العنوان معالم على الطريق.. جمهورية العمدة وواعظه قُفَّة!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1993
مشاهدات 751
نشر في العدد 1058
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 20-يوليو-1993
سطوة العمدة في الريف
الواعظ والصدام مع السلطة
وفي بعض القرى
المحظوظة يعين فيها واعظ ديني من قبل الأوقاف، وبسرعة يطويه العمدة تحت جناحه
بالترغيب أو الترهيب، يريده العمدة أن يكون له مفتيًا يضفي على مظالمه صيغًا
شرعية، فيأمر بالطاعة لأولي الأمر في الدواهي التي يكون لها تأويل، وبالرضا
بالقضاء والقدر فيما يكون صارخ البطلان وليس له تبرير، ولكن واعظ قرية كذا.. كان
يتقي الله ويريد في نفس الوقت أن يسالم العمدة، فأحبه الناس، وأقبلوا على المسجد
وكأنهم لأول مرة ينظرون إلى دين لا يزيد المظالم، وإلى شريعة لا تبرر البغي
والعدوان، وكان الواعظ لحبه السلامة يبتعد في الخطبة عن الموضوعات التي تجلب
المتاعب في نظره – صعد مرة يخطب في العدل فقال الناس: إنه يقصد العمدة؛ لأنه ظالم
جبار.
وقال العمدة:
يقصدني فترك الواعظ الحديث عن العدل والظلم، وتحدث في الزنا وحرمة الأعراض فقال
الناس: يقصد العمدة؛ لأنه زانٍ يلغ في أعراض القرية، فتحدث في السرقة فقالوا: يقصد
العمدة؛ لأنه يسرق الناس، ومن يسرق يكون بعلمه وتحت حمايته، فتحدث في الرشوة
فقالوا: يقصد العمدة؛ لأنه لا يمرر شيئًا إلا برشوة فترك كل ذلك، وتكلم عن الصبر،
فقالوا يقصد الصبر على بلاوي العمدة ومظالمه؛ حتى يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.
فاحتار الواعظ في أمره، وقال: ماذا أفعل وفي أي
شيء أتحدث، فقال له بعض الظرفاء، وأصحاب الدهاء همسًا كل شيء محرم فهو في عمدتنا،
فأي حديث تتكلم به سيؤلمه ويمس شرفه وينطبق على جرائمه، فإن كنت تحب أن تقول شيئا
فهو المديح والثناء وطلب التأييد للعمدة، أعلى الله شأنه، وأدام عزه وبسط سلطانه،
وأهلك أعداءه!!!
أزمة المصلحين في العالم الثالث
ومشكلة
المصلحين في العالم الثالث في الحقيقة هي مشكلة هذا الواعظ مع العمدة، فأي حديث
يتكلمون، وأي موضوع يثيرون يتهمون بأنهم يقصدون السلطة، أو يتهمون الحاكم، أو
يحرضون العامة أو يثيرون القلاقل أو يعدون الفتنة، فإذا تكلموا عن الظلم النازل
والقهر الماحق، أو تحدثوا عن الحريات المكبوتة أو فقدان القانون أو انعدام الدستور
أو إهدار حقوق الإنسان، أو استباحة الحرمات قالوا: يقصدنا، وإذا تحدثوا عن التسيب
أو الفساد أو الانحراف قالوا: يعرض بنا، وإذا تحدثوا عن السرقات ونهب الأموال،
وخراب الذمم والتستر على المجرمين قالوا: يحرض علينا، وإذا تحدثوا عن الجبن وفقدان
الحمية، والخضوع للابتزاز وعدم القدرة على الدفاع عن الأمة وحرماتها، أو تحدثوا عن
الغباء السياسي والعمى الدولي، والاضطهاد العالمي للأمة، أو تحدثوا عن التأخر الحضاري
والتخلف الثقافي والانحدار العلمي قالوا: هذه هي الفتنة الكبرى وهؤلاء محرضوها!!
فإذا قالوا فماذا نفعل؟ قيل لهم بمنطق فصيح وكلام مليح: تحدثوا عن الأعمال الكبار،
والأفعال العظام والإنجازات العملاقة، تحدثوا عن حكمة السلطة وحنكتها، وعدلها
وأمانتها، وإنصافها وشهامتها، وقولوا لرمز الأمة وقائدها: أبقى الله حكمك، وأطال
عمرك، وأدام عزك، فبالشكر والعرفان نحييك، وبالروح والدم نفديك!! ولكن هل يترك
الزمان هذا العمدة، أو تبقيه صحوة الشعوب، أو يهمله الله، والله يملي ولا يفلت؟!
اقرأ أيضا:
كاد المريب أن يقول خذوني