; مناورات جديدة في الغرب تستهدف مسلمي البوسنة. | مجلة المجتمع

العنوان مناورات جديدة في الغرب تستهدف مسلمي البوسنة.

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995

مشاهدات 81

نشر في العدد 1153

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 13-يونيو-1995

بعد مرور الصدمة الأولى لقضية الرهائن المحتجزين في البوسنة على يد الصرب تحركت الآلة العسكرية والدبلوماسية الغربية استعدادًا لكلِّ الاحتمالات بخصوص إطلاق سراح الجنود الغربيين التابعين لقوات الحماية الدولية، ورفع العار الذي لحق بحكومات الغرب من جراء هذه القضية.

ومع استمرار لعبة شدّ الحبال بين الصرب والغرب، تبرز مؤشرات لاختلافات في المصالح والرؤى داخل الكتلة الغربية تدفع نحو مسار التعجيل في سحب القوات الدولية أو تكريس بقائها من أجل تحقيق أغراض شتى؛ تكشف حقيقة المناورات السياسية التي تهدف إلى تحجيم الصحوة الإسلامية في منطقة البلقان، والقارة العجوز عامة.

وكان اجتماع باريس يوم السبت 3/6/1995م  محطة أساسية للتأكيد على مدى تعقد الوضع في البوسنة والهرسك، فقد اتفق وزراء دفاع المجموعة الأوروبية ومنظمة الحلف الأطلسي على إنشاء قوة تدخل سريع تضم في مجموعها حوالی ۱۰ آلاف جندي أغلبهم من الفرنسيين والبريطانيين.

وقد وصفت هذه القوة بأنها «دولية»، في حين أنها ترتكز على قوات بعض البلدان الغربية، ومثل هذا الإجراء يشير إلى هيمنة مجموعة صغيرة من القوى الغربية على صنع القرار في العالم على ضوء ما يحدث في منظمة الأمم المتحدة، وبالتحديد في جهاز مجلس الأمن التابع لها حيث يمتلك عدد من الأعضاء حق النقض «فيتو».

ومن هذا المنطلق، فإن الدول المهيمنة هذه تتصرف في تسيير شؤون العالم حسب ما تقتضيه مصالحها، وليس كما تدعي مصلحة المجموعة الدولية، وتندرج قضية البوسنة والهرسك في هذا الإطار فقد احتكرت هذه الدول حق توجيه حل الصراع، أو بالأحرى تكريسه بالطرق التي ترتضيها، فمجموعة الاتصال المكونة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا هي التي تسطر «مخططات السلام» والمقصود منها تقسيم يوغسلافيا السابقة بشكل يمنع من قيام كيان إسلامي وسط أوروبا، ومعظم القوات التابعة للأمم المتحدة المتواجدة في البوسنة تابعة لحكومات غربية، في حين أن الضحايا بالدرجة الأولى هم من المسلمين، لكن الواقع يثبت مدى تهميش العالم الإسلامي في المشاركة في الحل للحرب المفروضة على مسلمي البوسنة.

وتكفي الإشارة إلى أن اجتماع باريس أفضى في ساعتين إلى القرار بتكوين قوة عسكرية بأحدث الأسلحة لدعم قوات الحماية الدولية لفهم حجم المناورة الغربية في القضية البوسنية، فكم من مرة تحدث المراقبون عن عجز الدول الكبرى عن التدخل بالقوة لإنقاذ الشعب البوسني من «التطهير العرقي»، على يد الصرب في حين أن المسألة ليست مسألة قدرة، وإنما غياب الإرادة السياسية الحقيقية للتدخل العسكري الغربي لفرض حل سلمي وردع عصابات الصرب، بل حصل عكس ذلك، حيث تحدثت العديد من التحاليل عن التواطؤ الصربي – الغربي.

الفخ الصربي.

واليوم تحوّل الوضع في البوسنة إلى مأزق حقيقي؛ لأن المعتدين الصرب وظفوا السند الغربي لهم، فأوقعوا قوات الحماية الدولية في فهم «وركبوا رؤوسهم» واستفاد حلفاؤهم خاصة في موسكو وبلجراد بتعزيز مواقعهم تحت غطاء الوساطة، وتغيرت معادلة ميزان القوى، بحيث برزت من الجانب الصربي منافسة قوية بين زعيم الصرب في بلجراد ميلوسيفتش، وقائد الصرب في البوسنة والمسؤول الأول عن الجرائم في البوسنة كارادزيتش.

ويبدو أن الأحداث الأخيرة استغلَّها النظام في بلجراد لتلميع صورته ودفع الغربيين إلى التعامل معه وقبول وساطته من أجل الإفراج عن الرهائن مقابل رفع الحصار عمليًا عن بلجراد، علمًا بأنَّ هذا الحصار بقي شكليًا، وبقي قرار الأمم المتحدة بهذا الشأن حبرًا على ورق مثل العديد من القرارات المتعلقة بالوضع في البوسنة.

أما صرب البوسنة فتحولوا الآن في نظر الغرب إلى «مجرمين وإرهابيين وعصابات...» وغيرها من الأوصاف التي لم نسمعها قبل الوقوع في الفخ الصربي، وبدون شك فإن لعبة شد الحبال بين هذين الطرفين ستتواصل في الأسابيع القادمة حتى يتم الإفراج عن الرهائن، وستكون العلاقة بينهما متوترة في المستقبل مقابل مزيد من التطبيع بين بلجراد والدول الغربية، ولعلَّ تكوين قوة تدخل سريع فرنسية - بريطانية في معظمها ناتج عن هذا التحول في طبيعة العلاقة بين قوات الحماية الدولية وصرب البوسنة، فهذه القوة ستمنع تكرار تجربة الرهائن، بالإضافة إلى الدور الخفي في عدم ترك المجال للجيش البوسني لتحقيق انتصارات على ساحة المعارك وفك الحصار على البوسنة، وعدد من المدن الأخرى المحاصرة بالرغم من قلة العتاد والزاد، ولكن قوة الإيمان بالله وبالقضية يدعو الغرب إلى الحذر من أن يتحول ردع الصرب في البوسنة إلى فرصة لانتصار المسلمين، أو على الأقل تقارب في ميزان القوى، وإن فشلت هذه الخطة فستكون قوة التدخل السريع المشرفة على سحب قوات الحماية الدولية حتى لا تكون عرضة إلى هجومات على شكل ما وقع في لبنان أو الصومال.

تنافس أوروبي أمريكي.

وعلى ذكر الصومال، فإن الطرف الغربي يعيش بدوره حالة من الاضطراب في المواقف بسبب الاختلافات في الرؤى والمصالح، فيما يتعلق بملف القضية البوسنية، فبعد أن أسقط الصرب طائرة أمريكية، واحتجزوا سائقها تأكد تردد الأمريكان بين الظهور بمظهر القوة الكبرى في العالم التي تريد أن يكون لها حضور في كل المناطق الساخنة، ودور في ترتيب الشؤون الدولية من جهة والتخوف من السقوط في الفخ الصربي، وتكرار تجربة الصومال الفاشلة، وقبلها فيتنام ذات الذكريات السيئة للرأي العام الأمريكي، لذلك أظهر كلينتون عدم تحمسه لإرسال قوات على أرض البوسنة والاكتفاء بالدعم الجوي وبالخبرة العسكرية، ومن هنا لم تشارك الولايات المتحدة في  قوات التدخل السريع التي تم الإعلان عن تكوينها في اجتماع باريس بالرغم من حضور وزير الدفاع الأمريكي في الحلف الأطلسي، ذلك أن أمريكا تعيش هاجس الخسائر البشرية، والمسؤولون في البلاد الغربية يعملون ألف حساب لهذا المعطى تحسبًا من غضب الرأي العام، وما لذلك من أبعاد انتخابية.

من أجل ذلك فإن أوروبا وبالتحديد فرنسا وبريطانيا، وهما الدولتان الأكثر تورطًا في القضية البوسنية تتجه إلى الاعتماد على نفسها وعدم التعويل على قرار يأتي من الأمم المتحدة، وينتظر أن تقف روسيا ضد المصادقة لقرار إنشاء قوة التدخل السريع الأوروبية في جوهرها باستعمال حق الفيتو في مجلس الأمن؛ لأن موسكو تخشى من سيطرة عسكرية أوروبية في أوروبا الوسطى والشرقية بالإضافة إلى دفاعها عن حلفائها الصرب حتى وإن كانت غير متفقة مع احتجاز الرهائن من قوات الحماية الدولية.

أهداف كبرى مشتركة.

ويُستشف من القرار بإنشاء قوة عسكرية بمبادرة فرنسية وبحضور فرنسي قوي أكد من استقلالية القرار الفرنسي عن القرار الأمريكي، وهذا جزء من المعادلة الجديدة التي أفرزتها الأزمة الأخيرة في البوسنة، وربما تفسر هذه الرغبة في الاستقلالية بآثار المرجعية الديجولية في السياسة الخارجية، وباعتبار أن شيراك الديجولي هو الرئيس الجديد لفرنسا، فقد يكون هذا التوجه في معالجة القضية البوسنية مؤشرًا لنقلة نوعية في السياسة الخارجية الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الموقف الفرنسي بالموقف الأمريكي في بعض المسائل الحساسة، لكن يصعب مقارنة ديجول بشيراك لأسباب عديدة منها بالخصوص التحولات في العلاقات الدولية، وسيطرة الأمريكان على النظام العالمي «الجديد» حاليًا، وعمق الأزمة الاقتصادية في أوروبا، وتبقى المصالح المشتركة والأهداف الكبرى ومنها محاصرة المد الإسلامي في المحرك الأساسي لسياسة القوى المهيمنة في العالم.

أما فيما يتعلق بالوضع في البوسنة ومنطقة البلقان عمومًا، فإن هاجس هذه القوى هو انفجار الوضع في شكل حرب مدمرة داخل البوسنة نفسها واتساعها؛ لتشمل بقية المناطق المتوترة مثل كوسوفو والجبل الأسود، ولذلك فإن السياسة المتفق عليها بين الأطراف المتحكمة في الوضع القائم في هذه المنطقة الحساسة من العالم تتلخص في عدم تجاوز خطين أحمرين: قيام كيان إسلامي هناك، وانفجار الوضع بشكل لا يمكن لهذه الأطراف التحكم فيه، ويعني ذلك إبقاء الأوضاع على ما هي عليه من حالة التوتر لتبرير التواجد الأجنبي الغربي بالخصوص تحت غطاء دبلوماسي «السعي لإيجاد حل سلمي - الدفاع عن حقوق الإنسان»، ولكن الرهان على هذه الخطة غير مضمون العواقب، واحتمال الانفجار في منطقة البلقان وارد بسبب التدخلات الأجنبية ذات الأبعاد المصلحية.

الرابط المختصر :