; شباب المسلمين يموتون على أعتاب أوروبا | مجلة المجتمع

العنوان شباب المسلمين يموتون على أعتاب أوروبا

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007

مشاهدات 55

نشر في العدد 1782

نشر في الصفحة 22

السبت 29-ديسمبر-2007

  •  مرکز رصد غربي أكثر من 11 ألف مهاجر إجمالي الموتى على حدود أوروبا ربعهم غرقوا في البحر

  • حل مأساة هجرة الشباب يبدأ ببناء الإنسان المسلم داخل الأوطان والنهوض بالأوضاع السياسية والاجتماعية بعد والاقتصادية والثقافية.

 أحلام جميلة بلون ماء البحر الأزرق الرائق، وآمال عراض باتساع الأفق البعيد.. سيهاجر من أرض البطالة والنصب. ويستقر في عالم العمل والكسب سيرسل لأمه ثمن ذهبها الذي باعته، ولأخته ملابس الفرح الذي تأخر، ولصديقه الدين الذي اقترضه منه، ولخطيبته المهر الذي وعدها.. ويمخر القارب عباب البحر الهائج ويقترب من مرسى الأمل، وفجأة تعلو الأمواج وتضطرب فلا يرى إلا الظلمات بعضها فوق بعض وينشطر القارب نصفين ويهوى المهاجر إلى أعماق البحر ليس بخارج منها.. وتعيش أسرته على أمل ضائع وترقب مرير وتزداد ديونها.

ذلك ما يحدث لشباب أظلم أمامهم المستقبل في أوطانهم، فأبوا إلا أن يموتوا بعيدًا عنه... مأساة تتجدد. يأخذ الشباب المصري والمغاربي والأفريقي نصيبه منها. كان آخرهم 164 شابًا مصريًا غرق بهم مركبان قبالة سواحل إيطاليا، ولا تزال جثثهم تصل لمصر في توابيت وتصاحبها مواكب بكاء وحزن في القرى المصرية المختلفة. والأغرب أن دراسة ميدانية له مركز الدراسات القومية كشفت عن أن هؤلاء الشبان المصريين لا يزالون مصرين على السفر والهجرة حتى لو كانت غير شرعية لأنهم يحلمون بالثراء، ويعانون من الفقر في بلادهم وقلة فرص العمل. ويشجعهم على هذا قدوم قرناء لهم كانت حظوظهم أفضل في السفر هاجروا وحققوا الثراء السريع. 

هل وصل الإحباط واليأس بالشباب إلى هذه الدرجة ليخاطروا بحياتهم؟ وما أبعاد الهجرة في العالم؟ وكم من هؤلاء مات على أعتاب أوروبا؟ 

طبقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان. يشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 29عامًا نصف حجم الهجرة الدولية في العالم، وهم يهاجرون في أعمار أصغر بدرجة متزايدة وبمفردهم. وأغلبيتهم دافعهم البحث عن عمل، سواء كان مؤقتًا أو دائمًا، وعلى مستوى العالم، نجد أن معدل البطالة بين الشباب في السن المذكورة يمثل أكثر من ضعف معدل بطالة الكبار (1). 

ويواجه الشباب الذين يهاجرون أخطارًا وتحديات خاصة بسبب أعمارهم ويتعرضون للاستغلال والاتجار بالبشر والعنف وكل انتهاكات حقوق الإنسان ويسعى آخرون إلى الحصول على التعليم أو يرحلون لكي يلتئم شملهم مع والديهم أو أقاربهم الآخرين الذين استقروا فعلا في أرض أجنبية أو ليتزوجوا بما يشمل الزيجات المدبرة والقسرية التي تتورط فيها الشابات.

ويجبر آخرون على ترك بلدانهم. للإفلات من صراعات مسلحة، أو اضطهاد عرقي، وهؤلاء أحياناً يكونون قد فقدوا والديهم.

والحقيقة أن هجرة الإنسان خلال العصور لم تتوقف، وإن كان السبب يتفاوت من مكان لآخر، وهناك الهجرة المشروعة وغير المشروعة والهجرة الهادفة والاضطرارية. ويلعب التفاوت الاقتصادي الهائل بين الدول الغنية والدول الفقيرة دوراً كبيراً في ذلك، وكذلك اشتعال النزاعات السياسية والعرقية في الهجرة، وهناك دور آخر للعولمة التي ألغت حدود العالم »الشعورية«، وروجت للسلع الكمالية وحياة الرفاهية التي يراها الشباب في الإعلانات والأفلام وجعلت شريحة مستقرة من الشباب تطلب المزيد وتغامر من أجله.

3%من سكان العالم هاجروا عام 2006م 

في عام 2006م ومن بين سكان العالم الذين يبلغ عددهم 6.5 مليار نسمة. بلغ عدد المهاجرين نحو 191مليونًا (176 مليونًا عام 2000م) يشكلون 3% من سكان العالم. منهم حوالي 40 مليونًا بهجرة غير مشروعة. ومن بينهم ما يزيد على 13 مليونًا من اللاجئين، وما يزيد قليلًا على مليون من طالبي اللجوء.

كما ينتشر في العالم نحو 25 مليونًا من النازحين داخل أوطانهم نتيجة الصراعات في 52 دولة طبقًا لآخر إحصاء للوكالة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، كما يوجد 5.8 مليون بدون دولة (2). 

ولأنه من الطبيعي أن تحمي الدول حدودها من المهاجرين فقد زادت هذه الإجراءات الحمائية في كل الدول بما في ذلك الدول العربية الغنية، فطبقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، فإن السعودية تقوم ببناء سياج مزود بتكنولوجيا متقدمة تبلغ كلفته 7مليارات دولار على امتداد حدودها مع العراق لمنع دخول العراقيين بعدما أفقر الاحتلال بلادهم وحولتها الحرب لمكان غير آمن (3).

11ألف مهاجر ميت! تؤكد الإحصاءات الغربية أنه قد وصل العام الماضي لإيطاليا عن طريق القوارب المتسللة أكثر من 22 ألفًا من المهاجرين الأحياء، ووصل لإسبانيا وجزر الكناري في العام نفسه 40 ألفًا، في حين طردت إسبانيا أيضًا 100 ألف العام الماضي من حصيلة ما لديها (4).

 ويقول موقع الأوروبي للحدود الذي«fortress Europe »ينشر الأخبار الصحفية منذ سنة 1988م عن هذه الظاهرة أن إجمالي من مات على حدود أوروبا أكثر من 11 ألف مهاجر (11120) من بينهم 1870 فقدوا في البحر (5).

والخطورة أن هذا ما عرف وما خفي كان أعظم، كما أن الإحصاءات تشير إلى أن أغلبية المهاجرين هم من بلدان عربية ومسلمة ويتابع التقرير أنه في البحر المتوسط، وداخل المحيط الأطلنطي قبالة إسبانيا مات 7541 مهاجرًا، ومات 2481 غرقى على أطراف جزيرة صقلية»سيسلي« في الطريق الموصل بين ليبيا تونس ومصر لكل من مالطة وإيطاليا، من بينهم 1525 مفقودًا. كما غرق 64 آخرون في البحر بين الجزائر وجزيرة سردينيا .

وعلى طريق موريتانيا والمغرب والجزائر المتجه إلى إسبانيا عن طريق مضيق جبل طارق ومياه جزر الكناري لقي 3537 شخصًا حتفهم من بينهم 1678 مفقودًا، ومات كذلك 766 في بحر إيجة بين تركيا واليونان، من بينهم 402 مفقود.

وفي بحر الأدرياتيك بين ألبانيا، والجبل الأسود وإيطاليا، مات 553 شخصًا، من بينهم 250 لم يعثر على جثثهم، وغرق 587 مهاجرًا وهم يحاولون الوصول إلى الجزيرة الفرنسية، مايوت في المحيط الهندي ومات خنقًا 130 مسافرًا في أعماق سفينة تجارية مسجلة. 

وفي الطريق الوعر إلى أوروبا عبر الصحراء الكبرى التي لا ترحم لقي 1579 شخصًا حتفهم عطشًا داخل عربات النقل والشاحنات التجارية، وكانوا يحاولون عبور الصحراء إلى البحر المتوسط، عن طريق السودان إلى ليبيا أو عن طريق غرب أفريقيا إلى الجزائر عن طريق مالي والنيجر.

وكذلك غرق 180 شخصًا وهم يحاولون عبور الأنهار في الحدود بين بولندا وألمانيا وبين كرواتيا والبوسنة، وبين تركيا واليونان وبين سلوفاكيا وجمهورية التشيك. ومات وتجمد من شدة البرد  112مهاجرًا حاولوا العبور مشيًا فوق الجبال الثلجية على حدود تركيا واليونان، وبين إيطاليا وسلوفاكيا ومات 88 مهاجرًا في حقول الألغام وهم يحاولون دخول اليونان على الحدود مع تركيا.

وبإطلاق النار على بعض المهاجرين غير الشرعيين مات 57من المهاجرين برصاص الشرطة في تركيا وفرنسا ويوغوسلافيا ومات 95 من المهاجرين برصاص الحراس والشرطة المغربية والإسبانية على طول حاجز الحدود بين المغرب والمنطقتين الخاضعتين للسيطرة الإسبانية »سبتة ومليلية« وهما جيبان على المتوسط داخل السواحل المغربية، إذ يتدفق المهاجرون من القارة الأفريقية إلى المغرب باعتبارها أقرب الدول الأفريقية إلى إسبانيا جغرافيًا. 

ومات 41 مهاجرًا حينما حاولوا السفر مختبئين في أماكن عجلات الطائرات منهم اثنان أخوان من الهند إلى مطار »هيثرو» مات أحدهما من درجة التجمد ونقص الأكسجين »ارتفاع 22000 قدم«، والآخر وصل وقد أصيب بفقد الحرارة وأنقذ، ثم رحل من حيث جاء!

كما لقي 23 شخصًا كانوا مختبئين تحت القطارات التي تعبر من فرنسا إلى بريطانيا مصرعهم، ومات 12 آخرون تحت القطارات على حدود دول أخرى، وغرق اثنان حاولا عبور القناة الإنجليزية، ومات 11 محروقون في حريق لأحد مراكز الحجز في هولندا وهم في انتظار طردهم!

 ما بعد الوصول.. إذا وصلوا !

من بين 13 مليون لاجئ حول العالم يمثل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة حوالي النصف، ويتعرض اللاجئون عامة وفي هذه السن الصغيرة للعنف والإهمال والاستغلال والإيذاء بأشكال شتى، ويمكن أن يتعرضوا للمحن والاعتداءات سواء بالقتل أو السرقة بالإكراه، والمعاملة الوحشية وللأخطار المتزايدة للإصابة بفيروس الإيدز. ويتوقف نجاح اندماجهم على قدرتهم على التأقلم، وكذلك على سياسات البلدان المضيفة لمساعدتهم اجتماعيًا، وحمايتهم من العنصرية وكره الأجانب والتمييز، وقد يقدم هؤلاء اللاجئون على التلاعب والتزوير ومخالفة القوانين والزواج غير الشرعي، أو يجبرون على القيام بأعمال لا تتفق مع المبادئ العامة لحقوق العمال المهاجرين فضلًا عن تعرض الكثيرين للسجن والاعتقال غير القانوني بسبب تجاهل سفارات دولهم. 

وفي بريطانيا وحدها مات 90 من المهاجرين الملونين سواء داخل أقسام الشرطة أو المصحات النفسية أو السجون أو انتحروا لما وصلهم رفض اللجوء، أو أثناء ترحيلهم، أو على أيدي العنصريين البيض (6).

وهناك نصف مليون أفريقي في انتظار الفرصة للهجرة بالقوارب لأوروبا، يموت منهم كل يوم الآلاف. هناك آلاف من شباب العرب يتحينون الفرصة للسفر، فهناك المغاربة الذين سمى أحد أدبائهم رحلتهم به أحلام فوق النعش، وآلاف الجزائريين  أمثال الشاب»علي.«

رسالة من مفقود 

فقبل شهر رمضان.. عثر حراس السواحل على شاطئ مدينة جيجل بشرق الجزائر على قارورة داخلها رسالة مكتوبة على غلاف علبة سجائر بخط مرتبك وصغير.. رسالة من شخص أدرك أنه سيغرق.. فوضع الرسالة داخل القارورة وأغلقها جيدًا ورماها في البحر.. ليتلقفها الحراس بعد شهر من تاريخها.. كانت كلماتها القصيرة مؤلمة لكل الشباب:

»أمي الحبيبة.. أكتب لك وسط العاصفة.. لقد صعدت مع خمسة من الجزائريين على متن سفينة صيد، كان الاتفاق أن نسبح عندما نصل إلى المجال البحري الإيطالي، وإن نجونا فستدخل إيطاليا، لكن العاصفة داهمتنا منذ ساعة أعرف أننا لن نصل إلى إيطاليا ولن نعود إلى الجزائر.. سامحيني أمي.. أردت أن أهرب من الجحيم.. أنت تعلمين بما كنت أعانيه سامحيني. ابنك الذي يحبك: علي« (7). 

وهذا ناهيك عن إعادة ترحيلهم لو نجوا من كل هذه الأهوال أو استغلالهم من قبل مافيا التسفير العشوائي، أو ابتزازهم في أعمال مخلة وفقدان أدامتهم. 

الإسلام هو الحل !

إن ما يحدث يدعو إلى وقفة جادة لإنقاذ أبنائنا من الموت على حدود أوروبا، وإلى وقفة لإعادة بناء الإنسان المسلم داخل الأوطان، وهو تغيير يتطلب الارتقاء بكافة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وذلك في إطار قناعات أن للبشر حقاً أصيلاً في العيش الكريم ماديًا ومعنويًا جسدًا وروحًا.

 والتنمية المنشودة للشعوب العربية الفقيرة في هذا الإطار لا تقف عند توفير الدولة لحياة كريمة يتمتع خلالها الإنسان بالعيش في صحة ورغد، بل تتعداه إلى أبعاد أخرى تشمل: تحقيق قيم الحرية والعدالة والمساواة وضمانات حقوق الإنسان والتوازن في توزيع ثمار التنمية، وهي المناخات التي تسمح بتوافر فرص العمل والإنتاج والإبداع وتؤكد على احترام الذات، ولن يتم ذلك إلا بالإسلام(8).

الهوامش 

(1)www.unfpa.org

 (2) www.iom.int

(3) http://hrw.org/arabic/docs/2007/ 04/17/iraq

(4) http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/europe/6228236.stm? immigrants

(5) http://fortresseurope.blogspot.com/ 2006/02/immigrants-dead-at- frontiers-of-europe

(6) http://www.libertysecurity.org/ IMG/pdf/death_trap.pdf

 (7) http://www.aafaq.org/news.aspx?id_news=2562

 (8) www.ikhwan.net

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل