العنوان المجتمع التربوي: 1132
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995
مشاهدات 69
نشر في العدد 1132
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 03-يناير-1995
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج الغضب
قال رسول الله ﷺ لرجل جاءه وقال له: «يا رسول الله، علمني شيئًا أدخل به الجنة وأوجز، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام هذه الكلمة البليغة لا تغضب».
وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس القوي بالصرعة، إنما القوي من يملك نفسه عند الغضب»، أو كما قال: «ذلك أنه إذا شاع الغضب والتغاضب بين الناس وثب الوحش الكامن في النفس الإنسانية، وأعادها إلى حياة الغابة تلك الحياة التي لا تعرف غير شريعة الغاب والظفر».
وقد قيل إن الغضب عدو العقل، أوله جنون، وأخره ندم، ولا يستبدل عن الغضب بذل الاعتذار.
ويقولون إن الغضب يجلب انهيار الأعصاب السريع فما من حالة عصبية إلا ويكون الغضب علة العلل فيها.
والغضب هو السبب الوحيد الذي يجلب ضيق الصدر، ويعرقل سير الدورة الدموية ويرفع الضغط إلى رقم رهيب.
ولكن هل يستطيع الإنسان أن يظل متبلد العاطفة فاقد الإحساس فلا يتأثر ولا يغضب أبدًا في مواقف تستدعي الغضب؟
هذا مستحيل بالطبع، وخير الأمور أوسطها، إذًا ما الذي يجب أن يفعله الإنسان عندما ينتابه الغضب؟ وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: ٣٦).
وقال سليمان بن صرد كنت جالسًا مع النبي ورجلان يستبان، أحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد» «متفق عليه».
وعن عطية بن عروة قال: قال رسول الله: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» «رواه أبو داود في الأدب بإسناد حسن».
وعن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي: «أنه أمر من غضب إذا كان قائمًا أن يجلس، وإذا كان جالسًا أن يضطجع» «رواه أبو داود في الأدب بإسناد صحيح».
وأخيرًا أخي الداعية، حاذر أن تغضب ما استطعت، فالغضب داء ومرض، فما أحوجنا أن نحافظ على صحتنا بعيدًا عن الأمراض.
وقفة تربوية
نداء للجميع
إلى جميع الجماعات الإسلامية أوجه هذا النداء، فبعد أن اتفق الجميع إلا القليل جدا، على ضربكم والتخلص منكم هل ستستمرون في التشرذم والتقاتل، وبذل الجهود الكبيرة في الصراع فيما بينكم، وتكفير، وتفسيق بعضكم بعضًا؟!
أنتم جميعًا في نظرهم إرهابيون أصوليون متطرفون، سواء المعتدلون منكم أم المتجاوزون، وعندما يضعون الخطط لا يستثنون أحدًا، فخير بكم الانشغال فيما تلتقون عليه بدلًا من تضييع أوقاتكم في البحث عن النصوص التي تخطئون فيها بعضكم بعضًا.
خير لكم أن تنشغلوا بالخطر الكبير القادم، ألا وهم اليهود، والعمل على توعية الناس بخطرهم، ونصيحة أمتكم من دسائسهم.
خير لكم أن تنشغلوا بترسيخ القيم الإيمانية العقائدية في نفوس الناس ليواجهوا الأخطار القادمة عليهم من كل صوب وحدب.
خير لكم أن تنشغلوا بتبليغ الدعوة لمسلمي البوسنة والهرسك، والجمهوريات الإسلامية في روسيا.
خير لكم أن تدركوا ما يخطط لكم ليدعوكم ذلك للتفكير الجدي بالالتقاء ولو على بعض الأمور. خير لكم أن تطورا صفحات الماضي وتبدوا حياة أخوية ملؤها المحبة والتعاون.
أو ليس هذا أحب إلى الله من التناحر والتقاتل؟!
