العنوان «المجتمع» زارتهم في عيد الفطر.. قصة مسلمي «ثراكي الغربية»
الكاتب شادي الأيوبي
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1968
نشر في الصفحة 34
السبت 10-سبتمبر-2011
- ثراكي.. قسمتها معاهدة « لوزان» عام ١٩٢٣م إلى ثراكي الشرقية مع اليونان والغربية مع تركيا.
- المعاهدة استثنت ثراكي الغربية من الترحيل القسري المتبادل مع اليونان.
- ينحدرون من أصول تركية ويتحدثون اللغة التركية في تعاملاتهم اليومية.
- حكومة العدالة والتنمية اهتمت بهم وأعادت لهم بعض الحقوق التي حرمتهم منها الحكومات العلمانية السابقة.
لرمضان وعيد الفطر في منطقة ثراكي الغربية، التي يعيش بها حوالي ۱۲۰ - ١٥٠ ألفًا من أبناء الأقلية المسلمة، طعم مختلف يذكر بأيام الخلافة العثمانية في البلقان.
ففي « ثراكي» يتوزع أكثر من ١٥٠ واعظًا وإمامًا في المنطقة على المساجد التي تنتشر في المدن الكبرى «كوموتيني، وكسانثي وذيذ يموتيخو»، وعلى قرى المنطقة كما يحضر بعض الوعاظ من تركيا المجاورة من حين لآخر، ويصل عدد تلك المساجد إلى حوالي ۳۰۰ مسجد، بني معظمها خلال فترة السلطنة العثمانية، ومع نهاية شهر رمضان يتم القراء والمصلون ختم القرآن الكريم بأدعية و ابتهالات كثيرة، في جو مهيب تمتلئ فيه المساجد بالكبار والشباب والأطفال، كما تحضر النساء لسماع القرآن والدعاء في القسم المخصص لهن من المسجد.
ورغم ما يعيشه مسلمو ثراكي من ضعف في الحالة المعيشية، فهم لا ينفصلون عن قضايا الأمة، ففي هذا العام شهدت المساجد حملات جمع تبرعات لمسلمي الصومال بعد ما تعرضوا له من ظروف المجاعة القاسية، وقد نشرت إحدى الصحف قائلة: إن مسلمي ثراكي تبرعوا بأكثر من ثلاثمائة ألف يورو أرسلوها عبر الجمعيات الخيرية إلى المستحقين في الصومال، وهو الأمر الذي كان قد حدث من قبل مع نكبة باكستان في العام الماضي، كما أن مسلمي ثراكي يقومون من وقت لآخر بحملات إغاثة لصالح إخوانهم في فلسطين.
وفي صباح العيد يخرج المسلمون إلى المساجد مع صلاة الفجر، ويلازمونها حتى صلاة العيد، وخلال هذا الوقت يقرأ عليهم أحد الأئمة موعظة مطولة يوصيهم خلالها بالاستمرار على الطاعات بعد رمضان وبر الوالدين والأقارب، وتمتلئ المساجد بالمصلين ساعة أداء صلاة العيد، فيما يصلي عدد كبير منهم في باحات المساجد في المدن الكبرى، بعد الصلاة تبدأ فترة الزيارات ويُعنى مسلمو ثراكي الغربية بشكل خاص بكبار السن وزيارتهم والاطمئنان عليهم، ويحظى الأجداد والجدات باحترام كبير بين الأصغر سنا، حيث يُعتبرون مصدرًا للخير والبركات ولعل أبناء الأقلية من المجتمعات القليلة التي يقبل شبانها أيادي كبار السن بغض النظر عن كونهم أقرباء لهم أم لا .
وبعد ظهر يوم العيد ينتقل المسلمون الذين يسكنون في المدن إلى القرى حيث يسكن الأهل والأقارب، ويقضون ما تبقى من النهار في المعايدات وتبادل الزيارات، وكشأن كل المجتمعات، يعتبر يوم العيد فرصة كبرى للأطفال الذين يتجولون على البيوت مقدمين التهاني والمعايدات، ويقدم الأهالي لهم الهدايا والأموال بسخاء، حيث يجمع كل طفل في نهاية النهار مبلغًا كبيرًا وهدايا وحلويات كثيرة.
لمحة تاريخية
والأقلية المسلمة في منطقة ثراكي «تحدها بلغاريا شمالًا وتركيا شرقا» تسكن المنطقة منذ أيام الخلافة العثمانية، ومع قيام الدولة اليونانية الحديثة في عام ١٨٢١م، بدأت هجرة المسلمين من اليونان بسبب ما تعرضوا له من مضايقات، مما أدى إلى انحسارهم في مناطق محددة في شمال وغرب اليونان. ومنطقة ثراكي الكبرى تم تقاسمها بين اليونان وتركيا، حيث ضمت اليونان ثراكي الغربية، وضمت تركيا القسم الشرقي منها، وعند توافق حكومتي «كمال أتاتورك» و«إليفثيروس فينزيلوس» على تبادل السكان بشكل إجباري في اتفاقية «لوزان» عام ۱۹۲۳م، تم استثناء مسلمي ثراكي الغربية واليونانيين في مدينة إسطنبول من عملية الترحيل .
علاقة أبناء الأقلية مع تركيا ليست مجرد انتماء سياسي، بل هي واقع معيشي ملموس، فأبناء الأقلية كانوا حتى فترة قريبة يرسلون أبناءهم إلى تركيا للدراسة، فرغ ما قامت به اليونان من فتح أبواب الدراسة لأبناء ثراكي للتعليم والدراسة بها من خلال تخصيص نسبة ثابتة لطلابهم في الجامعات اليونانية إلا أن الغالبية العظمى من أبناء ثراكي يتم إرسالهم للتعليم في تركيا، كما أن للكثيرين منهم ممتلكات ومصالح في تركيا، حيث تعج عشرات الحافلات يوميًا بالمسافرين إليها، وتملأ البضائع التركية المختلفة أسواق المنطقة، حتى يخال المرء نفسه في إحدى أسواق إسطنبول.
ولا تزال تركيا حتى اليوم ملجأ أبناء الأقلية في المناسبات والإجازات، حيث يرسلون أبناءهم إليها لتعلم القرآن الكريم والدين الإسلامي، وقضاء العطل الصيفية في مخيمات ومدارس رسمية، ويتحدث أبناء الأقلية اللغة التركية في منازلهم، كما يتابعون القنوات التركية بشكل شبه حصري، وحتى اليوم لا يزال الكثيرون من أبناء الأقلية يتكلمون اليونانية بشيء من الصعوبة.
لكن المناكفات بين اليونان وتركيا كان لها أثر سيئ على أبناء الأقلية، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المسلمين كانوا حتى أحداث قبرص عام ١٩٧٤م يشكلون ٨٠ من سكان ثراكي، وقد أدى هروب قسم منهم إلى تركيا إلى أن تصبح نسبتهم اليوم ٣٠ فقط.
ومع صعود حزب العدالة والتنمية التركي إلى سدة الحكم في تركيا، زاد اهتمام الدولة التركية بالأقلية، كما سادت أجواء إيجابية في المنطقة بعد اتخاذ حكومة «أردوغان» خطوات لإعادة الأوقاف اليونانية التي كانت الحكومات العلمانية السابقة صادرتها، وكان آخرها الخطوة الأخيرة التي أعادت ما تبقى من ثروات مصادرة إلى الأقليات .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل