العنوان المجموعة الأوربية تقر تقسيم البوسنة ... والصرب يواصلون جرائمهم
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1011
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-أغسطس-1992
423 طائرة مساعدات وصلت للبوسنة والهرسك منها 28 فقط من الدول الإسلامية.
تمخض المشروع الأوربي لحل أزمة البوسنة والهرسك دبلوماسيًا عن حقيقة الموقف الأوربي إزاء المسلمين في البوسنة والهرسك، بعدما أعلن اللورد كارينجتون المفوض من قبل المجموعة الأوربية لحل الأزمة أن الحل ليس سوى تقسيم البوسنة والهرسك إلى ثلاث كانتونات يتقاسمها الصرب والكروات والمسلمون. ورغم أن هذا الحل قد أثار دهشة كثير من المراقبين، إلا أنه في الحقيقة ليس سوى إقرار من المجموعة الأوربية بالوضع القائم في البوسنة والهرسك الآن، ذلك الوضع الذي مكّن الصرب من الاستيلاء على خمسة وستين بالمائة من مساحة البوسنة والهرسك، رغم أنهم لا يمثلون سوى واحد وثلاثين في المائة من عدد سكان الجمهورية. أما الكروات الذين يمثلون ثلاثة وعشرين في المائة من عدد السكان فقد استولوا على ثلاثين بالمائة من الأراضي، أما المسلمون أصحاب الأرض الحقيقيون والذين يمثلون ستة وأربعين بالمائة من عدد السكان، فلن يبقى لهم في النهاية سوى خمسة في المائة من أراضي الجمهورية.
وفوق هذا الإقرار الظالم من قبل مفوض المجموعة الأوربية الذي كشف أيضًا حقيقة الاتفاق الصربي الكرواتي السري حول تقسيم البوسنة والهرسك، فإن اللورد كارينجتون أخذ يلقي باللائمة على المسلمين، واتهمهم بالتعنت ورفض الحلول السلمية، بسبب رفض حارس سيلاجيتش وزير خارجية البوسنة والهرسك قبول هذه الحلول التي ليست سوى تثبيت لجرائم الصرب وإرهابهم في البوسنة والهرسك ومكافأة لهم على جرائمهم.
وقد جاء تأكيد الموقف الأوربي على لسان الدبلوماسي البرتغالي كوتيليرو الذي قال: «لقد وافقت أطراف الصراع في مارس الماضي على تقسيم البوسنة والهرسك من حيث المبدأ؛ لأن ذلك هو الطريق الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية».
الموقف الأمريكي:
أما الموقف الأمريكي المُتمَيِّع من قضية البوسنة والهرسك فلم يحدث فيه تغيير يذكر؛ إذ قال جون بولتون مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون المنظمات الدولية في مؤتمر صحفي عقده في واشنطن في الثامن والعشرين من يوليو الماضي: «إن واشنطن لا تؤيد القيام بعمل عسكري في هذه المرحلة». كذلك سعى لصرف الأنظار عن القضية السياسية المتمثلة في حرب الإبادة الشاملة التي يشنها الصرب ضد المسلمين، وتصوير خطورة الوضع على أنه قضية مساعدات إنسانية حينما قال: «لكننا سنؤيد اتخاذ مجلس الأمن قرارًا يجيز استخدام كل الطرق اللازمة لضمان تسليم المساعدات الإنسانية.. إننا نجري مشاورات بشأن هذا الموضوع الآن». ولعل هذا الموقف الأمريكي يجعلنا نطرح تساؤلًا مهمًا: وهو ما قيمة هذه المشاورات الخاصة بإمدادات غذائية لأناس يقرع الموت أبوابهم ليل نهار؟ أليس الأولى هو اتخاذ تدابير وتحركات لإيقاف هذه المذابح؟
الأمم المتحدة واستمرار موقف المتفرج:
أما الأمم المتحدة فقد واصل سكرتيرها العام بطرس غالي مواقفه المتعنتة ضد مسلمي البوسنة والهرسك، ووصف في تصريح نشرته صحيفة هيرالد تريبيون البريطانية في الثامن والعشرين من يوليو الماضي الحرب في البوسنة والهرسك بأنها «حرب الأغنياء»، وأضاف قائلًا لأعضاء مجلس الأمن في جلسة مغلقة كان يبرر فيها موقفه المخزي: «فجميع الوجوه اليوغوسلافية التي تظهر على شاشات التلفزيون - من لاجئي البوسنة والهرسك - يبدو عليها الصحة والتمتع بالغذاء الكافي، في حين لا يبدي أحدٌ اكتراثًا بضحايا الكارثة الصومالية».
أما قائد القوات التابعة للأمم المتحدة في سراييفو الجنرال لويس ماكنزي فقد أعلن في الثاني من أغسطس الجاري أن مسؤولية قواته لا تزيد على حد المراقبة، وأنها لن تستخدم أسلحتها إلا في الرد على أي هجوم تتعرض له. والغريب أنه ألقى باللائمة على مؤسسة «سفارة الأطفال الخارجية» التي قتل قناص الصرب اثنين من الأطفال كانوا ضمن مجموعة أطفال أيتام تم إجلاؤهم من جحيم البوسنة في الثاني من أغسطس الجاري؛ إلا أن السيدة زرويتش مسؤولة الجمعية قالت: إنها ظلت ستة أيام تنتظر موافقة قوات الأمم المتحدة على توفير حماية أمنية للباص الذي كان ينقل الأطفال دون جدوى.
وحول أي تدخل عسكري لإيقاف الحرب، قال ماكنزي: «إن أي عملية عسكرية في البوسنة ستكون معقدة ومكلفة».
الموقف الإسلامي:
لا يوجد هناك وصف للموقف الإسلامي إزاء ما يحدث في البوسنة والهرسك على صعيديه العسكري والسياسي، يمكن أن يوصف به أقل من أنه موقف مخزٍ ومؤلم. فهذه القوة الإسلامية الكبرى التي تمثل ثقلًا جغرافيًّا وسكانيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا، لم تستطع حتى الآن أن تهب لنجدة مسلمي البوسنة والهرسك بأي شكل مقبول سوى مجموعة من الاستنكارات والنداءات التي لم ولن تغير الواقع. وكان التحرك كالعادة من قبل بعض المؤسسات الخيرية ومساهمات قليلة من بعض الحكومات أثبتت الإحصاءات والأرقام أنها ضئيلة للغاية.
ففي تقرير نشرته لجنة المسلمين في أوروبا والأمريكتين(1) عن مكتبها في كرواتيا في أول أغسطس الجاري عن حجم المساعدات التي وصلت لمسلمي البوسنة والهرسك، جاء فيه أن: عدد طائرات الإغاثة التي وصلت لمسلمي البوسنة والهرسك وحتى أول أغسطس الجاري بلغ 423 طائرة، عدد الطائرات التي وصلت من الدول الإسلامية منها 28 طائرة فقط، منها 20 طائرة أرسلتها تركيا. أما باقي الطائرات فقد وصلت من الدول الأوروبية. وعلى هذا فإن الأمر ليس بحاجة إلى تعليق.
زيادة الإجرام الصربي:
هذا الموقف الدولي جعل الصرب يزيدون في جرائمهم ضد المسلمين؛ بل إنهم أصبحوا يعتبرون هذا الموقف الذي يشبه الإجماع إشارة لهم حتى يواصلوا مخططاتهم التي تتمثل في إبادة مسلمي البوسنة والهرسك وإزالة جمهوريتهم من على خريطة العالم. وقد جاء ذلك على لسان الكولونيل بوجدان سوبوتيتش قائد القوات الصربية في البوسنة والهرسك، حينما قال في تصريح نشر في الثالث من أغسطس الجاري: «إن المسلمين أخطأوا في حساباتهم عندما رفضوا التفاوض لإقامة بلد على نمط الكانتونات في سويسرا، وقد حررنا 90% من مناطقنا بينما حرر الكروات جميع مناطقهم، ولم يعد لما يسمى بدولة للمسلمين سوى منطقة (زنشيا) وجزء من منطقة (سراييفو)». أما برلمان صربيا فقد أقر في السابع والعشرين من يوليو الماضي احتفاظ الصرب بالمناطق التي سيطر عليها الصرب في البوسنة والهرسك، والتي تزيد عن ثلثي الجمهورية.
ومن الناحية العسكرية، فقد استخدم الصرب القنابل العنقودية في الثالث من أغسطس في ضربهم لمناطق المسلمين في البوسنة؛ مما أسفر عن مئات القتلى والجرحى، وواصلوا إجلاء المسلمين بالقوة واعتقال الرجال والنساء في معتقلات جماعية كبرى؛ حيث يقومون بقتل المئات من المسلمين كل يوم في هذه المعتقلات.
وقد ذكر اثنان من الكروات كانا معتقلين في أحد هذه المعسكرات في حوار مع صحيفة (نيويورك نيوزداي) نشر في الثالث من أغسطس الجاري أن آلاف المدنيين يقتلون في معسكرات الاعتقال التي أقامها الصرب، وقال أحدهم: «إن معظم المعتقلين من صفوة السياسيين والأكاديميين والمثقفين من البوسنة والهرسك». ووصف أحدهم أساليب الإعدام في المعسكر الذي كان فيه قائلًا: «يأخذونهم إلى بحيرة قريبة، ثم تسمع وابلًا من رصاص البنادق، ولا يعودون بعد ذلك أبدًا».
الخروج من المأزق:
بعد وضوح هذه المواقف لم يعد أمام مسلمي البوسنة والهرسك سوى أن يسلكوا الطريق الذي سلكوه في أول أغسطس الجاري، حينما شن ألفا مسلم مسلح هجومًا كاسحًا على مواقع الصرب، فقتلوا أكثر من 150 منهم، وحرروا بعض المواقع المهمة. وقد وصف المراقبون هذا الهجوم بأنه يعد نقطة تحول كبيرة في تكتيكات القوات الإسلامية الهجومية؛ حيث جاء هذا الهجوم غداة فشل مفاوضات السلام الأخيرة في لندن. فالصرب لن يخرجوا إلا بالقوة، ولن يغير المجتمع الدولي موقفه من قضية البوسنة والهرسك إلا بالطريقة التي أجبره بها المجاهدون الأفغان على تغيير موقفه وإفساد مخططاته. غير أن الدول الإسلامية إن لم تقدم شيئًا لمسلمي البوسنة والهرسك، فليس أقل من أن تفتح الأبواب أمام الشعوب كي تقدم الشباب لنصرة إخوانهم، وتقدم المال لمسلمي البوسنة، كما قدمته من قبل للمجاهدين الأفغان، لا ليسدوا جوعة أطفالهم فحسب، ولكن أيضًا ليشتروا السلاح الذي يدافعون به عن أعراضهم وأنفسهم وبلادهم. فالحديد لا يفلّه إلا الحديد، ولا مكان للضعفاء في عالم تحكمه شريعة الغاب، ومن ينصر الله ينصره ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (محمد: 38) و﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
1- في الأصل (والأمريكيين)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل