العنوان قصة الإسلام في إندونيسيا في العقود الأخيرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1976
مشاهدات 81
نشر في العدد 330
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 28-ديسمبر-1976
▪ الكفاح الإسلامي ذو المغارم كيف سرقت مغانمه؟
- 1-
المسلمون في إندونيسيا، منذ أن سعدت بالإسلام، أغلبية كبرى، ولكنهم في الوقت الحاضر أغلبية مسحوقة، وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة، ليس لهم أي وزن أو تأثير في سير الأحداث وتوجيه دفة السياسة.
وهذا المصير الذي أصبحوا فيه الآن لم يكن بسبب ضآلة حظهم في قضايا بلادهم المصيرية، أو تقصيرهم في أداء الواجب الوطني، ولا تغيبهم عن ساحات الشرف والنبل فتلك أمور كان لهم فيها الحظ الأوفر، يشهد لهم بذلك التاريخ القومي وتتحدث عنها دماء الشهداء.
فقد قامت في إندونيسيا ممالك وسلطنات ودول إسلامية، وقام فيها مجتمعات إسلامية صميمة قبل أن تمنى البلاد بالاستعمار الأوربي الصليبي بأمد طويل، بل كان من بين تلك الدول دولة معترف بها كدولة نظامية يسودها القانون والنظام، وهي دولة ترناتيه في مالوكو الشمالية.
ولذلك واجه الاستعمار في إندونيسيا مقاومات صلبة وصمودًا لم يعرف الوهن فترات طويلة كبدته خسائر باهظة، فما كانت تنتهي حرب حتى تندلع أخرى، ولا تسكن انتفاضة إلا لتنطلق أخرى من أقاصي شرقي البلاد، حيث سلطنات ترناتيه وتيدوريه وباتشان إلى أقصى شمال شرقيها حيث سلطنة آتشيه الشهيرة، لقد كانت خسائر الاستعمار في الأرواح باهظة، فمقابر الجنود الهولنديين تزخر بعدد كبير من كبار الضباط من مختلف الرتب، خاصة في آتشيه.
وكانت آتشيه عبارة عن مقبرة كبرى للجيش الهولندي، إذ كانت تشن على هولندا حربًا طويلة الأمد، استمرت حتى عام 1904 م فقد اضطر آخر السلاطين فيها في العام إلى الاستسلام، إذ أسر الجنود الهولنديون عقيلته السلطانة، وهددوه بإيصال الأذى إليها إذا لم يستسلم.
ولكن استسلامه لم ينه القتال، فقد واصل الشعب المسلم، بقيادة علمائه وزعمائه، محاربة هولندا حتى خلد التاريخ أبطالًا، من بينهم تيكو عمر وتيكو تشيئ دي تيرو والمجاهدة الكبيرة تشوت نيأدين، ويعتز التاريخ الإسلامي في إندونيسيا بأمثال الأمير ديبو نيقورو وإمام بونجول والسلطان حسن الدين والشريف هداية الله ويانغيران هدايات وغيرهم، ممن عطروا ذكر الإسلام في إندونيسيا، وملأوا أرجاءها بنداء «الله أكبر».
- ۲-
وأهل القرن العشرين الميلادي والمقاومات المسلحة التي يقوم بها المسلمون في إندونيسيا ضد الاستعمار، قد تهاوت، أو كادت تضمحل، وذلك بسبب عدم تعادل القوى والأسلحة.
لقد كانت أسلحة المستعمرين متطورة، وأسلحة المقاومين تقليدية عتيقة، واستخدم المستعمرون جنودًا مرتزقة من الإندونيسيين المتنصرين ومن زنوج المستعمرات الأفريقية.
لذلك، وخاصة بعد استسلام سلطنة آتشیه، أصبحت المقاومات أشبه بحروب عصابات، سرعان ما تتخاذل وتنهار.
وأدرك قادة المسلمين ضرورة استبدال النضال السياسي المنظم بأساليب القتال، فكانوا أصحاب المبادرة في ذلك، إذ قام المرحوم الحاج سمنودي ودعا إلى تأسيس الشركة التجارية الإسلامية في العقد الأول من القرن العشرين، ثقة منه في أهمية قوة الاقتصاد الإسلامي واستنقاذه من سيطرة الاستعمار وأعوانه من الصينيين وغيرهم.
غير أن هذه المنظمة تطورت فأصبحت عام ۱۹۱۲م حزبًا سياسيًا، احتفظ لها بالجميل حيث استبقى اسمها، إذ تسمى الحزب باسم «حزب شرکت إسلام» بزعامة الطيب الذكر الحاج عمر سعيد تشوکرو أمينوتو، وازدهر الحزب في مدة قصيرة واستطاع رغم عراقيل التشريعات الاستعمارية، أن يصبح حزبًا قوميًا قويًا، يضم إلى عضويته ملايين الأعضاء، فكان أكبر حزب سياسي قام في ذلك الوقت المبكر من يقظة الوعي الشعبي، ارتعدت له فرائص الاستعمار.
وقامت بجانب ذلك منظمة خيرية مهمتها تأمين حاجة الجماهير المسلمة إلى التربية والتعليم النظاميين وإلى الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية، تلك هي منظمة «المحمدية» التي تأسست في شهر نوفمبر عام ١٩١٢ أيضًا، وصاحب المبادرة فيها هو المرحوم الحاج أحمد دحلان، أحد رواد التجديد الفكري الإسلامي في إندونيسيا، وممن تتلمذوا في مدرسة الشيخ محمد عبد الوهاب وكبار المفكرين الإسلاميين.
وقد ركزت الجمعية نشاطها على عملية التثقيف والتنوير، وافتتاح المدارس والمعاهد، فكانت هذه الجمعية ترعى مئات بل آلافًا من المدارس والمعاهد التي تطورت فيما بعد فأسست كليات جامعية ثم جامعات، وافتتحت المستوصفات والمستشفيات كما اعتنت بدور الأيتام والملاجئ وغيرها من المؤسسات الاجتماعية الخيرية، وتميزت بدعوتها إلى العودة الصحيحة إلى تعاليم الإسلام النقية من كل شوائب البدع والخرافات، فكانت هي وجمعية الإرشاد والإصلاح و«يرساتوان إسلام» من أهم معاقل السلفية في إندونيسيا، ولا زالت المحمدية للآن تقوم بمهامها خير قيام، وللمنظمة فرع للسيدات اسمه «العائشيات» وللفتيات اسمه «ناشئات العائشيات» وللشباب والكشافة اسمه «حزب الوطن- هكذا!».
ثم تتالت بعد ذلك المنظمات الإسلامية الأخرى مثل نهضة العلماء والجمعية الوصلية اللتين تمارسان أساليب المحمدية في عملها الإسلامي.
- 3-
وأدت هذه المنظمات الإسلامية دورها الذود عن بيضة الإسلام والمسلمين في إندونيسيا وأسهمت في قضايا الإسلام العالمية، وقاومت الكثير من تعسف السيطرة الاستعمارية، وأذكت في الأمة روح النضال والمقاومة، وكانت لها في كل هذا مواقف مشرفة ومآثر مشكورة.
واندلعت نيران الحرب العالمية الثانية، ووقعت هولندا تحت أقدام الاحتلال، وامتد لهيب الحرب إلى آسيا، فاستسلم الهولنديون للجيش الياباني الذي احتل إندونيسيا في شهر مارس سنة ١٩٤٢، وكانت فرصة للمسلمين للاستعداد وأخذ الأهبة للاستقلال والتحرر فأسسوا كتائب الدفاع الوطني وكتائب «حزب الله» تدرب أفرادها على فنون القتال الحديثة واستخدام الأسلحة المتطورة على أيدي اليابانيين، وتطورت الحرب وتأزم موقف اليابان ودول المحور، فتبلورت فكرة استقلال إندونيسيا، وشكلت لجنة تحضيرية للاستقلال، مهمتها صياغة الدستور وتحضير الخطى اللازمة لإنشاء الدولة الإندونيسية، وعندما جاء دور البحث في أساس الدولة المقبلة احتدم الصراع بين أصحاب الاتجاه الإسلامي في اللجنة وكانوا قلة، وبين أصحاب الاتجاه غير الإسلامي فيها وكانوا كثرة.
وتأزم الموقف بسبب إصرار الإسلاميين على اتخاذ الإسلام أساسًا للدولة الإندونيسية لطائفة هامة من الاعتبارات الموضوعية، وإصرار غير الإسلاميين على الاكتفاء بمبادئ البانتشاسيلا كأساس للدولة وتم التراضي بين الطرفين على إدراج عبارة في المبدأ الأول من البانتشاسيلا، بحيث يصبح «أساس الألوهية المتفردة مع وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية على معتنقيها» وصيغ هذا التراضي فيما سمي بعد ذلك بميثاق جاكرتا وقع عليه ممثلو الطرفين وانتهى الإشكال ظاهرًا ومؤقتًا.
ذلك لأن سوكارنو وصحبه شطبوا هذه العبارة، حين نودي بالاستقلال، بعد سقوط اليابان وتشكيل لجنة للاستقلال غير اللجنة، استبعدوا منها عددًا من ممثلي المسلمين، وتذرعوا لذلك بوجوب «الأخذ بخاطر غير المسلمين» حتى لا يقلبوا ظهر المجن وينحازوا إلى الهولنديين، كما أن هذا الدستور دستور مؤقت وسيصاغ الدستور الدائم على يد مجلس شورى الشعب الذي سينتخب بعد ستة شهور من الاستقلال.
وهكذا استجاب ممثلو المسلمين معتمدين على نزاهة القصد وكلمة الشرف، وتبين فيما بعد أن القوم أضفوا على الدستور المؤقت قداسة التنزيل- أستغفر الله- ووصموا كل من يحاول المساس به بانتهاك المقدسات.
- ٤-
لم تكن هناك أحزاب ولا منظمات سياسية في إندونيسيا في تلك الأيام، فقد حل الجيش الياباني كل ما كان قائمًا من الأحزاب والمنظمات السياسية.
فلما استقلت إندونيسيا، اجتمع شباب المسلمين بمدينة جوكجاكرتا في 2 أكتوبر سنة ١٩٤٥، وتم اتفاقهم على إنشاء منظمة لهم، سموها «حركة الشبان المسلمين الإندونيسيين» «کراکان فمودا إسلام إندونيسيا» أساسها الإسلام في مؤتمر أكبر وتبايعوا على إنشاء حزب سياسي أوحد للمسلمين يمثلهم ويقوم بدور الأداة السياسية لهم وسموه «مجلس شورى مسلمي إندونيسيا» ومن هذا جاءت العبارة المنحوتة «مشومي»، وكان تاريخ تأسيس الحزب في نوفمبر سنة ١٩٤٥.
وهكذا كانت مبادرة المسلمين أيضًا لممارسة الحياة الديمقراطية بعد الاستقلال.
وكان لهذا الحزب نوعان من العضوية، عضوية الأفراد، وعضوية المنظمات، ومنها نهضة العلماء والمحمدية والجمعية الوصلية وجمعية الإصلاح والإرشاد، وبرساتوان إسلام واتحاد علماء المسلمين، واتحاد الأمة الإسلامية.
وكان للحزب قيادة عليا بيد مجلس شورى لعلماء الدين يبين موقف الشريعة من قضايا الحياة حتى تصان مقتضيات الإسلام فيها، وقيادة سياسية، وقيادات إقليمية وفروع، كلها تنتخب من قبل المؤتمر العام للحزب ومؤتمر الولايات والفروع.
- 5-
ولما اندلعت المعارك والاشتباكات المسلحة ضد الجيش الياباني، الذي استسلم للحلفاء ويحاول الإندونيسيون الاستيلاء على أسلحة هذا الجيش، ثم الاصطدامات المسلحة مع جيوش الحلفاء حين جاءوا إلى إندونيسيا لتحرير أسرى الحرب ونزع سلاح الجيش الياباني وإعادتهم إلى أوطانهم، كان للمسلمين الحظ الأوفر في ذلك.
