العنوان ذابوا كـ«فصوص» الملح تحت «أمطار الصيف»!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 15-يوليو-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1710
نشر في الصفحة 17
السبت 15-يوليو-2006
الصمت يلفهم.. والسكون يسكنهم.. فلا تكاد تسمع لهم همسًا... وكأن ما يدور، يدور في هندوراس.. وليس في غزة! لا أقصد بالطبع، العديد من الأنظمة العربية أو الإسلامية فذلك أمر انقضت فائدة الكلام فيه، وإنما أقصد أهل البيت الفلسطيني.. زعماء.. وقادة.. وأبطال «فتح» الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا وحركة وتحريكا للأحداث لإسقاط حكومة حماس منذ تشكيلها قبل خمسة أشهر.. لكن منذ بدأت «أمطار الصيف» الصهيونية، توقفت الضجة وسكنت الحركة واختفى المتحركون... كأنهم فصوص ملح أذابتها أمطار الصيف!
أنا - فقط - استعيد شريط الأحداث منذ تشكيل الحكومة الفلسطينية، وأتوقف أمام فريق أوسلو.. فريق التطبيع.. والمفاوضات.. والانبطاح من حركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس.. فأجد أن ما فعله ذلك الفريق مع الشعب الفلسطيني منذ أعلن اختياره الحر لـ «حماس» .... لا يقل عما تقترفه الآلة الصهيونية الإجرامية اليوم في غزة والضفة.. المشروع متكامل ومتوحد.. وهو إسقاط حكومة حماس وتلقين الشعب درسا دمويا قاسيا حتى لا يعود إلى مثل ما فعل يوم الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠٠٦م ، «يوم الانتخابات التشريعية».
الأدوار فيما يبدو موزعة جيدا على طاولة المايسترو الأمرو/ صهيوني.. وكان دور فريق التطبيع والانبطاح من فتح ( هناك قطاع مهم ووطني في فتح) هو العرقلة والمشاغبة والتعويق للحكومة وتأليب الشعب عليها، بينما يشدد الغرب من حصاره وتجويعه لهذا الشعب.. وتواصل الآلة العسكرية الصهيونية ضرباتها وقتلها لهذا الشعب.. إنها لعبة متكاملة الأضلاع!
في البدء - كما نذكر - ضغطت فتح للحيلولة دون مشاركة فصائل فلسطينية في الحكومة، كي تبقى الحكومة حماسية خالصة.. حتى الوزير المسيحي جودة مرقص الذي شارك في الحكومة فقد أجبروه على الاستقالة من وزارة السياحة، فقد اقتحم بيته ۱۷ مسلحًا من فتح، وهدوده بأنه سيدفع ثمنًا فادحًا إذا لم يستقل (تصريحات د .عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي ١٤/٦/٢٠٠١) وخرج الوزير ولم تسقط حماس.
ثم أصدر الرئيس محمود عباس سلسلة من القرارات استحوذ بها على أهم مفاصل القوة... استولى بها على قوات الأمن بأجهزتها المختلفة، وعين عبد الرزاق المجايدة ( من رجاله) مستشارًا عسكريًا للتنسيق بين كل الأجهزة الأمنية التابعة للرئاسة ووزاة الداخلية، بعد أن عين رشيد أبوشباك مديرًا للأمن الداخلي.. وأصبحت كل القوات الأمنية في يد عباس ورجاله من فتح، وبات السيد سعيد صيام وزيرًا للداخلية دون وزارة حقيقية!
ثم استحوذ عباس على الآلة الإعلامية الفلسطينية (التلفزيون والهيئة العامة للاستعلامات) بقرارات مماثلة، وصار وزير الإعلام في الحكومة بلا أي فاعلية.. وحرض فاروق قدومي على المشاغبة في المنتديات الدولية بمنع د. محمود الزهار وزير الخارجية من المشاركة، ثم أصدر مرسوماً بأن قدومي هو القائم بأعمال وزير الخارجية.
لقد قام عباس بسلسلة من الإجراءات التعسفية التي تسلب الحكومة المنتخبة من الشعب أهم المفاصل في أي حكومة، وذلك لشل حماس واسقاط حكومتها.. لكن الحكومة لم تسقط! فتم تحريك الأجهزة المعروفة التي في أيدي فتح، وغير المعروفة كفرقة الموت التابعة لمحمد دحلان وزير الأمن الوقائي السابق، وأقرب المقربين من الصهاينة وتلميذ محمود عباس على الطريق.. لتقوم بلعبة «الفوضى الخلاقة» التي أبدعتها السيدة كونداليزا رايس، لهدم الدول المغضوب عليها على رؤوس أهلها.. قامت تلك الفرق العسكرية بعمليات خطف الكوادر من حماس، وأحدثت اشتباكات دامية، اختتمتها بحرق مقر الحكومة والمجلس التشريعي وخطف خليل الربعي أحد نواب حركة حماس في المجلس بعد الاعتداء عليه، وقاد تلك العملية توفيق طيراوي مدير مخابرات عباس في الضفة الغربية «تصريحات النائب خليل زنون» ... ولم تسقط حكومة حماس.. أيضًا!
لم يفلح حصار التجويع... ولا الفوضى العسكرية من قبل فتح.. ولا الضغوط السياسية المتواصلة.. ولا تلفيق التهم الدعائية ضد حماس.. ولا محاولات إحداث فتنة داخل الحركة وشق صفها.. فقد بحثوا تجريب ذلك، لكن النصائح المخلصة من أجهزة أمنية كبرى نصحتهم بعدم تجريبه، وقالت لهم ما مفاده: إن عرفات المعروف بقدراته الخارقة في إحداث الانشقاقات لم يفلح مع حماس.
وهنا انتهى دور فرقة أوسلو... رجال التطبيع والانبطاح.. بعد أن فشلوا في إسقاط الحكومة، ولم يكن بد من إزالة تلك الحكومة بالصواريخ والدبابات والاجتياح الشامل لغزة.. وهو ما تشهده اليوم. لست من الذين يحلقون في سماوات نظريات المؤامرة، لكني أتساءل مع كل المتابعين لوقائع المجزرة الدموية في غزة: أين السادة عبد الرزاق المجايدة، ورشيد أبو شباك، وتوفيق الطيراوي، ومحمد دحلان، وجبريل الرجوب، وأجهزتهم الأمنية التي تسد عين الشمس؟ لقد شاهدنا استعراضات تلك القوات يوم كانت تتحرش بحماس في الشوارع، وأزكمت أنوفنا روائح البارود ودخانه الكثيف وهي تطلق زخاتها تهديدًا ووعيدًا! لماذا ذابت تلك القوات كفصوص الملح تحت «أمطار الصيف»؟.. وإن لم تقف إلى جوار الشعب الفلسطيني للدفاع عنه والموت في ساحة القتال.. فإلى جوار من تقف؟ أليس ما يدور في غزة واحدة من معارك الدفاع عن الوطن الذي صدعوا رؤوسنا بحبه؟!
بل أین مواقف عباس ورجاله؟ تصريحات هادئة تطلب من الطرفين مطالب.. تطلب من حماس الإفراج عن الجندي، ومن إسرائيل وقف العمليات.. وكان الرجل صار وسيطا بين دولتين! كنت أنتظر كلمات رجل محترق القلب على شعبه الذي يتعرض للإبادة ..لكن حتى هذه الكلمات صارت شحيحة!
هل نحن بحاجة بعد إلى دلائل جديدة لنقول: إن فرقة أوسلو من فتح صارت إلى الخندق الصهيوني أقرب من خندق الدفاع عن الوطن.. وإن تستروا بشعارات السلام ؟!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل