العنوان الحوار الإسلامي المسيحي بين المبدئية والعبث
الكاتب بهيج ملا حويش
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 760
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 25-مارس-1986
- الساحة الأوروبية مصابة اليوم بهستيريا التخوف من الوجود المسلم
- البادرة الحضارية التي قام بها الإسلام في الحوار مع المعتقدات الأخرى لم يسبقه إليها دين ولا أمة
- الإسلام اليوم مدعو للحوار مع أوروبا وغيرها من أكثر من جمعه وأكثر من بنى
- الحكمة كل الحكمة أن يتمكن المرء من أمره وينزل إلى مستوى مشاكل الناس.
- لا بد من التوقف عن العبث التاريخي والعلمي في وصف رسالة الإسلام ونسبها إلى بدعة إنسانية.
يقول تعالى «في سورة إبراهيم- الآية 24- 26».
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾.
وفي حادثة إسلام عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه عبرة:
«لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته أم حكيم بنت الحارث بن هشام- زوج عكرمة- فأسلمت ثم قالت: يا رسول الله: قد هرب عكرمة خائفًا، فأمنه.
قال صلى الله عليه وسلم: هو آمن.
فأدركته وهو يهم ركوب السفينة ثم عادت به إلى مكة، وقبل وصوله قال صلى الله عليه وسلم:- يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت.
فلما دخل عليه قال: يا محمد، إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. قال: صدقت، فأنت آمن.
قال عكرمة: فإلام تدعو يا محمد؟...
الجاهل عدو نفسه
الطامة كل الطامة أن يقاتل رجل رجلًا عشرين عامًا وهو لا يعرف لماذا يقاتل، والجهل كل الجهل أن ينفق ماله وعمره ويدفع بقومه وأهله إلى الموت دونما معرفة للقضية، بل الأدهى من هذا أن يهجر أهله وأرضه ويهيم مع الهائمين من غير أن يعمل فكره لحظة واحدة بعيدًا عن أجواء الحقد والكراهية والغوغاء.. فيسأل: يا محمد، إلام تدعو الناس؟
والحكمة كل الحكمة أن يتمكن المرء من أمره وينزل إلى مستوى مشاكل الناس ويعالجها فيما يحفظ للمجموع مضاعفات الحلول القاطعة، التي تقطع القلوب والأرقاب..
- يا رسول الله لقد هرب عكرمة فأمنه.
- هو آمن...
- يأتيكم عكرمة بن أبي جهل، فلا تسبوا أباه.
- سلني يا عكرمة، فإني لا أرد لك اليوم طلبًا.
- استغفر لي كل عداوة أو مقام أو كلام قلته فيك.
- اللهم اغفر لعكرمة، ما نال مني في وجهي أو أنا غائب.
بهذا المشهد المهيب بين زعيم الكفر ونبي الحكمة يسدل الستار على الحوار الذي انتهى إلى أجمل نهاية يصل إليها طرفان.
يا رسول الله: أما والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها، ولا قتالًا إلا أبليت ضعفه.
عناصر الحوار الناجح
هذا الحوار الناجح لم يكن وليد الصدفة بل نتاج الحكمة، توفرت شروطه فكانت النتيجة المنطقية له وهي الوصول إلى هذا الموقف الصريح الذي كان له ما بعده.
فلقد كانت هناك- قضية واضحة.. هي موضوع الحوار.
وكانت هناك شروط توفرت لبدء الحوار.
- وشروط توفرت في المتحاورين.
وهذه القضايا الثلاثة: موضوع الحوار، وشروط الحوار، وشروط المتحاورين، هي القضايا الرئيسية الثلاث التي هي موضوع بحثنا في محاولات الحوار القائمة بين المسلمين والمسيحيين اليوم.
وإذا اعتبرنا أن الحوار الإسلامي المسيحي النظيف والمحاولة الهادفة، والهادفة إلى تخفيض حد الحساسية بين الجانبين لما فيه خدمة أجواء السلم الاجتماعي والبحث عن نقاط الألفة في خضم بحر لجي من المواقف الفردية والجماعية وبغض النظر عن السوابق العدلية في تاريخ الفكر الغربي وفي مواقعه وملاحمه، ومع معرفتنا الأكيدة أن شموع النور هي أضعف من أن تستمر متقدة في دياجير الفكر الأوروبي أمام مداخل الحوار معنا.. فإننا مع ذلك لا نقنط من قدرة الإنسان وإمكانية تفتحه على نور الحقيقة إذا ما نحن بحثنا عن مداخل النفس البشرية ومنافذ المجتمعات المغلقة بأوصاد الحقد والعنصرية والعنجهية.
والإسلام اليوم مدعو للحوار في أوروبا وغيرها من أكثر من جهة وأكثر من منبر، كما هو مطلوب للنزال في أكثر من بلد وأكثر من معمعة.. وبين هذا وذاك محاولات متباينة للكسب من الأوضاع القائمة في المجالات السياسية والحزبية والنقابية لصالح فئة معينة، تتطلع لربح أصوات المسلمين وتسلم إدارة المؤسسات.
فضيلة الحوار.. والشبح «الإسلامي» في أوروبا
وذاكرة الفرد المسلم تستجمع وتسترجع مشاهد كثيرة في محاولة منها لاستشفاف المواقف والنوايا، حتى إذا ما وقفت على يابسة بادرت إلى فضيلة التحاور والتجمع على ما فيه خير المجتمع وسلامته.. فنحن نذكر كلمات البابا وزياراته المختلفة لبلدان المسلمين، ونذكر كذلك كلمات لوبن، وموقف بعض الأحزاب الأخرى من الوجود المسلم في أوروبا بين متحفظ ومتفهم، كما أننا ندرس بكل رزانة وحصافة انشغال أجهزة الإعلام والثقافة الأوروبية بقضية الإسلام في أوروبا ومدى تأثيره على «الأصول الثقافية الأوروبية» التي وصفها البعض أنها أصول يهودية- نصرانية فقط، أي بمعنى أن الشعوب والأفراد الذين لا ينتمون إلى هاتين الثقافتين غير معنيين ولا جديرين بالعيش معهم.
نترفع عن كل هذا وذاك ونلحظ بين ركام الحضارة الإنسانية القائمة بل ولا نعدم الجهد أن نبحث حتى في نفايات هذا المجتمع عن اليد المخلصة والكلمة المطمورة والعين المتوارية لنمد معها جسور التفاهم، نعرفها بأنفسنا ونتعرف عليها في محاولة منا لإنقاذ الساحة من التشنج الإعلامي والجنوني الدغائي الذي لا يفكر بالغد وما يمكن أن يجر من خير أو شر.
إننا لا نتجنى إذا قلنا إن الساحة الأوروبية مصابة اليوم بهستيريا التخوف من الوجود المسلم وأن العالم المسيحي في أوروبا قد انتابته أعراض العصبية الفكرية، وأنه يحتاج إلى تطهير وتعقيم للوصول به إلى الصحة النفسية وإفهامه أن ما أصابه من حمى الخوف والخشية من الوجود المسلم في أوروبا ما هو إلا نتاج التلقي المغلوط والتقييم المغلوط.
وإذا ما أصخنا السمع لنداءات الحوار القائمة اليوم فإننا نذكر أنفسنا وغيرها أن فضيلة الحوار مع العالم المسيحي نحن أصحابها، وأن أيادينا في الدفاع عن النصرانية الحقة تشهدها وهاد مكة وأن قولة الحق فيهم قد كلفتنا دماء ورجالاً، ولكن للحق ثمنًا، وقد دفعناه منذ اليوم الأول للدعوة الإسلامية ولم نقابل بالمثل، بل قوبلنا- عندما مالت كفة القوة إليهم- باستعمار بلادنا وتشريد أبنائنا والعبث في مستقبل شعوبنا وأبنائنا.
البادرة الحضارية الأولى وثمن الدفاع عن النصرانية
ولنعد بذاكرتنا إلى الصدر الأول من الإسلام لنرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أهل الكتاب إلى مائدة المفاوضات بنداء الله جل وعلا:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...﴾ (آل عمران: 64).
بل إن المبادرة الأولى كلفت الثلة المؤمنة عنت مجابهة الجهاز الإعلامي والاقتصادي اليهودي المتحكم بالجزيرة العربية آنذاك، إذ هو أعلن تبرئة المسيح وأمه عليهما السلام مما ألصق بهما هذا الجهاز من افتراءات أوصلها إلى مرتبة الحقائق في أذهان عرب الجزيرة.
ولقد جاء الإسلام ليطرح قضية لم تكن تشغل بال الناس في مكة وما حولها، ولم يعيرها الناس قليل اهتمام. فساحة التوحيد كانت مقتصرة على اليهودية وأديان العرب على ما فيها من شرك وإشراك.
بل إن الإسلام أقحم المسلمين في قضية خاسرة في موازين الناس وكان في غنى عن مواجهة اليهود بدفاعه عن النصرانية الحقة، ومنطق الأشياء كان يقتضي من الثلة المسلمة تقليل أعدائها، ولكم الحق رائدها دومًا، فارتضت رضية مطمئنة إلى دفع ضريبة كلمة الحق، وكم هي باهظة هذه الضريبة في كل الأمصار والأزمان.
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 4- 8).
فالنصارى لم يمثلوا قوة عددية بشرية، ولا قوة فكرية مسيطرة ولا قوة اقتصادية متحكمة، حتى أن قبائل العرب المتنصرة على تخوم الروم ما كانت إلا قبائل تحالفات عسكرية بين السيد والعميل، تمامًا كما هو الحال اليوم بين دول كثيرة باسم المعاهدات الاستراتيجية أو الدفاع المشترك أو غير ذلك من أسماء ونعوت لا تخرجها على أية حال من إعطاء البيعة للسيد الأجنبي ليكلفهن بالقيام بدور كلاب الاستطلاع وكلاب الصيد، يروعون كل آمن وينهشون كل أمين، يأتون له بالصيد من أجساد إخوتهم على مذابح النخاسة والخسة، ليبجلونه ويوقرونه ويسمنوه، ثم لا يتلكأ يومًا أن يحرش الرفاق على من استأثر ببعض الصيد أو طالب به.
﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: 1- 4)
ثم أن قبائل العرب في ذلك التاريخ لم تكن تمثل قومية ولا تنزع لها ولم تفكر بوحدة المصير ولا وحدة الهدف.. إنهم حديثو عهد بداحس والغبراء وخوفهم من الأقارب مقدم على عمالتهم للغرباء، فما كان هم العرب كسب ود القبائل المتنصرة على حدود فلسطين والأردن، بل أن اليهود كانوا أقرب منهم إلى قريش، فأسماؤهم عربية، وبيوتهم وتجارتهم في قلب الجزيرة العربية، لا ينازعهم في عروبتهم ونسبهم إلى إبراهيم الخليل أحد.. حتى جاء القرآن الكريم ليعلن ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ (آل عمران: 68).
وهكذا نرى أن الإسلام قبل مواجهة اليهود والمشتركين معًا في قضية النصرانية دونما عائد على الدعوة ولا على أشخاصها، بل إن الموقف أزم العلاقة مع الجهاز الإعلامي والاقتصادي المتحكم بأم القرى حيث أخرجه من إطار كلمة الحق والرشاد إلى إطار قضية وطنية بأبعادها السياسية والعسكرية. فالنصرانية كانت حاضرتها الروحية في الحبشة، والحبشة كما هو معلوم هو العدو التاريخي أو العدو التقليدي للعرب منذ أيام أبرهة، كما هي كذلك العدو التقليدي لليهود منذ أيام الأخدود.
وهكذا انحاز اليهود كليًا إلى صف المشركين تحرضهم امتيازاتهم السلطوية والاقتصادية المهددة إضافة للتهديد الجديد في عقيدتهم وفكرهم وأمنهم، فطفح كيلهم وعيل صبرهم، فأعلنوا كتابهم الأسود بعنوان:
«هؤلاء أهدى سبيلا»
هكذا نرى أن البادرة الحضارية التي قام بها الإسلام في الحوار مع المعتقدات الأخرى لم يسبقه إليها دين ولا أمة.. فالقول الفصل كان للقوة وما اعتادت الأمم على الحوار سبيلًا لا في مواقف القوة ولا في مواقف الضعف، وقد تعارفوا جميعًا على حق المنتصر في فرض شروطه والتمتع بانتصاره.
وهكذا نرى أن النزوع للحوار عدا عن أنه أصل أصيل من أساليب دعوتنا، فإنه لم ينطلق من فراغ ولا يهدف إلى العبث في عقول الناس وأحوالهم ومصائرهم كما يعرف أيضًا لهذا الأصل الأصيل ثمن يدفع، لا من فضلة الأموال وصدقات المتخمين، بل من قواعد استقراره وأمن أبنائه أو بكلمة أخرى لم يكن حوار ترف ولا حوار عبث ولا حوار السيد والمسود.
بهذه الأخلاقية وبذاك الثمن واجهنا العرب واليهود وفارس والروم دفاعًا عن قضية الحق والعدل.. ولكن..؟
ما هكذا توفى الديون
ولكن نقول وبكل أسف- والتاريخ شاهدنا- إن النصرانية ما قابلتنا بالجميل، إذ كانت طلائع الاستعمار في بلادنا وظله الظليل، فهم الذين حرشوا على غزو الخلافة العباسية تحت الشعار الأسود السابق: «هؤلاء أهدى سبيل»
ودخلوا مع جحافله دمشق يرشون ثياب المسلمين ومساجدهم بالخمر.. ولكن عقاب التاريخ للشر أعاد التتار رسلًا للإسلام إلى أقاصي الشرق.
ودخل اللنبي فلسطين وتوجه إلى بيت المقدس ليعلن أن الحروب الصليبية قد انتهت الآن.
ودخل الجنرال غورو دمشق فتوجه لتوه إلى قبر صلاح الدين ليركله قائلًا: قم يا صلاح الدين ها قد عادت خيولنا.
ناهيك عما فعلوه في الجزائر والمغرب وعن محاكم التفتيش وعن حروب أوغندا وجنوب السودان والفلبين وبيافرا، إلى آخر ما هنالك من مخاز معلقة على سلم التاريخ.. وجدير بنا أن نذكر أن لفظة الحوار، ظهرت للمرة الأولى في أيام بولس السادس في رسالته المشهورة بتاريخ 6/ 8/ 1964، وتعود اليوم لتكبل بكلمة لاحقة، التبليغ والتبشير، ثم تتبع بقيد آخر، أي التنصير.
فهل الحوار شكل من أشكال التنصير؟
إننا لا نسيء الظن ولكن من حقنا أن نطلب تفسيرًا..؟
ثم ما معنى العبارة البابوية: إن حياة المسيح تحتوي على كل عناصر التبشير وهي: الصمت والعمل والصلاة والحوار والتبليغ..؟ ومع ذلك فنحن اليوم إذ نغض الطرف عن كل هذا امتثالًا لقوله تعالى:
- ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر: 18)
- ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ (الأنعام: 25)
- ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (المنافقون: 1)
امتثالًا لكل هذا تنازل الآخرين دفاعًا عن الحق وهتكًا لستر الباطل وإزهاقًا له وتبيانًا لعيوبه، ومحاولة للوصول إلى بساط التفاهم ومائدة الحوار الهادف الصادق، واضعين في اعتبارنا أن هناك عقبات في طريق هذا الحوار لا بد من تذليلها قبل الوصول إلى طاولة النقاش حتى يكون حديثنا متخففًا من الأثقال والالتزامات الاجتماعية أو السياسية أو التنظيمية.
يقظة الضمير المسيحي، والتدريب على فقدان الذاكرة
إذا سلمنا بأن الاستعداد للحوار من الجانب المسيحي سببه يقظة الضمير المسيحي الحديث ومثوله أمام كرسي الاعتراف الحضاري ورغبة في التفكير أو رغبة في غسل يده من الجرائم الحضارية أو استعداده لرد المظالم، فإن علينا اليوم أن نتعاون جميعًا لغسل الذاكرة المسلمة مما حفر فيها بالمثالب النصرانية المتطرفة، أو ممن ادعى نسبه إلى الدين الذي يدير خده الأيسر لمن يصفعه على خده الأيمن.
علينا أن نتعاون جميعًا لتخدير الذاكرة المسلمة أو على تدريب المسلمين على فقدان الذاكرة، وكم هو صعب على أمة من الأمم أن تسعى لتدريب أبنائها على فقدان الذاكرة وهي تسعى حثيثًا للتسامي فوق الجراح وفوق الآلام.. فالذاكرة المسلمة إذًا مدعوة مرة أخرى لدفع ثمن التقارب الإنساني والتعامل البشري على أساس آدمية الإنسان كإنسان.
فنحن نحتاج إلى أطباء قادرين على معالجة هذه الذاكرة ومساعدتها وشفائها، نحتاج كذلك إلى القادرين على رفع مستوى وعي الفرد المسلم في أوروبا وغيرها وإخراجه من الهامشية التي يعيشها وانتشاله من بؤرة النقد والتجريح لكل ما حوله دونما استفاقة لوضعه ومستقبله.
- نداؤنا هذا لا يمكن أن يفسر على أنه دعوة لإماتة الحس المسلم كما أنه لا يعني أبدًا أن فضيلة الحوار التي ندعو لها صادقين مرشحة لتعطيل فضيلة الجهاد، فليس لأحد أن يأخذ علينا في هذا مأخذًا، فالحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه.
- نحتاج أيضًا إلى القادرين على تربية المسلم المغترب على التعامل الواعي مع محيطه وليس التعامل العاطفي- تعامل المراهقين- في الحب والكراهية ومساعدته على النضوج في العواطف والأحاسيس وتقدير عواقب التصرفات الفردية والجماعية، كل ذلك وفق منهجية أخلاقية شريفة في التعلم والتدريب.. وعلى المؤسسات الإسلامية أن تعي وتقوم بدورها الفاعل والمؤثر بالنصح والإرشاد لا بالترغيب والترهيب.
العبث العلمي عمره خمسة عشر قرنًا
هذا من جانبنا ثمن الحوار الذي ندعو إليه، وهو ثمن ليس بالرخيص، وسيكلفنا شيئًا من أعصابنا وشيئًا من سمعتنا، ونحن نواجه الفئة التي تتخذ من التاريخ مرجعًا لتقييم تصرفاتها الحاضرة وتعاملاتها المستقبلية، كما ستحرض علينا أولئك الذين ما زالوا يلعقون دماءهم وجراحهم ندية من ظلم المتطرفين والمتعصبين.. ولكن لا علينا فدعوة الخير لا بد وأن تصطدم بجدران صلدة بنتها ودافعت عنها أياد كثيرة، فهي استمرار لمبادرة المسلمين الأولى القائمة على قواعد الحق والإيمان والقوة.
أما من جانبهم فعليهم أن يفعلوا ما استطاعوا لإيقاف هذا الهذيان الجماعي ضد الوجود الإسلامي.
- العمل على الحد من تحريش السفهاء والاعتداء على المسلمين وظلمهم.
- العمل على إعادة صياغة الفكر المسيحي بما يتناسب وحقائق الأشياء، وإخراجه من عالم الأحلام الذي صاغه من نسيج الأوهام والرغبات والأطماع.
- وأخيرًا، إذا كانت الرغبة صادقة في إخراج قضية الحوار الديني الفكري من أزمته لا بد من التوقف عن العبث التاريخي والعلمي في وصف رسالة الإسلام ونسبها إلى بدعة إنسانية، فلو كان القرآن الكريم اقتباسًا من الإنجيل أو من صنع محمد صلى الله عليه وسلم كما يقول موريس بوكاي، لكان المسيح أولى بالاتهام بخدعة الناس باستلهامه الإنجيل من التوراة.
- يتبع في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل