; بليون دينار آخر من المجلس لأجل المقامرين | مجلة المجتمع

العنوان بليون دينار آخر من المجلس لأجل المقامرين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 53

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 03-يونيو-1986

لا ندري كيف نفهم مجلس الأمة الحالي أو نتعامل مع مواقفه المتناقضة؟ فهو لا يكاد يفرحنا ويثلج صدور المواطنين بتصديه لممارسات الحكومة اللاديمقراطية حتى يفاجئنا بتساهله وتراخيه أمام التجاوزات المالية الخطيرة، وأمام الاستمرار في نهب المال العام الذي يمارس حتى الآن في حل أزمة الأثرياء والمقامرين.

 

والمجلس الحالي الذي نجح حتى الآن – ولسبب غير ملموس – في الخروج بصورة القوي الصلب القادر على مواجهة الحكومة، قد أثبت أنه أسوأ من غيره فيما يتعلق بجانب الرقابة المالية، فخلال تاريخه القصير اتسم المجلس بالتسيب في التعامل مع الأزمة الاقتصادية، فغض الطرف عن تقرير وزير المالية الذي أشار صراحة إلى استخدام المال العام، وأن المجلس نفسه أوصى باستخدام المال العام في حل أزمة الأثرياء وقام بتمرير فضيحة الديون لشركتي الكويت للاستثمار والاستثمارات الخارجية أمام بيان تمثيلي لوزير... السابق، فسكتت بعده جميع الأفواه عن هذه الفضيحة.

 

ويتم ذلك كله تحت غطاء من الصولات الكلامية والخطابية للسادة النواب، وفي كل مرة تثار بها معركة كلامية جديدة تبرر أي تجاوز مالي جديد، واصطدام حول المحكمة الدستورية دون ثمار تذكر، وزوبعة حول انتداب حمد الجوعان للبنك المركزي تنتهي إلى لا شيء.

 

ولا يفهم إذا كان ذلك جهلًا من السادة النواب أو حسن نية، أو هو دهاء ماكر من بعضهم لشل قدرة المجلس الرقابية وتنفيع حلفائهم في التكتلات الاقتصادية الفاعلة في البلاد وعلى حساب المال العام، أو أن يكون الأمر مهارة من الحكومة في التلاعب بالمجلس «القوي» وتحريكه يمينًا ويسرة بما يحقق مصلحة الحكومة، ويمكنها من تصفية الأثرياء والمقامرين وفق تصوراتها الخاصة.

 

وبين يدي المجلس الآن محاولة جديدة لنهب المال وتنفيع المقامرين، حيث يسعى تكتل واسع من الخاسرين في أزمة المناخ إلى إقناع النواب بمساندة مشروع قانون جديد لمعالجة الديون والفوائد، ووفقًا لمعلومات الصحافة اليومية فإن الحكومة قد أعطت الضوء الأخضر لهذا المشروع شريطة أن تأتي المبادرة بشأنه من المجلس، كما أن بعض الصحف تزعم بأن الموافقين على المشروع من النواب قد بلغ (40) نائبًا، ولم تتبلور حتى الآن الصيغة النهائية للقانون المقترح، لكن خطوطه العريضة تنص على فكرة إلغاء الفوائد على المديون أو تفتيتها، وتحميل المال العام قدرًا كبيرًا من الفوائد، كما يتم إعادة جدولة الديون وتأجيل السداد لعدة سنوات، كذلك قيام الحكومة بضمان الأصول «الأسهم» لمدة (10) سنوات قادمة استنادًا إلى معدل النمو الاقتصادي للبلد، ويستند مشروع القانون المقترح إلى مطالب «تكتل المدينين» الذي يرى ضرورة قيام (3) جهات بتحمل مسؤولية الفوائد المتراكمة منذ سبتمبر 1982، والتي بات حجمها الآن يقارب قيمة الدين الأصلي، وهذه الجهات هي: المدينون الذين يتحملون الثلث، ثم البنوك وتتحمل الثلث، ثم الحكومة تتحمل الثلث الأخير.

 

وتقدر بعض الجهات المالية أن كلفة هذا المشروع من المال العام لن تقل بحال من الأحوال عن (1000) مليون دينار.

