العنوان المجتمع الأسري(1587)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 60
السبت 31-يناير-2004
■ كيف تواجه بيوتنا تحديات اليوم والغد؟
■ مفكرة الأسرة
نور الهدى سعد
خدمة مركز الإعلام العربي- القاهرة
«أبي يقرأ الصحيفة.. وأمي تطبخ» جملتان التقطهما العلمانيون من أحد كتب مرحلة التعليم الأساسي في مصر، ليؤكدوا من خلالهما أن مناهج التعليم تكرس الأدوار التقليدية للمرأة، وترسم في أذهان التلاميذ صورة مشوهة للنساء تظهرهن أقرب إلى عاملات المنازل منهن إلى الكيانات الإنسانية الفاعلة!
ثمة كثير مما يمكن أن يقال في نقد هذه الرؤية، بل هدمها، ولكننا نعلن وبإيجاز أننا مع هذه الأدوار، معها بشكل مطلق، وليس هذا نكاية في الفصيل العلماني، ولا شكلًا من أشكال الرفض المطلق لكل مقولاته، وقوالبه الفكرية، فليس هذا وقت النكاية أو الاختلاف لأجل الاختلاف وحده، فالعاصفة القادمة لن تختار ما ستحصده من رؤوس، والإعصار سيجتاح أمامه أخضر الإسلاميين والعلمانيين ويابسهم معًا.
وإنما هذا الإعلان مرده أننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتأكيد نمط توزيع الأدوار في الأسرة العربية، هذا التوزيع الذي استقر، وتجذر بشكل ضمن لهذه الأسرة - لزمن طويل - تماسكها، ومتانة علاقاتها.
وحين بدأت محاولات تحريض النساء على مهامهن المنزلية، وتحفيزهن ضد الزوجية والأمومة وتجييشهن لخوض معركة الدفاع عن حقوق مزعومة، بدأ بنيان الأسرة في التخلخل كأثر من آثار تمرد النساء على فطرتهن ورفضهن للأدوار المرتبطة برعاية الأسرة زوجًا وأبناءً.
وحين نسترد احترام المرأة لهذه الأدوار، بل زهوها بها نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا في الطريق نحو رد الاعتبار للنظام الأسري المحكم الذي يتفرد إسلامنا بالتنظير له باعتباره أساسًا لا غنى عنه في البناء الإسلامي بأسره.
وهذا النظام يتعرض إلى حرب شعواء تستهدف ليس فقط الأسر القائمة فعلًا، بل مفهوم الأسرة وبناءها الفلسفي والفكري من منطلق وعي العدو الكامل بمحورية هذا المفهوم في الرؤية الإسلامية وبأهميته كسلاح في مواجهة محاولات التذويب والعلمنة الأخلاقية.
ويعد رد الاعتبار لهذا النظام أول أهداف المفكرة الأسرية في المرحلة القادمة، «واستخدام كلمة «المفكرة» بديلًا «للأجندة» متعمد.. من منطلق إحلال اللفظ والمصطلح العربي والإسلامي محل الغربي، وما يعنيه هذا من الانتصار للمرجعية
الإسلامية على غيرها من المرجعيات».
أما باقي أهداف هذه المفكرة فيمكن رصده في:
تمهيد الذات لمواجهة المستقبل
فاستقراء الماضي، وتأمل الحاضر يوصلاننا إلى أن صورة المستقبل لن تكون هادئة آمنة، وإنما ستكون مليئة بالصراعات والمحاولات المستمرة لإعادة رسم الخريطة العربية والإسلامية، وهي محاولات لن تكون كلها سلمية، ومن ثم لابد من أن تتأهب الأسرة للتعامل مع الغد: بتوقعه أولًا، ثم بالتفكير في آليات التعامل معه اقتصاديًّا، وثقافيًّا، ويمكن اعتبار الأهداف التالية للمفكرة خطوات في طريق تحقيق هدفها الأساسي السابق ذكره.
وسطية الإنفاق
فالترف والنزعة الاستهلاكية حين يتجذران في النفس، ثم يفرض على النفس فجأة أن تواجه ظروف الأزمة، والتقشف، والحاجة، فإن ذلك يصيبها بصدمة الانتقال المفاجئ من النقيض إلى النقيض، فيحدث التخلخل والهشاشة، مما يضعف مقاومتها وقدرتها على المواجهة إن لم يقض عليها، ولذلك لابد من أن نعتاد الاعتدال، بل والاخشوشان اختيارًا قبل أن يفرضا علينا قسرًا ونحن غير مستعدين.
الصدق مع الأبناء
إذ لا تخلو أسرة من طفل أو أكثر يسألون عما يشاهدون على التلفاز أو الفضائيات أو يسمعون من أخبار الحرب، ومجرد إجابتهم أننا في أمان يعد خطأ كبيرًا، ونوعًا من التنويم غير المرغوب فيه، والأوفق أن نبسط لهم الأمر ونشرحه من منظور سنة التدافع، والصراع بين الخير والشر الذي ينتهي بانتصار الخير ولو بعد زمن طويل، وأن نقول لهم إن الذين يحدث لهم ما يرون ويسمعون هم إخوة لنا لابد أن نقف معهم بالدعاء والمساندة القلبية.
توسيع مفهوم المقاطعة
فكم من أسر تقاطع بشكل تام سلع العدو الاستهلاكية، ولكنها تجلس مشدوهة أمام فيلم أمريكي، أو مسلسل إنجليزي، أو يشتري أحد أفرادها خدمة ثقافية تنتمي لإحدى دول المقاطعة، وهذا يعكس فهمًا منقوصًا للمقاطعة التي تعد شكلًا من أشكال الجهاد المدني يجب أن يتجاوز الدائرة الاقتصادية إلى «الدائرة الفكرية والثقافية» خاصة إذا كان المتلقي قابلًا للاستلاب، ولا يتعرض إلى المضمون الثقافي للعدو بهدف الوعي والفهم وحدهما.
التوظيف الجهادي للتقنية
ويقصد به استخدام الوسائط التقنية «حاسوب- شبكة معلومات- هواتف نقالة» بشكل مزدوج يحقق هدفين في الوقت ذاته:
دعم الوعي الشخصي بمجريات الأحداث وتفاعلاتها والتزود أولًا بأول بأحدث التطورات.
تبادل المعلومات والأفكار مع آخرين عبر هذه الوسائط، ويرتبط بهذا التوظيف أيضًا تصحيح المفاهيم المغلوطة، ونشر المصطلحات البديلة، وتلاقح وجهات النظر حول ما يمكن عمله، أو يمكن تفعيله أو استحداثه من آليات المواجهة.
زيادة رصيد التقوى الفردية
ففي إحدى محاضرات الداعية الأستاذ عمرو خالد ربط بين إيمان المسلمين ووجود المسجد الأقصى في حوزتهم، وأكد بالوقائع والاستشهادات القرآنية والتاريخية أن الأقصى يكون في قبضة المسلمين حين تعلو همتهم الإيمانية والعكس صحيح.
من هنا فإن على الأسرة أن تتضافر في تطوير طاقاتها الإيمانية، بقيام مشترك لليل وقنوت في كل صلاة وصيام للأيام البيض، وصدقات، وورد قرآن يومي فردي أو مشترك، ويرتبط بمضاعفة رصيد التقوى، تثقيف النفس في مجال التاريخ الإسلامي بدءًا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه، وما فيها من دروس حركية وسلوكية، مرورًا بعصور الإسلام المختلفة، ويتحقق هذا إما بجهد خاص أو من خلال جلسات أسرية للقراءة والتدارس، وتعد الأجازة الصيفية فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف.
الانتقال من العشوائية إلى التخطيط
فنحن مازلنا نخطط بدقة للأهداف العاجلة، أما الهدف بعيد المدى؛ تربية أبنائنا، والذي هو ذخر لنا في الدنيا والآخرة، فما زلنا بكل أسف نتعامل معه بروح رد الفعل، وبعشوائية مخجلة، فنطعم، ونكسو وتعلق على السلوك غير المقبول، ونمتدح أو لا نمتدح السلوك الطيب، ولكننا ربما لا نعرف الكثير عما يجب أن نغرسه في نفوس صغارنا من قيم، وكيف نعدهم ليكونوا عدة لدينهم، لا عالة عليه، وثمة قيم وأخلاقيات لابد أن يهتم الأبوان والمربون بزرعها في الصغار عبر الممارسات اليومية، ومن خلال المواقف الحياتية المختلفة، مثل القناعة، والإيثار، والمراقبة، والشجاعة، والصدق، والكرم، والإيجابية وغيرها، وكما تهتم المؤسسات بتقييم أداء العاملين فيها يجب أن يكون اهتمام الأبوين بالمؤسسة الأسرية من خلال جلسة مراجعة أسبوعية لأدائهما التربوي ولسلوكيات أبنائهما، ولمدى تحقق أو تعثر ما اتفقا عليه من أهداف في جلسات سابقة.
مفكرة الأسرة في مرحلة التحديات الحالية والمستقبلية تتسع لكثير من الأهداف وآليات العمل، ولكن يظل الهدف الأهم أن تبقى الأسرة، أسرة بعلاقات سوية، وفهم عميق للدور والمسؤولية، وأن تظل الأم تطهو من غير أن تستشعر الحرج والإحساس بالدونية، ويظل الأب يقرأ الصحيفة لا ليتعالى على شريكته بمعلوماته وثقافته، ولكن ليثري نفسه بزاد فكري يعينه على ممارسة مهامه التربوية بنجاح. فإعادة النظر في الأدوار الأسرية للأبوين يجب ألا يستهدف «عقاب» الرجل بإلقاء تبعات البيت عليه لتتفرغ المرأة لتحقيق ذاتها المهنية، ولا «تعويض» المرأة عن عصور «القهر» المنزلي بإطلاق سراحها من سجن المطبخ والبيت.
■ عمل الزوجة.. هل يؤدي إلى ضعف الترابط الأسري؟
المدينة المنورة: أحلام علي
لا يخفى على أحد أن عمل الزوجة خارج البيت ومزاحمتها للرجل في مجالات ليست من اختصاصها نتجت منه آثار سلبية.. سببت بالتالي الكثير من المشكلات.. لا بين الزوجين فحسب، بل امتدت آثارها إلى الأبناء أيضًا.. ومن ثم ضعف الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة داخل البيت.. وفي كثير من الحالات ضاع الأبناء بين سندان الخدم في البيوت ومطرقة أصدقاء السوء.. وتدافع المرأة عن هذا الوضع وما ينجم عنه من آثار بالقول إنها تعمل لمساعدة زوجها براتبها.. فماذا عن رأي الأزواج؟..
يقول دخيل الله الحيدري- مدير مدرسة ثانوية: إن الانشغال بالعمل أدى إلى ترك مهام البيت.. فانشغال الأب بتجارته أو وظيفته والأم بمهنتها ترك فراغًا في تربية الأبناء والاهتمام بشؤونهم، وأُسند الأمر إلى المربية والخادمة والسائق.. وبذلك فقد الأطفال بعض الأمور المهمة من توجيه مستمر ومحبة وعطف، فعكس ذلك ظلاله على الأبناء وجعلهم يشاركون في المحبة والتقدير من يتولى تلك المهمات كالخادمة والمربية، وأصبحوا يقلدون الخادمة والمربية في اللغة والعادات.. كما انعكست بعض الأمور السلبية من تلك الفئة على أبناء المجتمع.. وأضحى صداها واضحًا بين الحين والآخر...ونجمت عن ذلك مشكلات كثيرة.
ويتفق مع الرأي السابق الأستاذ الجامعي والمربي الدكتور أحمد فريد فيقول: الانشغال بالعمل لابد أن يؤدي إلى التقصير في حق الأبناء.. وقد أصبحت سمة العصر «الانشغال الدائم»!! وبشكل عام، فإن الأم المسلمة تحنو على أبنائها وتحرص عليهم طوال حياتها حتى بعد أن يكبروا ويتزوجوا وينجبوا.. وهذا الحنان العظيم النابع من الإسلام ومن الأمومة هو من فضل الله علينا، ومن فضل الإسلام علينا.. وفي بعض الحالات تضطر الزوجة لاستجلاب مربيات مسلمات وغير مسلمات وإدخالهن البيت.. وهذا من أخطر الأمور التي تهدد أسرنا وأبناءنا وبناتنا الذين يتأثرون قطعًا بالمربية..
ويؤكد شيخان الحبشي - الوكيل بقطاع التعليم أن للعمل آثارًا سلبية على الالتزامات الزوجية للطرفين، ومن غلبه أمره، فلابد وأن يؤدي ذلك إلى ترك مهام البيت ومتطلباته.. والإنسان إذا تجاوز حدوده في هذا المجال، فسيقع ولابد في مشكلات، وكثيرًا ما يحدث هذا وينتشر بين الناس عمومًا، والنساء بشكل أكبر حيث تكثر الشكاوى من ذلك.
أما الآثار الناجمة عن ذلك فهي كثيرة منها:
- إن كثرة الانشغال عن البيت والأبناء يكون له صدى تربوي سيئ على الأبناء قد يصل إلى ضياعهم، كما تكثر المنازعات والمشكلات بين الزوجين؛ فيضعف الرباط الأسري إلى أن يتفكك، وقد يؤدي هذا إلى دمار البيت والأسرة بالطلاق فيتشرد الأبناء، ويذكرنا إبراهيم بخيت الخطيب بقسم الإرشاد الطلابي أن الزوجة مكانها بيتها وهي مكلفة بتربية أبنائها، مستشهدًا بقول الشاعر:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبًا طيب الأعراق
فالمرأة العاملة تسعى جاهدة لأن تقدم خدمة لوطنها ولأبنائها، ولكن مهام البيت لابد أن يعتريها بعض النقص في تقديم الخدمات لزوجها وأبنائها، وقد تسعى لاستقدام «عاملة منزلية» لتكمل النقص الذي أوجدته بانشغالها عن بيتها وخروجها للعمل، وأنا أرى أن المرأة في أيامنا هذه منشغلة بالعمل وبغير العمل، ولعل الحياة العصرية الحديثة والملهيات الكثيرة أفسدت على المرأة مهام بیتها وترتب على ذلك النزاع والشقاق بين الزوجين مما يؤدي إلى فراقهما، وهروب الأبناء بسبب سوء تربيتهم، واتجاههم إلى رفاق السوء، ومن ثم انحراف سلوكهم وإيداعهم السجون.
لكن عبيد الصقيري من قسم الإرشاد الطلابي والتوجيه التربوي يختلف قليلًا مع هذه الآراء ويقول: إن الانشغال بالعمل ليس هو السبب في ترك مهام البيت، فالعمل، حث عليه ديننا الحنيف ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود:61) أي طلب منكم أن تعمروها، وكذلك حثت السنة الشريفة بإسهاب على العمل وأهميته.. ولكن لنقل إن العمل وغيره وأي تفاعل وحركة لا تتم كما أمر الله جل وعلا وعلى طريق وهدي رسوله الكريم ستؤدي حتمًا إلى آثار سلبية.
ويقول محمد سيد أحمد – مدرس ثانوي: كم من زوجات يعملن أشد ما يكن حرصًا على أبنائهن ومستقبلهم ومتابعتهم تعليميًّا وتربويًّا.. صحيح أنه لابد أن يكون هناك بعض التقصير، ولكن مجتمعنا المسلم في حاجة للمعلمة المسلمة والطبيبة المسلمة بدلًا من اقتحام الرجل لمجال خاص بمجتمع النساء وخاصة في التعليم والتطبيب، فتنشأ مخالفات شرعية، ولماذا لا نعترف أن هناك أمهات كثيرات لا يعملن وعقولهن منشغلات بالملهيات والفضائيات والزيارات والأسواق فتكون بالنسبة لأبنائها الحاضرة الغائبة؟ ولا يرى لمثل هذه الأم أثر إيجابي في حياة أسرتها.. فيجب أن يكون هناك توازن لدى المرأة وترتيب في الأولويات.. فقدرات كل امرأة تختلف عن الأخرى، فإذا استطاعت المرأة أن توازن بين عملها وبيتها، فهذه تسد ثغرة في المجتمع المسلم.. وإذا لم تستطع، فهنا تكون المفاضلة وتقدم مصلحة بيتها وأبنائها.