والذي حدث مع اليابانيين كانت مجرد مناوشات، أما مع الجيوش البريطانية فقد كانت بداية معارك حرب الاستقلال، إذ كان على قيادة الجيش البريطاني أن تتعامل من حكومة الجمهورية المسيطرة على البلاد دون أن تتدخل في شئون الإدارة، وخاصة أن حكومة إندونيسيا بذلت مساعداتها لفك أسر الحلفاء ونقلهم إلى المدن التي يوجد بها ممثلو الحلفاء، ولنزع سلاح الجيش الياباني ونقلهم إلى تسلمهم الجيش البريطاني، وبذلك تكون مهمة هذا الجيش قد انتهت ليغادر البلاد.
ولكن الجيش البريطاني يبدو أنه تكفل للهولنديين بتمهيد الطريق لهم ليعودوا إلى السيطرة على مستعمراتهم السابقة، فحدث الصدام الرهيب يوم ١٠ نوفمبر سنة ١٩٤٥ بمدينة سرابايا.
وكان صدامًا غير متكافئ بين الشباب الإندونيسي الذي كان تسليحه بدائيًا، وبين فيالق جيوش بريطانيا التي هزمت ألمانيا وإيطاليا واليابان، والمسلحة بأحدث الأسلحة التي قهرت بها جيوش رومل وياماشيتا، ولكن مقاومة الشباب الإندونيسي كانت غير منتظرة لما تميزت به من استماتة وصمود، كبدت بريطانيا الكثير من الخسائر اضطرتها لأن تأخذ في اعتبارها أن استقلال إندونيسيا يقف من ورائه حماة لا يفرطون فيه أبدًا.
وهكذا كانت صيحات الله أكبر هي صيحة الحرب في تلك الفترة، تلعلع من خلال هدير المدافع وصرير الحراب، وقامت فيالق «حزب الله» و«سبيل الله» بدور بارز مشرف في هذه الحرب، إذ كانت كتائب متطوعين لم ينخرطوا في سلك الجيش الوطني الإندونيسي، وذلك مما يتيح لهم الحركة أكثر.
- ٦-
كانت الأحزاب اليسارية في السنوات الأولى للاستقلال تسيطر على شئون الحكم والإدارة، وكان من مفارقاتها العجيبة أن حكومات هذه الأحزاب التي كان المفروض أنها تقدمية وثورية، كانت في مفاوضاتها مع هولندا تتبع سياسة الرضوخ للأمر الواقع والتسليم، كما فعلت حكومة عامر شريف الدين النصراني الشيوعي في المفاوضات التي أعقبت الغزو الهولندي الأول «يوليو ١٩٤٧» حيث قبلت بسحب القوات المسلحة الإندونيسية النظامية من جيوب المناطق التي تم احتلالها من قبل هولندا في ذلك العدوان ليطمئن مقام الهولنديين فيها، وكان ذلك في الاتفاقية التي عقدت بالباخرة رنفيل وعرفت باسم اتفاقية رنفيل.
وقد حاول قادة فيالق «سبيل الله» و«حزب الله» في تلك الجيوب أن يفاوضوا رجال القوات المسلحة الإندونيسية على أن يقاسموهم بعض السلاح حتى يمكنهم مواصلة المقاومة والنضال فيها بعد إفراغها من القوات النظامية، ولكن القوات المسلحة رفضت وغادرت الجيوب ومعها أسلحتها.
وواصلت كتائب حزب الله وسبيل النضال تناوش جنود الهولنديين بأظافرها المجردة تسلبهم أسلحتهم بعد اغتيالهم، حتى استطاعت أن تتسلح فيما بعد، وهذه الجيوب المسلمة التي أخضعت للعدو وأخلي بينها وبينهم وما اشتهروا به من ضراوة وافتراس، هي التي أصبحت فيما بعد نواة حركة «دار الإسلام» حيث ترسخ في يقينها أنها صاحبة الحق في الأرض التي دافعت عنها بروحها وأيديها.
وبعد الغزو الثاني الذي شنته هولندا في ١٩ ديسمبر سنة ١٩٤٨ بعد قمع إندونيسيا لثورة الشيوعيين في ماديون «سبتمبر سنة ١٩٤٨» قامت هذه الجماعة بإعلان قيام «الدولة الإندونيسية الإسلامية» في أغسطس سنة ١٩٤٩، واشتد الصراع بينها وبين قوات هولندا ثم قوات الجمهورية بعد عودتها إلى تلك المناطق.
استفحل نفوذها فشمل أجزاء من جاوا الوسطى وسولاويسي الجنوبية وآتشيه بجانب جاوا الغربية، ولم يمكن القضاء عليها إلا في أوائل الستينيات، حيث ألقي القبض على زعيمها المرحوم كارت سويريو وحوكم صوريًا وحكم عليه بالإعدام وأعدم رميًا بالرصاص رغم شیخوخته.
وكانت غلطة شريف الدين فادحة بسياسته الاستسلامية فاستقال في ظروف متأزمة، فشكلت بعدها حكومة محمد حتى الرئاسية وأسند عدد من مناصب وزاراتها الهامة إلى رجال من مشومي، حيث أسندت وزارة الخارجية إلى المرحوم الحاج أقوس سالم، ووزارة الداخلية إلى المرحوم الدكتور سوكيمان ووزارة الإعلام إلى محمد ناصر ووزارة الاقتصاد إلى شفر الدين براوبرا نيقارا ووزارة الشئون الدينية إلى الحاج مشكور.
وأعلن الشيوعيون توبتهم من سياستهم الاستسلامية ودرعوا لتصحيح ذلك إلى جبهة وطنية، ولما فشلوا تجمعوا في مادیون بجاوة الشرقية وأعلنوا قيام جمهورية سوفيات إندونيسية برئاسة زعيمهم «موسو» وعامر شريف الدين وأيدها الشيوعيون جميعًا، وقد اغتالوا عددًا كبيرًا من علماء المسلمين في ماديون وطائفة من رجال الحكومة ومن أوقعه سوء حظه في أيديهم من رجال الأحزاب الأخرى، في مذبحة رهيبة.
وقامت الحكومة بقمعهم وجردت عليهم حملة قضت على تمردهم وخيانتهم خلال أسابيع وكانت ثورة الشيوعيين هذه طعنة غادرة سددوها إلى الجمهورية وهي تواجه حشود الهولنديين على الحدود، والتي ما لبثت حتى هاجمت مناطق الجمهورية في ۱۹ ديسمبر سنة ١٩٤٨، واحتلت العاصمة جوكجاكرتا واعتقلت سوكارنو وحتى بعض رجال الحكومة هناك.
- ۷-
وبعد اعتقال سوكارنو ورجال الحكومة الموجودين بمدينة جو كجاكرتا شمل الفراغ كيان الجمهورية لولا أن بادر شفر الذين براوبرا نيقارا، وزير الاقتصاد في حكومة حتي، الذي كان موجودًا في سومطرا، فشكل حكومة طوارئ لجمهورية إندونيسيا، وكان توارد خاطر بينه وبين الحكومة المركزية، فقبل ساعات من اعتقال سوكارنو، عقدت الحكومة جلسة طارئة قررت فيه إسناد السلطة إلى شفر الدين ليرأس حكومة طارئة لإندونيسيا في سومطرا، ولم تتح الفرصة لإبلاغ هذا القرار إلى شفر الدين، ولكن شفر الدين وزملاءه في سومطرا شكلوا الحكومة الطارئة لجمهورية إندونيسيا، واستأنفت قيادة دفة الحكم والنضال من هناك، واستخدمت الأثير لإجراء اتصالاتها بممثلي إندونيسيا في الخارج والمقاومة المسلحة ومندوب الحكومة في جاوا، فانتظم سير الأمور واستمر المرحوم الجنرال سود سيرمان القائد العام للقوات المسلحة يقود المقاومة من على محفته، حيث كان مريضًا ويعيش برئة وحيدة، وقامت حرب شاملة بين الشعب الإندونيسي وجيش الاستعمار الهولندي.
وفي أول مارس سنة ١٩٤٩، أي قبل مضي ثلاثة أشهر على احتلال مناطق الجمهورية احتلت قوات الجيش الإندونيسي مدينة جوكجاكرتا لبضع ساعات، وكانت مفاجأة لهولندا وللعالم، مما أكد للعالم أن هناك مقاومة قوية من شعب إندونيسيا وأن الحرب ستستمر بكل ويلاتها وفواجعها في هذه المنطقة فقامت ردود فعل إيجابية، إذ انعقد مؤتمر العلاقات الآسيوية في دلهي بدعوة من الهند، واتخذ طائفة من القرارات تهيب بمجلس الأمن للتدخل، وأصدر المجلس قرارًا بوقف إطلاق النار واللجوء إلى الحل السلمي وتشكيل لجنة ثلاثية لمجلس الأمن لمعالجة ومراقبة تنفيذ هذا القرار.
وهكذا أجرى مندوب هولندا المستر فان رويين اتصالات مع المستر محمد روم «أحد زعماء حزب مشومي» الدبلوماسي الإندونيسي الشهير، واتفقا على الإجراءات اللازمة لعودة حكومة جمهورية إندونيسيا إلى جوكجاكرتا، والتمهيد لمحادثات تسليم السيادة والسلطة إلى الحكومة الإندونيسية وصدر التصريح الشهير:
تصریح روم- فان رويين.
وفي الثلاثين من يونية سنة ١٩٤٩ أعيد سوكارنو وبقية أسرى حكومة الجمهورية إلى جوكجاكرتا وبعد سحب قوات هولندا منها، وجرت اتصالات مع المستر شفر الدین براوبرا نيقارا صاحب السلطة الشرعية آنذاك، وتم حضوره إلى جو كجاكرتا وعرض عليه ما تم التوصل إليه من اتفاق محدد على محادثات تسليم السيادة والسلطة، فوافق سيادته وسلم مقاليد السلطة إلى حكومة حتي.
وهكذا كانت الأدوار المشرقة التي قام بها رجال مشومي المسلمين على صعيد السياسة والحكم وعلى صعيد المقارعة والقتال وعلى صعيد الدبلوماسية خلال هذه الفترات العصيبة من النضال التحرري، فكان المسلمون بأسرهم من أكبر المساهمين في استنقاذ إندونيسيا سابقًا ولاحقًا.
- ٨-
تم التراضي بين حكومة هولندا وحكومة الجمهورية الإندونيسية على قيام حكومة جمهورية اتحادية هي الولايات المتحدة الإندونيسية، مكونة من جمهورية إندونيسيا والدويلات التي أنشأها الهولنديون كولاية إندونيسيا الشرقية وولاية جاوا الغربية وكاليمنتان الغربية وسومطرا الجنوبية وسومطرا الشرقية وجاوا الشرقية وماد وراء وغيرها على أساس اتحاد فيدرالي.
ولكن بعد أن قامت حكومة جمهورية إندونيسيا المتحدة أصر الشعب في هذه الدويلات على إلغائها وإقامة دولة موحدة مع جمهورية إندونيسيا بجوکجاکرتا، وأسفرت تحركات الشعب في هذه المناطق عن ردود فعل من حكامها، إذ كانت لديهم قوات مسلحة وكان الجيش الهولندي ما زال في ثكناته في انتظار ترحيلهم، ولكن من الممكن جدًا أن يتدخلوا بحجة وبأخرى، مما كان كل ذلك ينذر بشر مستطير، وقد حدثت بعض الاشتباكات فعلًا.
لذلك تقدم محمد ناصر، رئيس حزب مشومي وعضو البرلمان الفيدرالي بمشروع إلى البرلمان يدعو «كل حكومة من حكومات الولايات بما في ذلك جمهورية إندونيسيا بجوكاكرتا إلى حل نفسها مجتمعة ثم دمج كافة المناطق إلى حكومة موحدة» وقد قوبل هذا المقترح الذي عرف باسم قرار ناصر الوحدوي، بإجماع الآراء وتم إلغاء حكومات الولايات الصورية وقامت الحكومة الموحدة وبذلك حقنت دماء وصين ماء وجه الكثيرين، وتمت كل الإجراءات بما يرضى القانون والنظام والضمير.