 

وقد ذكرت المصادر الصحفية أن هذا التوجه سيطرح برلمانيًا خلال الأيام القليلة المقبلة، وأن تجمع المدينين يسعى إلى إقناع أكبر قدر ممكن من النواب بمساندة المشروع، وأن أعضاء من هذا التجمع التقوا مع بعض نواب المعارضة لإقناعهم باتخاذ موقف حيادي إن لم يكن مؤيدًا لهذا المشروع.

 

ولأن معظم نوابنا الأفاضل لهم أقرباء ومعارف وناخبون من المدينين والمستفيدين من المشروع الجديد، فإن مزاعم الصحف اليومية بوجود (40) نائبًا من الموافقين عليه ليست أمرًا مستبعدًا.

 

ولا شك بأن تكتل المدينين يمتلك من النفوذ والقدرة ما يمكنه من التأثير على توجه قطاع كبير من النواب، وعلى سبيل المثال فإن التكتل قادر على مساومة النواب الثلاثة الشيوعيين في المجلس للموافقة على المشروع نظير خدمات هذا التكتل خلال الانتخابات القادمة.

 

وهو قادر كذلك على مساومة غير المنتمين ممن يسمون أنفسهم بـ «المستقلين» في المجلس، خاصة وأن أكثر هؤلاء لهم مصالح تجارية واقتصادية واسعة لها اتصال وثيق بالمشروع المقترح، وذلك التكتل قادر على مساعدة هؤلاء «المستقلين» في مشاكلهم المالية.

 

وقد يأتي ذلك التكتل إلى مجموعة النواب الإسلاميين والنواب ذوي التدين بمدخل خداع؛ حيث إن المشروع في الظاهر يدعو إلى تحريم الربا وإلغاء الفوائد، وقد حاول هؤلاء في الماضي الدعوة إلى إلغاء الفوائد المترتبة عن ربا المناخ تحت قوله -تعالى-: ﴿وَإِن تُبْتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ (البقرة:279).

 

ونحب أن نوضح أن الإسلاميين أوعى من ذلك بكثير، وأن هذه الآية الكريمة قد نصت على تحريم الربا إطلاقًا قبل أن تقرر الاكتفاء برأس المال، والإسلاميون موافقون على مبدأ إلغاء الفوائد الربوية إذا كان ذلك سيطبق على مستوى البلاد بأسرها بما في ذلك البنوك وسائر المعاملات المالية كما هو مقتضى الشرع الحنيف.

 

أما أن يحرم الربا في هذا الموضع، ويحلل في بقية المواضع فإن هذا عين الحرام، ومن يطالبون بإلغاء فوائد ديون المناخ لا يفعلون ذلك احترامًا للدين أو خوفًا من الله، بل لأن الشريعة قد وافقت هنا بعض مصالحهم.

 

وفي هذا المشروع إنعاش للمرابين، ورفع للضيق الشديد الذي أصابهم من آثار الربا، وهو الضيق والضنك الذي وعد الله به المرابين الذين أعلن -سبحانه- الحرب عليهم، كما أن هذا المشروع يتضمن إهدارًا لمليار دينار آخر في سلسلة مليارات الدنانير التي أباحها المجلس والحكومة للأثرياء من أموال المواطنين في هذا البلد، ولا شك أن المرابي إذا نجح في استعادة قوته من هذا المشروع المقترح بأنه عائد لا محالة إلى الربا في المستقبل وعلى نحو أسوأ.

 

وإذا كان الخاسرون في أزمة المناخ يثيرون شفقة نوابنا الأفاضل، وتحتل مشكلتهم حيزًا كبيرًا من اهتمام المجلس، فأين تذهب بقية المشاكل؟ وهل حقق النواب الأفاضل شيئًا يذكر في مشاكل التربية والإسكان والصحة والفساد الإداري حتى تتفرغ جهودهم لمعالجة شؤون المرابين والمقامرين؟

 

أليس مبلغ البليون دينار المطلوب حرقه في المشروع المقترح أجدى بأن يصرف على حل الأزمة السكنية مثلًا؟ أين جهود المجلس الحقيقية في مواجهة الفساد الإداري الذي ازداد مؤخرًا تحت غطاء لجان التطوير الإداري؟

 

أليس هذا المبلغ أولى بالصرف على بناء مدينة جامعية، أو إنشاء جامعة تكنولوجية، أو تأسيس مشاريع اقتصادية تدر ربحًا على البلاد؟

 

يا نواب مجلس الأمة، كفاكم صرفًا من أموالنا، وكفاكم تحيزًا للأثرياء ورجال البنوك.

الرابط المختصر :