العنوان بين الأقلية المسلمة في بلغاريا والصحوة الإسلامية في تركيا
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1989
مشاهدات 55
نشر في العدد 918
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 30-مايو-1989
أوردت بعض الصحف التركية تقريرًا بعثت
به مصادر في الخارجية الأمريكية للكونغرس الأمريكي ضمنته وقائع عن انتهاكات مستمرة
من جانب الحكومة البلغارية ضد المسلمين هناك ونشرت الصحف التي أوردت النبأ عن حقوق
المسلمين التي تضيع وعن الأسماء الإسلامية التي تغير قسرًا وعن الوظائف التي تحجب
عن المسلمين وعن تزويج المسلمات كرهًا من الكفار وهذا أمر ليس جديداً ولا عجيباً
ولكن الأعجب أن الصحف التركية العلمانية التي تتباكى على المسلمين وحقوقهم الضائعة
في بلغاريا هي نفسها التي تتهجم على المد الإسلامي في تركيا وتشن حملة ضد مظاهر الصحوة
هناك، والأعجب أيضا اهتمام أمريكا الزائد بحقوق المسلمين في بلغاريا في نفس الوقت
الذي تضيع فيه حقوق المسلمين في فلسطين ولبنان بسبب سياستها المنحازة لإسرائيل!!
إن أمريكا لم تكن حريصة في يوم من
الأيام ولن تكون - على حقوق المسلمين وهي التي تزعم قيادة العالم الصليبي لقتل كل
ما هو إسلامي ولم تتراجع لحظة عن مخططاتها قيد أنملة غير أنها قد تغير الأساليب
والأقنعة ولكنها ماضية بنفس المنطق الذي عبر عنه أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في
وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار جونسون لشؤون الشرق
الأوسط في عام ١٩٥٧ تجاه قضايا الإسلام حيث قال:« يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة
بيننا وبين الشعوب الإسلامية ليست خلافات بين دول وشعوب بل هي خلافات بين الحضارة
الإسلامية والحضارة المسيحية لقد كان الصراع محتدما بين المسيحية والإسلام منذ
القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة ».... أمريكا تقود الصراع ضد
الوجود الإسلامي في كل مكان... وحقوق المسلمين في بلغاريا ليست أكثر أهمية من حقوق
المسلمين في فلسطين... فمتى تتوقف محنة المسلمين في بلغاريا من كونها ورقة مساومة
بين نظام شيوعي هناك ونظام علماني في تركيا ؟
● ماذا يفعلون ضد الصحوة الإسلامية في
تركيا
ثمانية وعشرون جامعة ومعهد عال أصدرت
قرارًا بمنع غطاء الرأس والحجاب داخل الجامعات وتحريم دخول الطلبة الملتحين فإذا
عارض أحد القرار يفصل من الجامعة ومثل هذه القرارات بررتها إدارة المحكمة الإدارية
التركية العليا بحجة عدم مناسبة الزي الإسلامي للنظام الغربي للجمهورية العلمانية
وقد أقر الرئيس إيفرين هذه الإجراءات في أحد لقاءاته بمدينة أضنة حين أكد على أن
اللحى والحجاب داخل الجامعات لن يكون وأضاف هناك حركة - أصولية في تركيا وهي حركة
لا تقل خطورة عن الشيوعية والفاشية بالنسبة لتركيا » . وفي نادي الجيش بأنقرة
اجتمع الجنرالات العسكريون سدنة النظام الأتاتوركي برئاسة قائد هيئة أركان وأرسلوا
مذكرة تحذيرية للرئيس لماذا ؟ هل لأن الأمن القومي تعرض لهجوم خارجي؟ كلا إنما
الخطورة كما يرى الجنرالات تكمن في أن القوات المسلحة تبدي انزعاجها العميق من
امتداد تأثير المسلمين الأصوليين وعليه فإن القوات المسلحة تطلب من القيادة
السياسية توقيف الاتجاه الديني المتزايد بشكل سريع » .
وحين أخذ الحماس ببعض الكتاب المسلمين
وذكر رئيس الدولة بواجباته الإسلامية وأن القادة في الأمة الإسلامية هم أئمة
المسلمين في الصلاة علق على الفكرة « بأنها فكرة همجية وسخيفة ». وأضاف أن
المنظمات الدينية الرجعية قد زادت من نشاطها على مستويات مختلفة ونحن نراقب هذه
التطورات عن كثب وأهيب بكم أن تكونوا يقظين وعلى أهبة الاستعداد ويجب على جامعاتنا
أن تكون معقلاً قوياً أمام كل التعصبات الدينية الرجعية والكلام هنا موجه للطلبة
كتحريض سافر ضد الصحوة...
أزمة هوية خلقها العلمانيون
بعد مضي ستة عقود على ما فعله مؤسس ما
يسمى بتركيا الحديثة يتضح بأن أتاتورك أخطأ في تقدير الرصيد الديني لدى الشعب
التركي ورغم تحلل الكثيرين من واجباتهم الدينية وارتباطهم بالغرب إلا أن غالبية
الشعب التركي لم تفعل نفس الشيء وهذا خلق حالة من الفراغ بسبب إهمال التراث
الإسلامي وهو ما حاول بعض المفكرين تفسيره على أنه أزمة هوية لأن الإسلام كان
ولقرون طويلة وما يزال جزءا لا يتجزأ من التكوين الطبيعي والنفسي لتركيا. وإدراكا
لهذه الجوانب اندفع تلامذة أتاتورك للاستفادة بما يسمى الحل الوسط التاريخي وهو
دفع الأمة بهدوء نحو تركيا الأوروبية وإبقاء الحاسة الدينية لدى الجماهير وهو حل
منفعي لا يجدي شيئا سوى إثارة التناقضات والقلاقل ودفع البلاد إلى منازعات طائفية
وحروب أهلية وهو تخطيط مدروس لكي يعمل في تركيا منذ إسقاط الخلافة فلا هوية لتركيا
سوى الإسلام ولم يكن لها دور تاريخي إلا يوم أن حملت الإسلام فحملها الإسلام وعرف
العالم بها. لهذا لم يكن الإسلام كما يظن العسكر - خطرًا على تركيا بل الإصرار
ويجهل على تجاوز الواقع التركي وإحياء الكمالية هو الذي جعل تركيا العسكر والراغبة
في التعلق بأهداب الغرب أشبه بالغراب الذي أراد أن يقلد الطاووس فلا هو أتقن مشية
الطاووس ولا استطاع أن يعود سيرته الأولى بل ظل يقفز في الهواء كالبهلوان - وهذا
حال الأمم التي تفقد هويتها، عندما يطلب بمنع الحجاب في المدن الرئيسية والأماكن
التي يرتادها السياح إرضاء لرعايا السوق الأوروبية المشتركة يظن أن مثل هذه
الإجراءات ستفتح له الباب على مصراعيه لكي يصبح عضوا في السوق ولكن هيهات... فها
هي أوروبا تصر على رفض طلب تركيا الانضمام إلى السوق... ليست بحجة تخلفها تكنولوجيا
أو اقتصاديا عن مسيرة الغرب.. بل إن تركيا قد تكون أحسن حالا في هذا المجال من دول
أخرى أعضاء في السوق... ولكن الغرب الصليبي لا يرى في الإجراءات التي تتخذ في
إجهاض الصحوة الإسلامية هناك كفاية وفاعلية وأن الغرب الصليبي يريد تصفية تامة أما
الولايات المتحدة لها رأي آخر وهو أن يوظف الحماس الإسلامي المصالح الغرب.
إن الولايات المتحدة تنظر إلى المسلمين
على أنهم أشبه بجماعة من الغوغاء يمكن أن يستقطبهم محرض ما لدعم قضيته فإذا هدأ
الشجار ردهم من حيث جاءوا مأزورين غير مأجورين.. هذا الفهم الأبتر هو سر بلاء الصحوة
الإسلامية مع العسكر... هناك في تركيا أرادوا توظيف الإسلام لدفع الزحف اليساري
واستقطاب الاستثمارات - الإسلامية وحالما شعر الحكم باستقرار الأوضاع وصيرورتها
لهم بدأت الحرب وبدأت الخطط - الإعادة المارد إلى القمقم - حبس الجماهير المسلمة
داخل أسوار المساجد وقطع الصلة ما بين الدعاة - وتلك الجماهير إن الصحف الحكومية
العلمانية بـ تسمى أصوات الدعاة المسلمين والذين يبعثون إلى المسلمين بالأشرطة
الدينية من ألمانيا «الصوت الأسود القادم من ألمانيا ويطالبون ألمانيا بتسليم
هؤلاء الدعاة لهم لكي يزجوا بهم في السجون أو إعدامهم.
● الإسلام ليس أداة في يد أحد
إذا كانت أمريكا والغرب يتباكون على
حقوق الإنسان في بلغاريا فلماذا لم نسمع صوتًا للدفاع عن شعوبنا التي تسحق كل يوم
في فلسطين ولبنان وإرتيريا والسودان بأسلحة الغرب التقليدية والكيماوية؟ ومنذ متى
تهتم الخارجية الأمريكية بحقوق المسلمين؟ نحن المسلمين نوقن أن الماركسية عدو شرس
مثل الصليبية البغيضة. ولم يأتنا على يديها سوى البلاء المستطر وما يعانيه إخواننا
في بلغاريا واقع لا يمكن تجاهله والمسلمون جميعا يتابعون ما يجري هناك فالشيوعيون
يعملون على سحق الهوية الإسلامية هناك حتى لا يتركوا ذريعة لتركيا في المطالبة
بهم. وهكذا أصبح - المسلمون هناك بين حجري رحى العلمانية- والشيوعية... والسؤال
هنا ماذا لو أن بلغاريا - سمحت لهؤلاء المسلمين بالرحيل إلى تركيا فهل- ستكون
أوضاعهم الدينية أحسن حالا تحت حكم - سدنة أتاتورك ؟ أليس المعارض للشيوعية في
بلغاريا يلقى نفس النكال الذي يلقاه معارضو الأتاتوركية - في تركيا ؟ إذن ما سر
طرح قضية المسلمين في بلغاريا بين كل حين وآخر؟
إن الولايات المتحدة تريد من وراء تبني
قضايا مثل هذه باسم حقوق الإنسان دفع بلغاريا لكي تتخلص نهائيا من الوجود الإسلامي
في بلغاريا وهو ما تحاول بلغاريا فعله لا بترحيل المسلمين إلى تركيا ولكن بترحيل
الإسلام نهائيا من قلوب المسلمين هناك.
● حقوق المسلمين واحدة في كل مكان
إن حقوق الإنسان المسلم واحدة في كل
مكان فمن المستهجن والسفاهة أن تغض القوى الصليبية الطرف عندما يجري في فلسطين ولبنان
وتحدث المسلمين عن انتهاكات في بلغاريا فقط الإ إذا كانوا يريدون التوصل إلى تحقيق
مكتسبات أخرى مع النظام الشيوعي وهو الراغب في هذا نظرا لأوضاعه الاقتصادية
المتردية.
إن مليوني مسلم في بلغاريا يعانون من
هذه المساومات التركية والصليبية حول أوضاعهم وما لم تحدد المواقف وتجرد النوايا
من المصالح المبطنة فسيدفع المسلمون في بلغاريا الثمن وستستمر الحملة في سحق
هويتهم الإسلامية دون هوادة بينما يكتفي المسلمون بالتنديد عندما يقرأون تقريرا من
تركيا و يهدأون عندما يقرأون نفيا رسميا من بلغاريا .
والملاحظ في ملاحقة الصحافة التركية
لأوضاع المسلمين في تركيا أنها تتحدث عن أوضاع المسلمين الأتراك بينما هناك أقليات
إسلامية أخرى لم يتحدث عنها أحد فالمسألة إذن ليست مشكلة إسلامية في نظر الصحافة
التركية بقدر ما هي مساومة سياسية تركية يوظف فيها الإسلام ويستثمر لظرف طارئ،
جريا على الأسلوب العام عند التعامل مع القضايا الإسلامية.
وعلى كل حال فإن التقارير الخاصة بحقوق
الإنسان لم تنزه تركيا، بل أدرجتها مع الدول العريقة في انتهاك حقوق الإنسان وهو
بالطبع الإنسان المسلم... ويتساءل المسلمون إذا كانت بلغاريا تعمل على طمس هوية
المسلمين هناك، فيا ترى إلى أين وصلت تركيا في طمس الهوية الإسلامية منذ عهد
أتاتورك إلى الآن؟