثبت أن الأرمن يعدون هجومًا. وأخيرًا، كان الموقف كما يلي: 

اليونانيون في الغرب، والأرمن في الشرق، ونحن بين نارين، أهمهما اليونان والحلفاء. لكن لا بد من الانتهاء من مسألة الأرمن؛ فالأرمن لا بد وأن يقوموا علينا بهجوم، ولا بد أن نهاجمهم نحن قبل أن يكملوا عدتهم واستعداداتهم.

الرابط المختصر :