العنوان وماذا بعد فوز أوزال في الانتخابات؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 848
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 22-ديسمبر-1987
انتهت الانتخابات التركية التي جرت يوم
۲۹ نوفمبر ۱۹۸۷ بفوز ساحق سجله حزب الوطن الأم الذي يتزعمه
تورغوت أوزال رئيس الوزراء السابق واللاحق، وصار بإمكانه أن يطمئن إلى أربع سنوات أخرى
في مقعد الرئاسة دون أن يهدد وجوده أحد فقد حصل من مجموع ٤٥٠ نائبًا على ۲۹۲ نائبًا.. مقابل ۹۹ نائبًا لخصمه اليساري أردال أنينو و٥٩ نائبًا
لعدوه اللدود سليمان ديميرال وفي أعقاب الأفراح والتهاني والحملات الإعلامية، التي
توجت أوزال ملكًا على تركيا ووصفته بكل أوصاف العبقرية السياسية والإصلاح الاقتصادي،
فإنه شخصيًّا لديه ما يقلقه ولربما كمن قلقه في مصدر قوته ذاته.
فإذا سألنا وكيف ذلك؟ كان الجواب كما يلي:
1-
أوزال يدرك أنه نال هذا العدد من الأصوات (۲۹۲) مقعدًا بفضل قانون سنَّهُ له
برلمانه السابق يتيح للحزب الذي ينال أعلى الأصوات أن يأخذ نائبًا من كل دائرة مهما
كانت أصواته في هذه الدائرة، كما تضاف جميع الأصوات التي نالتها الأحزاب التي لم تحصل
على نسبة ١٠٪ بطريقة أوتوماتيكية إلى الحزب الأكبر.. وهكذا حصل أوزال على ثلث الأصوات
تقريبًا أي ٣٦٪ وبدلًا من أن ينجح له ١٥٨ نائبًا فقد حصل على ۲۹۲، وقد تنبهت الصحافة الغربية
إلى هذا العيب الديمقراطي الكبير فقالت الإيكونوميست في ٨/١٢/١٩٨٧ تعليقًا: «وهناك
عيب في فوز أوزال وهو أنه حصل على ٦٥٪ من مقاعد البرلمان مقابل حصوله على ٣٦٪ فقط من
الأصوات وجاءت هذه المحصلة نتيجة لقانون الانتخابات الذي سارع إلى إعلانه قبل الانتخابات».
2- إن نسبة العشرة بالمائة التي اشترطتها ديمقراطية
أوزال على الأحزاب أن تحصل عليها كحد أدنى إذا أرادت دخول البرلمان.. هي نسبة غريبة
غير مطبقة في أي بلد آخر في العالم.. فأعلى هذه النسب هي ٨٪ في مصر وزادت عليها تركيا
فجعلتها ١٠٪ وهذه النسبة العالية حالت دون دخول حزب الرفاه الوطني «الإسلامي» إلى البرلمان،
ولقد رحبت معظم صحف الغرب بهذه النتيجة فذكرت التايمز البريطانية في عددها الصادر يوم
٢٥/١١/١٩٨٧ فقالت: يعتبر أربكان عدوًا لدودًا لعضوية تركيا في مجموعة السوق الأوروبية
المشتركة، وإن للحركة الإسلامية مرامي بعيدة لا تخدم الحكم التركي العلماني الراهن،
فهذه الحركة على صغرها حاليًا، تتنامى كما أنها تحلم بإقامة دولة إسلامية في تركيا..
ويتطلع حزب «الرفاه» بزعامة نجم الدين أربكان نحو تحقيق ذلك، وحين كان أربكان زعيمًا
لحزب السلامة الوطني كان يمسك بميزان السُّلطة وكان مفتاحًا ورمزًا لمفتاح الجنة والسلطة».
وواضح من تعليقات التايمز الساخرة من أربكان
فرحتها بأوزال وفوزه في نفس الوقت.
3- كان واضحًا أن المسلمين الأتراك تجمعوا
كلهم على قلب رجل واحد وراء نجم الدين أربكان قبيل الانتخابات وأثناءها.
وإن الوسائل الماكرة وحدها، وركوب موجات
الإذاعة والصحافة والتلفزيون، والتأييد المطلق من الغرب، والتلويح علنًا بسيف الجيش
المسلط على الرقاب، هي الأسباب الحقيقية التي منعت الإسلاميين من الوصول إلى نسبة الـ
١٠٪ المقررة لدخولهم البرلمان. قالت الإيكونوميست البريطانية في ٨/١٢/١٩٨٧: «لقد
كان جنرالات الجيش يرغبون في الاستقرار وفوز أوزال في الانتخابات يحقق لهم ذلك فيما
يبدو».
4- من المجموعات التي خرجت عن إجماع المسلمين
في تركيا هم النورسيون «أتباع الزعيم الراحل بديع الزمان النورسي» فقد انقسموا فريقين:
فريق مع سليمان ديميرال بكل ما يمثله هذا الرجل من علمانية صريحة وفريق مع أوزال الذي
يريد إلحاق تركيا بركب أوروبا بأي ثمن.. ولقد حارب النورسيون وحزب الرفاه ونجم الدين
أربكان بطريقة كانت مثار استغراب المراقبين من جميع الأطراف.
إن أوزال الذي حصل بحيلة قانونية على الأغلبية
البرلمانية يواجه اليوم تضخُّمًا تبلغ نسبته ٤٥- ٥٠٪ وديونًا خارجية تتجاوز الـ۳۲ مليار دولار بحيث لا تستطيع الصادرات التركية
الزراعية إلى بلدان الشرق الأوسط أن تسدد فوائد هذا البلد الغني بموارده الفقير بسیاسته.
وأمامه أيضًا مشكلة انتهاك حقوق الإنسان
والسجون التي تغصُّ بالمساجين، إذ لا تزال لجنة العفو الدولية تَعتبر اللجوء للتعذيب
في تركيا أسلوبًا واسع الانتشار كما أن لديها قائمة بمئات الأتراك من المعتقلين «الفايننشال
تایمز ٣/١٢/١٩٨٧» لأسباب فكرية.
وأمامه أيضًا المادة ١٦٣ التي يحكم بموجبها
كل مسلم يعلن أمام الملأ أنه مسلم وعندها فورًا يُحكم عليه سبع أو ثماني سنوات سجنًا
حسب القانون والفتيات المحجبات اللواتي يعانين ظلمًا لم يسجله التاريخ.
وأمامه حرب الأكراد في الشرق التي تهدد
الاستقرار برُمَّتِهِ وتنذر بتقسيم البلد إلى شرق وغرب، إلى كرد وترك، فالإسلام وحده
هو الذي يجمع بين القوميات المختلفة، وهذا وحده يفسر لماذا فاز حزب الرفاه الوطني بأعلى
نسبة من الأصوات في مناطق الأكراد.
إن نتيجة الانتخابات التركية التي حددها
قانون مُغرِض، وتحكم الجيش المسيطر على السياسات التركية منذ أمد بعيد، وسلطات أجنبية
تتدخل بوسائل مختلفة منها الدولارات، وتخاذل بعض القوى الإسلامية عن الإحساس بمسؤوليتها..
لسوف تَحرِمُ العالم الإسلامي كله من مشاركة تركيا الإسلامية لمدة أربع سنوات أخرى.