أبو بلال
توجيهات قرآنية تربوية للدعاة
بقلم: جاسم العوضي
أخي في الله، أضع بين يديك بعض التوجيهات التربوية من سورة طه السورة المكية التي تدور حول أصول الدين من التوحيد، والرسالة والبعث، وفيها تظهر شخصية الرسول الأعظم في شد أزره وتقوية روحه حتى لا يتأثر بما يلقى إليه من الكيد والعناد، ولإرشاده إلى وظيفته وحدود تكليفه، فمهمته التبليغ والتذكير والإنذار والتبشير، وقد جاء في هذه السورة الكريمة بعض قصص الأنبياء تسلية لرسول الله ﷺ وتطمينًا له، فذكر -جل وعلا- فيها قصة موسى وهارون مع فرعون الطاغية مفصلة مطولة -كلها تنطق بالدروس والعبر للدعاة- وذكر -تعالى- في السورة موقف المناجاة بين موسى وربه، وموقف النقاش والجدال بين موسى وفرعون ومواقف كثيرة في السورة، ونحن هنا لا نفسر السورة، ولكن نقف عند بعض الآيات لنتأمل ما تحمل من توجيهات تربوية نستفيد منها في طريق الدعوة.
ضيق صدر الداعية
قال تعالى:﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي هَٰرُونَ أَخِي ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي﴾ (طه: ٢٤-٣١) إنه الاحتمال الأول، يضعه موسى أمام الدعاة، خاصة إذا كان المدعو من أولئك المتجبرين، أن يضيق صدر الداعي فلا يستطيع تبليغ الدعوة على الوجه المطلوب كما قال في سورة الشعراء: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَٰرُونَ﴾ (الشعراء: ١٣)، إن موسى عليه السلام لا يضع هذا الاحتمال تعجلًا منه ولا هروبًا من هذا التكليف، ولكنه يعرف من هو فرعون، فقد تربى في قصره، وشهد طغيانه وجبروته وشاهد ما يصبه على قومه من عذاب ونكال، ولذلك تجد من الاحتمالات التي وضعها والتي تدل على حرصه على استمرار الدعوة، ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون.
يقول سيد قطب -رحمه الله-: «فهو الاحتياط للدعوة لا للداعية الاحتياط من أن يحتبس لسانه في الأولى وهو في موقف المنافحة عن رسالة ربه وبيانها، فتبدو الدعوة ضعيفة قاصرة، والاحتياط الاحتمال من أن يقتلوه في الثانية فتتوقف دعوة ربه التي كلف أدائها وهو على إبلاغها واطرادها حريص، وهذا هو الذي يليق بموسى -عليه السلام- الذي صنعه الله على عينه واصطنعه لنفسه.
الشعور بمعية الله
لترجع أخي الحبيب إلى سورة طه فتبين صياغ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه: ٤٢-٤٦).
إنه الاحتمال الثاني: قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ولقد اجتمع موسى وهارون -عليهما السلام- إذن بعد انصراف موسى من موقف المناجاة بجانب الطور وأوحى الله إلى هارون بمشاركة أخيه في دعوة فرعون، ثم ها هما يضعان الاحتمال الثاني ويتوجهان إلى ربهما بمخاوفهما، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى.
والفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى والطغيان أشمل من التسرع وأشمل من الأذى، وفرعون الجبار يومئذٍ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما، هنا يجيئهما الرد الحاسم الذي لا خوف بعده، ولا خشية معه.
قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى.
إنني معكما، إنه القوي الجبار الكبير المتعال، إنه الله القاهر فوق عباده، إنه موجد الأكوان والحيوان والأفراد والأشياء بقوله كن، ولا زيادة، إنه معهما، وكان هذا الإجمال يكفي، ولكنه يزيدهما طمأنينة، ولمسًا بالحس للمعونة: أسمع وأرى فما يكون فرعون وما يملك وما يصنع حين يفرط أو يطغى؟ والله معهما يسمع ويرى؟
إذًا فالله شرح صدر موسى بأخيه وهون عليهما خوفهما من فرعون، وهو معهما أينما كانا، لذلك نجد موسى -عليه السلام- وقومه أمام البحر ليس معهم سفن، ولاهم يملكون خوضه، وما هم بمسلحين، وقد قاربهم فرعون بجنوده شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون! وقالت دلائل الحال كلها: أن لا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ (الشعراء: 61 -63).
لقد بلغ الكرب مداه، وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون فهي لابد كائنة، والله هو الذي يوجهه ويرعاه، قال: «كلا إن معي ربي سيهدين، كلا في شدة وتوكيد، كلا لن نكون مدركين، كلا لن نكون هالكين، كلا لن نكون مفتونين، كلا لن نكون ضائعين، كلا إن معي ربي سيهدين»، بهذا الجزم والتأكيد واليقين -وكذلك ليكون الدعاة- وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل